للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 13 مايو، 2014

من سورية إلى أوكرانيا: أين "نهاية التاريخ "؟ (الحلقة6): أوروبا: العملاق الصحّي.. المريض!


______________
الحلقة السابقة (الخامسة) من هذه السلسلة تطرقت إلى الاستراتيجيتين اليابانية والهندية إزاء النظام العالمي الجديد. في هذه الحلقة سنتطرق إلى استراتيجية الاتحاد الأوروبي.
____________________
من بين كل القوى الكبرى في الرقصة الجديدة للنظام العالمي، يبدو الاتحاد الأوروبي الأكثر قلقاً وتأزماً وضياعا، على رغم أنه يعتبر الكتلة الاقتصادية الأولى والأهم في العالم، إلى درجة دفعت الكاتب البريطاني جدعون راشمان إلى التخوف من انفجارات اجتماعية وعودة اليمين المتطرف إلى القارة الاوروبية.
لكن، ما مضاعفات هذه الازمة؟ وإلى أين يمكن ان تقود اوروبا؟
أوروبا الجديدة التي  تضم 27 دولة و450 مليون نسمة دشَنت، كما هو معروف، قيام كيان إقليمي عملاق يبلغ حجمه ضعف حجم سكان الولايات المتحدة واربعة أضعاف سكان اليابان. وهو تفوَق مؤخراً على حجم الاقتصاد الاميركي (نحو 14 تريليون دولار) . كما انه سيكون قريباً أغنى من اميركا واليابان في مجالات الرساميل، والبنى التحتية، والقوة البشرية الماهرة والعلمية، ومستويات المعيشة.
أوروبا الجديدة هذه ستمتلك العديد من أكبر المصارف، وشركات التأمين،  والبيوتات المالية  في العالم. ومن بين عشر أكبر دول متاجرة في العالم، سبع منها اوروبية. وفي صناعات مثل السيارات، والمواد الطبية، والادوات الصناعية، والسلع الهندسية، ستنتج الاسرة الاوروبية الجديدة مجتمعة أكثر من أي دولة اخرى في العالم .
هذا إضافة الى انها ستكون اكبر سوق على وجه الارض، والأولى في مجال الانفاق على البحث والتطوير العلمي والتكنولوجي في حقول الفضاء والسوبر كومبيوتر والقطارات وغيرها. وفي حال إتحدت جيوش فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، فانها ستكون القوة العسكرية الاقوى والاحدث  في  العالم.
لماذا الأزمة؟
الان، وطالما ان المعطيات على هذا النحو الإيجابي، قد يكون مستغرباً أن يشعر الاوروبيون بأزمة الهوية السلبية العميقة وبالقلق والتوتر. لكن الغرابة تتبدد حين نضع في الإعتبار العولمة الليبرالية، وماتسببه من " تسوناميات الخوف" على المكتسبات الإجتماعية التاريخية للشعوب الاوروبية. وقد تعززت هذه الازمة في  السنوات الأخيرة بسبب الجمود الأقتصادي والبطالة الواسعة اللذين فاقم منهما شعور المواطنين الاوروبيين  بالغربة عن القرارات التي تتخذها من فوق الطبقات الحاكمة ( اللجنة الاوروبية).
دستور ديستان الاوروبي  لم يقدم في الواقع حماية إجتماعية من تسوناميات الليبرالية الجديدة، لأن بنوده المتعلقة بهذا الشأن تخضع إلى تفسيرات قانونية متباينة من جانب محكمة العدل الأوروبية،  التي يعيّن  قضاتها إستناداً إلى إعتبارات سياسية- طبقية يمينية حادة.
إضافة، كما تقول دانييل باوس مديرة حملة " لا" ضد دستور ديستان، الطبقات الحاكمة الاوروبية لم تظهر البتة أي إهتمام بمواجهة المد الأقتصادي الانغلوساكسوني، ولا ببناء مؤسسات ديموقراطية حقاً تمثل إرادة الشعوب الأوروبية حقاً.
