للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 10 مارس، 2014

الصين واليابان: ضجيج جيو-استراتيجي خَطِر




فيما جل الأنظار الدولية تتجه نحو قوس الأزمات الأوراسي الممتد من أوكرانيا والقوقاز إلى سوريا وإيران، ثمة مرجل يغلي في منطقة أخرى من العالم ويهدد بتفجير أخطر صراعات جيو- استراتيجية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى: شرق آسيا بين الصين واليابان.


كيف؟ لماذا؟
بالدرجة الأولى لأن اليابان، وبدفع من التغيرات البطيئة ولكن الكاسحة، التي تسري في بدن النظام العالمي هذه الأيام، بدأت تخطط لتحويل قوتها الاقتصادية الثالثة في العالم إلى قوة عسكرية ضخمة مجددا.
حتى الآن، بلاد الشمس لاتزال تعيش تحت مظلة الحماية الأمنية الأميركية. لكنها إذا قررت التحول اليوم إلى قوة عظمى عسكرية،  فهي قادرة غداً على تحقيق ذلك في برهة وجيزة بفعل قدراتها المالية وتكنولوجتها المتطورة وانتاجيتها الاقتصادية. وحتى في هذه المرحلة، وعلى رغم أن البند التاسع من الدستور يحظر على اليابان العودة إلى العسكرة أو إعلان الحرب أو استخدام القوة العسكرية في الشؤؤن الدولية، فإنها تنفق 40 مليار دولار على الشؤون الدفاعية، وهذا أعلى رقم في العالم بعد الولايات  المتحدة.
ثمة عاملان أخران، إضافة إلى تراجع القوة الأميركية، يدفعان اليابان إلى العمل على لعب دور أكبر في النظام العالمي، يتغذيان من بعضهما البعض: الأول بروز جيل جديد من القادة السياسيين اليابانيين الذين يريدون طي صفحة التنصل من الماضي الامبريالي الياباني الذي دام قرناً من الزمن، على رأسهم رئيس الوزراء الحالي شينزو أبي الذي يداعب بقوة مشاعر القومية اليابانية ويدعو إلى تغيير السياسة الخارجية اليابانية. والثاني، تصاعد وتائر المجابهة بين اليابان والصين الصاعدة.
في مؤتمر منتدى دافوس الأخير، فاجأ أبي العالم حين شن حملة عنيفة على الصين متهماً إياها بأنها ذات نزعة عسكرية وعدوانية، مشيراً إلى أن الصين واليابان تشبهان ألمانيا وبريطانيا عشية الحرب العالمية الأولى: فهما متزوجتان اقتصادياً  لكنهما مطلقتان استراتيجيا. وقد ردت الصين بالمثل، واتهمت اليابان بأنها تريد العودة إلى "ماضيها العسكري الامبريالي البشع" في آسيا.
بيد أن الأمور لم تقتصر على الأقوال بل بدأت تنتقل إلى الأفعال.  ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2013 أعلنت الصين عن إنشاء منطقة محظورة على الطيران في شرق آسيا من دون الحصول أولاً على إذن السلطات الصينية. وقد شمل ذلك المناطق المتنازع عليها بين طوكيو وبيجينغ. وفي الشهر الذي تلا ذلك، قام أبي بزيارة ضريح ياسوكوني الذي تقول الصين وبقية الدول الآسيوية بأنه يضم رفاة مجرمي الحرب اليابانيين، وأثار ذلك موجة من الغضب في الصين والكوريتين.
صحيح أن المحللين لايتوقعون إلى تصل الأمور بين هذين العملاقين إلى درجة الانفجار العسكري بسبب الاعتماد الاقتصادي المتبادل بينهما(اليابان لديها 23 ألف شركة ضخمة عاملة في الصين يعمل فيها 10 ملايين صيني)، إلا أنهم يشددون على أن النزاع الياباني- الصيني قد يكون، كما ألمعنا، أخطر نزاع جيو- سياسي في العالم لأنه يجد جذوره في عداوة تاريخية لايبدو أن لها حلا. ووفقاً لبحث في العام 2014 لمؤسسة بيو، فإن 6 في المئة فقط من الصينيين ينظرون بإيجابية إلى اليابان، و5 في المئة فقط من اليابانيين ينظرون بإيجابية إلى الصين.
وثمة نقطة قد تكون أخطر: كلا الطرفين يستخدمان النزاع لخدمة أغراض داخلية: الصين لتفريغ الشحنة القومية الفائضة لدى سكانها وتعزيز الشرعية الشعبية لنظامها، ولتبرير مواقفها اللينة مع الولايات المتحدة. واليابان تستخدم الصعود الصيني كفزاعة لاستنهاض العصبية القومية اليابانية، بهدف استعادة دورها العالمي. وإذا ماتطابق هذا التسابق على استثارة الحمى القومية مع  استمرار تراجع الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الطرفين، فإن هذه ستكون وصفة ممتازة كي تعلق قرون العملاقين في اشتباك لافكاك منه.
 وفي حال حدث ذلك، سيعني ذلك أن ثمة ضوءاً أخضر أميركياً لليابان كي تتسلح مجدداً لموازنة الصعود الصيني، في إطار تجديد "الامبريالية الجماعية" الأميركية- الأوروبية- اليابانية(التعبير لسمير أمين).
وحينها، ستدخل "نهاية نهاية التاريخ" فصلاً جديداً من أخطر فصولها.

_____________