للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 28 مايو، 2012

الأسد يمتشق أولى "أوراقه الإقليمية" .. في لبنان

هل بدأ الرئيس بشار الأسد زج أوراقه الإقليمية في معركته الداخلية؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل.
قبل ذلك تذكير بأن سورية قادرة، بفعل موقعها الجيو- استراتيجي الدقيق في الشرق الأوسط، أن تكون في آن بؤرة الاستقرار أو اللااستقرار في المنطقة، بغض النظر عن طبيعة السلطة الحاكمة في دمشق.
هكذا كان الأمر منذ أيام الأشوريين والفينقييين والفرس في تاريخ ما قبل المسيح، وهكذا كان أيضاً في العصور الحديثة حين تحوّلت سورية إلى واسطة عقد أي نظام (أو لانظام) إقليمي جديد في الشرق. من يُسيطر، أو يُهمين، على هذا البلد، يكون في مستطاعه ممارسة نفوذ أو سياسية خارجية تطال أجزاء شاسعة من حوض البحر المتوسط، ويكون في موقع يمكَّنه من طرق أبواب الخليج العربي بقوة.
هذا ما خبرته مصر منذ أيام الفراعنة وحتى عصر جمال عبد الناصر. وهذا ماعاينته الجمهورية الإسلامية الإيرانية الحديثة، حين وجدت نفسها تستعيد أمجاد قورش الكبير الذي هيمن على الشرق الأوسط بدءاً من العام 546 قبل الميلاد، عبر إحكام قبضته على الهلال الخصيب السوري.
بشار الأسد، في مقابلته مع محطة التلفزيون الروسي قبل أيام، أشار إلى هذه الحقيقة  حين ربط بين موقع سوريا الاستراتيجي وبين حروب الموارد الطبيعية التي تجري الآن على أرض المنطقة. قال: "عندما تكون بلادك في موضع استراتيجي مهم، وتطل على البحر الأبيض المتوسط، وتمر بها جميع الطرق، من الجنوب إلى الشمال ومن الغرب إلى الشرق، فستطالك مثل هذه الحرب (الموارد) حتما. لكن الأمر ليس فقط في وجود الغاز، بل أيضا في دور بلادنا في المنطقة. إنه دور استراتيجي. وهم (الغرب) يحاولون باستمرار تهميش نفوذ سوريا وتقليصه داخل حدودها، لكنه أمر مستحيل، وسيبقى نفوذنا أوسع دائما".
ثم أضاف:"  إذا ما كانوا يريدون زرع الفوضى في سوريا، فسترتد عليهم".

