للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوربة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوربة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 22 أبريل 2014

انتخابات الأسد ليست "لامهزلة ولا مثيرة للسخرية"




- I -
ثمة تاريخ لم يُكتب بعد في المنطقة العربية. تاريخ يرتبط بالعلاقة الوثيقة، والغريبة، بين علم النفس وبين السياسة.
عما نتحدث هنا؟.
عن الأوضاع النفسية لبعض أصحاب القرار، والتي تلعب دوراً حاسماً في رسم السياسات في دولهم، خاصة إذا ماكانت هذه الأخيرة سلطوية، أو أوتوقرطية (حكم الفرد المستبد)، أو ديكتاتورية.
السمتان الأساسيتان لهذه الحالات النفسية هما: السايكوباث (Psychopath)  وجنون العظمة
 (Megalomania).
السايكوباث، تعريفاً، هو الشخص المُضطّرب عقليا، ذو الشخصية غير الاجتماعية التي تتسم بالعنف والسلوك الإجرامي، والذي يبدو وكأنه يحظى بشخصية طبيعية في المجتمع. يتمتع السايكوباث باخضاع الآخرين بالقوة والعنف أو بممارسة القتل، ولايشعر بأي شعور بالذنب، أو العيب، أو تأنيب الضمير لما يفعله للآخرين. لا بل هو يُبرر جرائمه بانحاء اللائمة على ضحاياه، سواء أكانوا أفراداً أو حتى جماعات وشعوباً، ولايتوانى عن ممارسة الكذب باستمرار.
ويوضح الباحث في علم النفس روبرت هير أن السايكوباث له صورة مشوّهة عن الواقع، ولايحسب مضاعفات أعماله لا على الآخرين ولا على نفسه. أي أنه غير قادر على إدراك مخاطر أعماله. ولذلك، هو أقرب ما يكون إلى "الوحوش المُتعضة"، أي التي تعيش على افتراس غيرها.
المصاب بجنون العظمة هو سايكوباث بدوره، لكن "الأنا" لديه تتضخم إلى درجة أنه يختصر في شخصه الشعب والأمة وحتى الكون برمته. إنه متألّه يعبد نفسه، ويريد من المواطنين أن يعبدوه على هذا الأساس.
ويُفسّر الفيلسوف برتراند راسل ظاهرة الميغالومانيا كالتالي:" يختلف الشخص المصاب بمرض العظمة عن الشخص النرجسي( الذي يعبد ذاته) بأنه يرغب بأن يكون قوياً لا فاتنا. وهو يسعى لأن يخاف منه الناس لا أن يحبوه. ولهذه الفئة ينتمي المجانين والعديد من الرجال العظام في التاريخ".
الاسكندر الأكبر وهتلر وموسوليني وستالين وبول بوت (كمبوديا) وصدام حسين ، كانوا سايكوباث وميغالومانيا في آن. ممارساتهم الجنونية أدت إلى إبادة الملايين من دون أن يرف لهم جفن. وهم تمكنوا من اقتراف جرائمهم لأنهم كانوا يتسيّدون على أنظمة لاديموقراطية لاقانون فيها يردعهم، ولا شعب يُسائلهم، ولا محكمة تلاحقهم.
المنطقة العربية قبل ثورتي الياسمين والنيل كانت مرتعاً خصباً لهذه الأمراض النفسية- السياسية. ولذا أفرزت طيلة العقود الخمسة الماضية ما شهدنا من قمع واضطهاد، وقتل وتشريد، وسرقات ونهب، بقيادة "فراعنة" لايقبلون بأقل من جبل الأولمبوس، حيث تقطن آلهة الأغريق، مقراً لعروش سلطتهم.
- II -