بيد ان تسوناميات الخوف من العولمة، على أهميتها القصوى، ليس كل شيء. هناك أيضاً عامل قد يكون أكثر اهمية: إيديولوجيا الدولة- الامة أو الدولة القومية التي خلقتها الرأسمالية، والتي وفرَت للشعوب الاوروبية على مدى 500 عام( منذ معاهدة وستفاليا 1458) مشاعر تضامن إجتماعي ووطني قوية مكنتَها من تحقيق السوق الوطني الموَحد، والإستقرار الداخلي، والتماسك القومي.
بيد أن الرأسمالية الاوروبية في حلتَها المتعولمة الجديدة( الإتحاد الاوروبي الإقليمي) لا توفَر شيئاً من هذا القبيل. فأنت اوروبي لأنك تنتمي ليس إلى أمة بل إلى سوق. ليس إلى مجتمع بشري بل إلى بورصة مضاربة( وهذا ما أسماه الرئيس الفرنسي السابق سركوزي " رأسمالية المضاربة" ). صحيح ان ثمة جهوداً كبيرة تبذل الآن لرسم إبتسامة إنسانية على وجه العولمة الأوروبية، إلا ان إرتطام محاولات الإستقلال الأوروبية السياسية- الفكرية بصخرة الرفض الاميركي لها، جعل هذه الجهود أشبه بسباحة في بحيرة لا ماء فيها.
أجل . أوروبا في حاجة إلى هوية جديدة تتخطى قوانين العرض والطلب التجارية. لكن مثل هذه الهوية في حاجة إلى " ضد " أو " آخر " كي تتمكن من الولادة. تاريخياً، الإسلام والحضارة الإسلامية كانا هذا " الضد ". وهما قد يخدما قليلاً الان، خاصة بسبب مطالبة 100 مليون تركي بالإنضمام إلى الإتحاد الاوروبي "المسيحي". نقول قليلاً لأن " الآخر "الحقيقي" في القرن الحادي والعشرين هو أميركا، وليس الإسلام، التي لا تزال ترفض أن يستقل "وليدها" الاوروبي عنها. لكن الاوروبيين لايبدون قادرين على شق عصا الطاعة على الإمبراطورية الأنغلوساكسونية.
والحصيلة؟
إنها واضحة: أزمة الهوية الاوروبية كبيرة لأن اوروبا برمتها في أزمة كبرى، بسبب صعود آسيا من جهة، وتوجه أميركا إلى شرق آسيا، من جهة أخرى. وهي أزمة هبوط تاريخي- حضاري كبير على وجه التحديد، على رغم صعود أوروبا الإقتصادي الكبير. وهذه مفارقة هائلة يجب أن يسأل عن أسبابها جمهرة واسعة من علماء التاريخ وفلاسفة الحضارات، وربما أيضاً كارل ماركس!
الفكرة القومية في الدول الأوروبية، والتي كانت طيلة 400 سنة الصمغ الرئيس لمجتمعاتها، وهنت وتراجهت مع وهن وتراجع الدولة- الامة. والفكرة الأوروبية التي نشأت مع الإتحاد الأوروبي، لم تستطع أن تحل مكانها. وهذا خلق فراغاً خطراً في أوروبا حيث شعوب القارة لم تعد تتعرف على نفسها في الماضي، ولا على بلورة هوية جديدة متوافقة مع متغيرات الحاضر والمستقبل.
فشل الديغولية
هذه الأزمة الداخلية الطاحنة، تقاطعت مع فشل المشروع الأوروبي الأصلي، الذي كان يمثله بجلاء شارل ديغول، في الإقلاع.