الورقة اللبنانية
نعود الآن إلى سؤالنا الأولي لنقول أن الأسد دشّنت بالفعل زج أوراقه الإقليمية في المعركة، حين هدد بالرد على الفوضى بالفوضى. وبالطبع حين نتحدث عن مثل هذه الأوراق، فهذا يعني في المقام الأول (وحتى قبل القضية الفلسطينية) لبنان الذي، وبفعل تركيبته الطائفية التعددية التي تجتذب التدخلات الإقليمية والدولية كالمغناطيس والذي وصفه مترنيخ بأنه "هذا البلد الصغير ذو كبير الأهمية الاستراتيجية الكبيرة"، كان حجر الأساس الذي بنى عليه الرئيس السابق حافظ الأسد "امبراطوريته" الإقليمية منذ العام 1976.
المؤشرات على بدء تحريك الورقة اللبنانية كانت لاتني تتراكم خلال الفترة الأخيرة: من رسالة بشار الجعفري، مندوب سورية في الأمم المتحدة، إلى مجلس الأمن والتي تحدث فيها عن تهريب الأسلحة من لبنان إلى سورية وعن تحوّل شمال لبنان إلى مقر لتنظيم القاعدة و "الجهاديين الإرهابيين"، إلى جولة أحمد جبريل ( قائد الجبهة الشعبية- القيادة العامة) المفاجئة في لبنان وما قيل عن جولة مماثلة، وإن سريّة، للمسؤول الأمني السوري البارز محمد ناصيف؛ وصولاً إلى الاضطرابات الأمنية التي ضربت لبنان من شماله إلى بيروت وضواحيها الشمالية والجنوبية.
لكن، لماذا تريد دمشق زعزعة استقرار حكم لبناني يعتبر موالياً لها، وناصرها في مجلس الأمن والجامعة العربية وبقية المحافل الدولية والإقليمية؟
الأسباب تبدو وفيرة:
- سياسة النأي بالنفس التي اخترعتها دمشق لحكومة الرئيس ميقاتي، والتي خدمتها تماماً لأنها وفّرت لها المتنفس المالي في خضم العقوبات الدولية المريرة عليها، فعلت ما عليها وانتهت صلاحيتها. ولذا، بات على الحكومة اللبنانية أن تكون أكثر وضوحاً في دعمها المباشر للسلطة السورية في معركتها الداخلية، كما الخارجية.
- الأجهزة الأمنية اللبنانية (خاصة مديريتا الأمن العام ومخابرات الجيش) تساعد دمشق بكثافة، من خلال ملاحقة المعارضين السوريين اللاجئين إلى لبنان وإعداد التقارير عن النشاطات "الإرهابية" وتهريب الأسلحة (وهي التقارير نفسها التي استنند إليها بشار الجعفري في رسالته إلى مجلس الأمن). لكن هذا أيضاً لم يعد كافياً. فدمشق تريد دوراً مباشراً وقوياً للجيش اللبناني ليس فقط على الحدود اللبنانية- السورية، بل أيضاً في داخل الشمال اللبناني الذي يشهد هذه الأيام صعوداً واضحاً للقوى الإسلامية الأصولية على حساب تيار المستقبل المعتدل.
- وهذه النقطة الأخيرة، أي "أسلمة" الشمال اللبناني، تعتبر مصدر قلق استراتيجي حقيقي للسلطة السورية، لأن هذه المنطقة تعتبر "البطن الرخو" لمثلث جغرافي يضم إضافة إليها كلاً من اللاذقية وجبالها مع امتداداتها إلى حمص وحماه، والتي تشكِّل معقل الطائفة العلوية. ولذا، لاتستطيع السلطة في دمشق سوى الاهتمام بمايجري في الشمال السنّي اللبناني على قدم المساواة من الأهمية  (إن لم يكن أكثر) بما يجري في درعا وجسر الشغور وباقي الثغر الحدودية.
-  الساحة اللبنانية تُعتبر، عادة، صندوق بريد ممتازاً لتوجيه الرسالة الأساسية التي  فتيء النظام السوري يهدد بها المجتمع الدولي منذ اللحظة الأولى لبدء الانتفاضة ضده: "لا إستقرار سورية سيعني لا استقرار كل المنطقة. وعليكم أن تختاروا. الفوضى هنا ستعني الفوضى هناك".
- وأخيرا، يشير استخدام الورقة اللبنانية إلى أن الوضع في سورية وصل إلى مرحلة دقيقة للغاية، تشي بفشل الحلول الأمنية والعسكرية، وبعجز النظام عن إعادة فرض سيطرته على مناطق شاسعة من البلاد. وهذا تجسَّد، على مايبدو في التدريبات العسكرية التي قامت بها وحدات خاصة أميركية في الأردن، بالاشتراك مع سبع دول، للسيطرة على مخازن الأسلحة الكيماوية السورية أو حتى على منطقة جفرافية سورية في حال سيطرة القاعدة عليها؛ كما تجسَّد أيضاً بما قيل عن وصول قوات كوماندوس روسية إلى طرطوس بهدف السيطرة على منظومة الصواريخ السورية لمنع وقوعها في يد متطرفين إسلاميين.
لاحرب أهلية؟
هذه قد تكون العوامل التي تدفع دمشق هذه الأيام إلى تصعيد ضغوطها على الأمن والسياسة في لبنان، وهي ضغوط قد تتصاعد في آتي الأيام ما لم تحصل على ماتريد.
لكن، هل الداخل اللبناني قابل للتحوّل إلى الساحة المأججة التي تريدها السلطة السورية؟
كل المؤشرات تدل على أن القوى السياسية الرئيس في لبنان (من حزب الله إلى تيار المستقبل والأطراف المسيحية والدرزية) لاتريد بأي حال تجدد الحرب الأهلية، أو على الأقل لاتريد انفجارها على نطاق واسع. فحزب الله (وإيران) سيخسران في هذه الحرب (التي ستكون حتماً سنّية- شيعية) كل صرح النفوذ الاستراتيجي الذي بنياه بشق النفس طيلة ثلاثة عقود تحت شعار المقاومة والممانعة ضد إسرائيل. وتيار المستقبل لن يبقى لاتياراً ولامستقبلياً في حال سيطر العنف، لأن التيارات الأصولية السنِّية ستحل مكانه (وهي بدأت تفعل ذلك على أي حال في الشمال ربما بتمويل خليجي). والقوى المسيحية لما تستفق بعد من هزائمها الاستراتيجية العام 1990. اما الدروز فهم يبحثون في هذه المرحلة عما يقي مناطقهم الجغرافية من شظايا الانفجار المذهبي المحتمل بين السُّنة والشيعة.
بيد ان استبعاد الحرب الأهلية "الكاملة"، لايعني ابعاد كأس العنف المر عن ثغر لبنان. صحيح أن الاضطرابات الأمنية هدأت قليلاً في الآونة الأخيرة بعد "الجولة الأولى" من محاولات توريط الجيش اللبناني في الصراعات، لكن النار لاتزال تحت الرماد، خاصة في الشمال. ثم أن الخطف المفاجيء للمواطنين اللبنانيين الشيعة الـ12 في سورية، كان مؤشراً فاقعاً على الجهود المضنية التي يتعيَّن على الأطراف السياسية اللبنانية الأساسية بذلها لمنع تمدد الأزمة السورية بالكامل إلى لبنان.
لقد دعا الرئيس اللبناني ميشال سليمان إلى مؤتمر حوار وطني في النصف الثاني من شهر حزيران/يونيو المقبل لتحصين لبنان من تداعيات الأزمة السورية. وهذه خطوة إيجابية بالتأكيد. لكن "قرار الحرب والسلم" النهائي في لبنان ليس في يد بيروت بل بين أنامل دمشق. وكل مايمكن للأطراف اللبنانية الرئيسة الرافضة للانزلاق إلى الأتون السوري، هو ممارسة "المقاومة والممانعة" لأي قرار سوري بتحويل الاضطرابات الأمنية المحتملة إلى مواجهات طائفية شاملة. وهذا سيكون مهمة صعبة وشائكة، إذا ما اقتصرت مثل هذه الجهود على الجوانب الأمنية ولم تتطرق إلى البحث عن حلول سياسية - وطنية جامعة.
ولذا، وإلى أن يبين الخيط الأبيض من الأسود في مدى وطبيعة توجُّه السلطة السورية الحالية نحو استخدام أوراقها الخارجية لخدمة معركتها الداخلية، أو حين تتضح صورة المصير السوري نفسه، سيبقى لبنان سائراً على حبل رفيع بين الهاوية الكاملة والسلامة النسبية.

سعد محيو- بيروت