سورية تعاني الآن من مضاعفات هذه الأمراض النفسية- السياسية على كل الصعد. فـ"رئيس البلاد" بشار الأسد يريد الآن من مواطنيه التصويت لتجديد ولايته في حزيران/يونيو المقبل للمرة الرابعة، بعد أن "اصطياد" منهم 150 ألف قتيل وأكثر من مليون جريح، وشرد 7 ملايين، ودمَّر 80 في المئة من البلاد. وهو بالطبع واثق من الفوز.
لقد ارتكب قادة المعارضة، من أحمد الجربا إلى جورج صبرا، خطأ فادحاً حين أطلقوا على هذه الانتخابات نعت "المهزلة" أو "القرار المثير للسخرية". الأمر أخطر من ذلك بكثير. فما نحن بصدده في سورية لم يعد لاشأناً سياسياً، ولاصراعاً على السلطة، ولانزاعاً بين الدول الإقليمية والدولية على أرض الشام، ولاحتى حروباً بين الهويات الطائفية والمذهبية القاتلة. إنه بات حدثاً كونياً ضخماً، أشبه بمعركة الأرماداغون بين الخير والشر، يقف فيه معظم الجنس البشري برمته في قفص الاتهام والإدانة.
إذ لو أردنا تلخيص تاريخ البشرية راهناً بتاريخ الحالة السريرية لنخبة واحدة بعينها هي أعضاء القيادة السورية الحالية(وقبلهم بقية سرب القادة المرضى في الماضي) لجاء التشخيص كالتالي: تهويمات ارتيابية حادة، ونزعة اضطراب عقلي (سايكوباثي) لارتكاب الجرائم واعمال العنف الفظيعة، وقسوة ضد من يعتبرونهم "أعداء" بينما هم في الواقع انعكاس خارجي لوعيهم الباطن. ما نحن بصدده هنا هو جنون إجرامي وقد أفلت من عقاله.

- III -

كيف السبيل إلى مواجهة هذا الوضع، الذي وصفته كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنه "أضخم كارثة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية"؟
ليس بالتأكيد من خلال مايفعله قادة المعارضة السورية الآن، أي الاطلالة على هذا الكارثة من منظور سياسي، ولا بدعوتهم الدول الكبرى إلى رفض "مهزلة الانتخابات الرئاسية"، بل بوضع الأمور الحقيقية في نصابها الحقيقي، وهي أن الشعب السوري واقع بين براثن مرضى جنونيين (بما في ذلك بعض قوى المعارضة المسلحة)، تدعهم قوى روسية وإيرانية وعربية لا أخلاق لها ولامباديء إنسانية، وأن الانقاذ الوحيد الممكن هو التعبئة العامة في كل المنطقة العربية وعرضها، وفي طول العالم وعرضه، لتعبئة الضمير البشري (أو ماتبقى منه) على التحرك.
الاسد، بتحديده موعد الانتخابات، نسف عملياً أي فرصة لنجاح سلسلة مؤتمرات جنيف. وهو لم يكن ليفعل ذلك من دون دعم روسيا التي ربما قررت الانتقام من "المؤامرة" الغربية ضدها في أوكرانيا عبر التصعيد أكثر في سورية. بقي أن تستيقظ قوى المعارضة السورية، وأيضاً "القوة الثالثة" في البلاد، من غفواتها السياسية، وتتحرك إنطلاقاً من واقع أنها لاتحارب انحرافاً سياسياً بل جنوناً مرضياً يتطلب وضع القيادة السورية، ومعهم بعض قادة المعارضة المرضى مثلهم، في مستشفيات عقلية، على مقربة من مقر محكمة الجنايات الدولية.
هل يعقل أن يواصل قادة المعارضة والقوة الثالثة إغفال هذه الحقيقة، وبالتالي إغفال وضع الخطط والبرامج الشاملة لمجابهتها؟ ماذا يحتاجون لإدراكها أكثر من تشريد نصف شعبهم وقتل وجرح قسم كبير منه، وتدمير معظم البلاد، ونسف كل مقومات البيئة وتوازناتها بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية؟
ماندعو إليه واضح:
أولا، إعادة رسم أولويات المعارضة والقوة الثالثة، عبر التحول من المطالبة بتغيير النظام السياسي إلى المطالبة بالعمل على وقف مسلسل الجنون السايكوباثي.
وثانياً، وضع "الجنس البشري" أمام مسؤولياته: إما مجابهة عربدة الجنون هذه، أو الاعتراف بأنه جنس غير جدير بهذه الحياة على كوكب الأرض؟
وثالثاً، وقف الرهان دعم الدول الغربية والعربية وأموالها ونفوذها، والعمل بدلاً من ذلك على خلق مد جماهيري عربي ودولي يستطيع وحده أن يقلب الموازين بين الجنون وبين العقلانية في سورية.
هذه ليست دعوة مثالية ولا حتى أخلاقية- إنسانية. إنها دعوة عقلانية. إذ هل من سبيل غير العقلانية لمواجهة جنون مرضي؟