 لقد آمن شارل ديغول بأن هدف الولايات المتحدة منذ العام 1945 هو السيطرة على كل العالم القديم (أوراسيا)، وأنها  تموضعت إستراتيجياً لتقسيم أوروبا ( التي تمتد وفق ديغول من الاطلسي الى الاورال بما في ذلك روسيا السوفييتية ) من خلال إثارة الخوف من شبح  عدوان موسكو الذي  إعتقد ديغول بأنه غير موجود. تحليل ديغول كان واقعياً ، لكنه وجد نفسه وحيداً. وفي مواجهة النزعة  الأطلسية التي تروج لها واشنطن، طرح ديغول إستراتيجية مضادة تستند الى المصالحة الألمانية – الفرنسية  وبناء أوروبا لا أميركية تستثنى منها بريطانيا العظمى التي إعتقد عن حق بأنها ستكون حصان طروادة الاميركي في أوروبا. بعدها يمكن لأوروبا ان تمهد الطريق أمام مصالحة مع روسيا السوفييتية، مما سيعني في النهاية محور فرنسي- ألماني – روسي يضع حداً نهائياً للمشروع الاميركي للهيمنة على العالم .
 الصراع الداخلي الخاص بالمشروع الاوروبي يمكن إختصاره بكونه خياراً بين بديلين: أوروبا الأطلسية كذيل للولايات المتحدة، أو دولة لاأطلسية تضم روسيا وتركيا إليها. هذا الصراع لم يحل بعد. بيد أن نهاية الديغولية وإنضمام بريطانيا العظمى الى الأتحاد الاوروبي، وتوّسع أوروبا شرقاً ، وإنهيار الأتحاد السوفييتي، كل ذلك دفع المشروع الاوروبي الى أحضان العولمة الليبرالية  الجديدة والى التحالف السياسي- العسكري مع واشنطن. أكثر من ذلك: هذه التطورات عززت الطابع الجماعي للمثلث الامبريالي الأميركي- الياباني- الأوروبي.
المؤسسة الاميركية الشمالية لاتبدو قلقة، على الاقل حتى الان، من توسع الاتحاد الأوروبي جغرافيا.  فالنزعة الأطلسية غير المشروطة للبعض ( بريطانيا وبعض الدول الشرقية الأوروبية ) ، والرمال المتحركة للمشروع الاوروبي ، وتقاطع المصالح بين قوى مثلث الأمبريالية الجماعية ، كل ذلك يساهم في إضعاف المشروع الاوروبي المستقل.
لقد فهمت المؤسسة الأميركية جيداً أن سعيها للهيمنة يستند الى ثلاثة عناصر تفوق على منافسيها الأوروبيين (واليابانيين): السيطرة على الموارد الطبيعية للكوكب؛ الاحتكار العسكري؛ ووزن الثقافة الأنغلو ساكسونية التي تعبر بشكل أفضل عن الهيمنة الأيديولوجية الرأسمالية. التلاعب بهذه العناصر الثلاث يكشف العديد من مجالات السياسة الأميركية وهي: الجهود المنهجية التي تبذلها واشنطن للسيطرة العسكرية على نفط الشرق الاوسط؛ هجومها الأستراتيجي المتعلق بكوريا الشمالية والصين، والعمل على تأبيد الأنقسامات في أوروبا من خلال تعبئة حليفها البريطاني ومنع حدوث تقارب بين الاتحاد الاوروبي والاتحاد الروسي .
على أي حال، يجب انتظار أمرين لمعرفة المسار الذي ستسلكه أوروبا حيال مسألة النظام العالمي الجديد: الأول، مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على استيعاب الانفجارات الاجتماعية المتوقعة، التي قد تتخذ في الكثير من الأحيان الطابع القومي الخاص بكل دولة، في ضوء ضغوط العولمة والمنافسة الشديدة التي تتعرَّض إليها أوروبا الغربية من شرق آسيا. والثاني، المدى الذي ستذهب إليه الولايات المتحدة في سياسة الاستدارة شرقاً نحو آسيا- الباسيفيك، ومدى تأثيره على التحالف الأطلسي.
* * *
الآن، وبعد استعراض استراتيجيات الدول الكبرى في الحلقات السابقة، نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: أي نظام عالمي جديد يُنتظر ولادته في ضوء موازين القوى الراهنة واللاحقة بين هذه الدول.
(غدا نتابع)
سعد محيو