سعد محيو






السبت، 22 مارس 2014

ماذا جرى حقاً في يبرود؟






- I -
معركة يبرود عكست بشكل صارخ حقيقة الصراع في سورية، الذي تحوَّل إلى مايمكن أن يكون  "حرباً أولى داخل حرب ثانية، داخل حرب ثالثة".
صورة من الأقمار الاصطناعية لمنطقة يبرود والقلمون (من غوغل

كيف؟ لماذا؟
لنبدأ أولاً ببعض الوقائع التي تكشّفت مؤخرا:
مقاومة المعارضة في مدينة بيرود، التي تقع مباشرة على الحدود اللبنانية- السورية وكانت تعتبر آخر معقل مديني للثوار في منطقة القلمون، استمرت شهراً كاملاً. وكان واضحاً أنها قادرة على الصمود ستة أشهر أخرى، وربما أكثر. لكن هذه الجبهة انهارت فجأة، وانسحب منها المقاتلون خلال يومين إثنين فقط الأسبوع الماضي.
مصادر المعارضة تنحي بلائمة هذا التطور على الصراع السعودي- القطري في سورية، الذي لات جلياً بالفعل الآن أنه له مضاعفات دراماتيكية خطيرة على جبهات القتال. وتقول هذه المصادر أنه "لو وصلت تعزيزات إلى المدينة من الكتائب الإسلامية التي تموّلها السعودية إلى المدينة، لما سقطت هذه الأخيرة. لكن الذي حدث أنه بعد يوم واحد من السقوط، دخلت هذه الكتائب إلى المنطقة وأحزرت تقدماً كبيرا. وهذا يوضح طبيعة اللعبة بين السعودية وقطر، حيث أن هذه الأخيرة تدعم جبهة النصرة وفصائل أخرى تابعة للقاعدة".
وتعتقد المصادر أن السعودية كانت مصممة على عدم تدخل أنصارها لمنع سقوط يبرود لسبيين: الأول، أن جبهة النصرة وحلفاءها كانوا هم القوة الأساسية في المدينة. والثاني أن النصرة كانت تستخدم يبرود كنقطة إنطلاق لشن الهجمات على حزب الله في لبنان. وهذا كان من شأنه إضعاف نفوذ تيار المستقبل المعتدل الموالي للرياض بين سنّة لبنان.
- II -
هل ثمة مبالغات ما في هذه الاتهامات؟
لايبدو أن الأمر كذلك.
فالخلافات السعودية- القطرية التي انفجرت وطفت على السطح خلال الأسبوعين الماضيين (عبر سحب سفراء السعودية ودولة الإمارات والبحرين من قطر) ، والتي تتمحور أساساً حول دعم هذه الأخيرة لجماعات الإخوان المسلمين ومعها كل/ وأي فصيل إسلامي آخر مستعد لمناصبة السعودية العداء في المنطقة (كجبهة النصرة التي صنّفتها الرياض مؤخراً منظمة إرهابية)، هذه الخلافات وصلت إلى ما أسميناه في موقع "اليوم، غداً" قبل أيام "الحرب الوجودية".
في مثل هذه الحرب، التي يعتبر فيها كل طرف أن مستقبل نظامه السياسي نفسه على المحك، يسود مبدأ "الحصيلة صفر"، حيث مكسب أي طرف يعتبر خسارة صافية للطرف الآخر.
في سورية، يترجم هذا الأمر نفسه في صورة "الحرب داخل الحرب" بين الفصائل الإسلامية الموالية للسعودية وبين تلك الموالية لقطر.
وينتظر الآن أن تتفاقم هذه الحرب مع اقتراب موعد معركة دمشق إنطلاقاً من جبهة الجنوب، حيث أن "جبهة ثوار سورية" القريبة من الرياض والتي انضمت إليها مؤخراً عشرات الكتائب المسلحة، تعتبر الفصيل الأقوى في الجنوب، فيما الكتائب الإسلامية الموالية لقطر لها تواجد ضعيف في هذه المنطقة، أصلاً لأن الأردن (وعلى عكس تركيا) لم يسمح للأصوليين المتطرفين السوريين وغيرهم بالدخول إلى جنوب سورية عبر حدوده.
وسبق لقادة جبهة ثوار سورية أن أكدوا عزمهم على تصفية وجود "الكتائب القطرية" في الجنوب، في الوقت ذاته الذي سينطلقون فيه للإطباق على الطرق والمناطق المحيطة بالعاصمة دمشق. كما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أعربا علناً عن نيتهما دعم هذه الجبهة التي يصفونها بالمعتدلة، بشرط أن تقاتل أيضاً الجهاديين التابعين لقطر.

بيد أن الأمور، كما أشرنا في البداية، لاتقتصر على حرب ثانية بين الإسلاميين داخل الأهلية الأهلية الأولى بين النظام والمعارضة، بل هناك حرب ثالثة داخل هاتين الحربين، تتمثّل في الجهود الضخمة التي كان النظام السوري، ولايزال، يبذلها لاختراق صفوف المعارضة المسلحة.
هذا الاختراق كان واضحاً في معركة يبرود، حيث قيل أن عناصر تابعة للنظام اخترقت بعض الفصائل المسلحة في المدينة؟ وهذه لعبت دوراً بارزاً في الترويج لحرب نفسية أشاعت مناخات غير حقيقية حول تداعي دفاعات المدينة. كما أنه ظهر في يبرود بعض سقوطها قائد فصيل معارض تحدث أمام التلفزيون الرسمي السوري عن خوض معركة مشتركة مع النظام ضد المعارضين الذي وصفهم بـ"الأرهابيين".
هذه الوقائع كست الشكوك حول دور النظام في تسهيل ولادة تنظيمات أصولية كداعش والنصرة لحماً ودماً كثيفين، الأمر الذي جعل الحرب، أو بالأحرى الحروب، فوق الأرض السورية أشبه بلغز داخل لغز، أو بلوحة كلمات متقاطعة لاتنظيم منطقياً فيها تكتبها أطراف إقليمية ودولية متنازعة.
وحين يكون الأمر على هذا النحو في سورية، حيث تتصارع الفيلة الخارجيين في مابينها ، يكون العشب هو الضحية الأولى.
والعشب هنا هو بالطبع الشعب السوري.
سعد محيو  
.
.


الخميس، 16 يناير 2014

هل سورية موجودة في مؤتمر جنيف-2؟!



قبل أيام قليلة من انعقاد مؤتمر جنيف-2حول سورية، في حال انعقاده، لايزال السؤال معلقاً في الهواء حول المضمون الحقيقي لهذا المؤتمر: هل هو حقاً لحل الأزمة السورية، أم هو في الواقع منبر "مفيد" لتسوية الصراعات بين الدول الكبرى حول طبيعة النظام العالمي الجديد؟.
مبررات هذا السؤال واضحة: فالنظام السوري فقد منذ أشهر المبادرة الاستراتيجية حين سلّم كل أوراقه لروسيا وإيران مع حلفائها الشيعة في لبنان والعراق. والمعارضة المسلحة فقدت نفسها هي الاخرى، حين انغمست في حرب أهلية داخلية وباتت معتمدة كلياً في التمويل والتسليح على القوى الخارجية. وهذا، جنباً إلى جنب مع التبعثر الأسطوري للمعارضة السياسية  السورية في الخارج، أخرج الحرب في سورية من سياقها الداخلي ووضعها برمتها تقريباً في أحضان القوى الدولية والإقليمية. ومنذ ذلك الحين، بات قرار الحرب والسلام في بلاد الأمويين يمر في واشنطن وموسكو، ويتراقص على أبواب الرياض وطهران وأنقرة، وصولاً حتى إلى أقاصي الشرق الآسيوي في بلاد الهان (الصين).
جيمي كارتر، الرئيس الـ39 للولايات المتحدة، عبّر عن حقيقة التدويل والأقلمة (من إقليم) الكاملة للأزمة السورية بالقول أن "الحرب السورية باتت حرباً لاتُربح. ولأن القوى السورية ترفض بعضها البعض، فأن  مفاوضات مؤتمر جنيف -2 قد تفشل. ولذا، لامناص من منح الأولوية للحلول الخارجية، وبالتالي من قيام الدول الكبرى بفرض الحلول على السوريين".
وهذا ما رآه أيضاً خافييه سولانا، مسؤول الشؤون الأمنية والخارجية السابق في الاتحاد الأوروبي، الذي قال أن "نفض الغبار عن قرارات جنيف-1  بعد سنة من توقيعها خطوة إيجابية، لكنها عرضة إلى مخاطر جمة قد تطيح الكيان السوري نفسه وتفجر الوضع الإقليمي برمته. ولكي يتجنّب الغرب هذا المصير الذي يهدد مصالحه، يتعيّن عليه تصعيد مناوراته الدبلوماسية وجعل انهاء الصراع على رأس أولوياته بدل أن تكون الطموحات السياسية لدوله هي هذه الأولويات، كما الأمر الآن(... )".
جبهتان وصفقات
كلام واضح؟
بالتأكيد. لكنه يبدو أيضاً كلاماً رغائبياً إلى حد كبير. أو هو على الأقل ينتظر مآل الصفقات على جبهتين متلازمتين: جبهة العلاقات الأميركية- الروسية، وجبهة الحوارات الأميركية- الإيرانية.
على الجبهة الأولى، برزت متغيرات واضحة خلال الشهرين الماضيين. فقد تمكّنت واشنطن وموسكو فجأة من إبرام صفقة لم تخطر على بال، حين توافقتا على تفكيك الترسانة الكيمائية السورية "في أسرع وقت ممكن"، وبالتالي على وقف الضربة الجوية- الصاروخية الأميركية المقررة ضد النظام السوري. وهذا فتح الأبواب على مصراعيها أمام العاصمتين كي توصلان ما انقطع بينهما من مساومات حول الأزمة السورية العام 2012. وهكذا وّلدت صيغة مؤتمر جنيف- 2، وألمح كل من الوزيران لافروف وكيري أن أي طرف سوري يعارض حضور هذا المؤتمر "سيتعرض إلى عقوبات روسية وأميركية صارمة".
الوفاق الروسي الأميركي حيال سورية شمل أيضاً استعداد واشنطن لمنح موسكو الدور الأبرز في حل الأزمة السورية، هذا علاوة على الوفاق الأهم المتعلق بحربهما ضد منظمات التطرف الإسلامي التي اجتاحت المشرق العربي.
بيد أن فتح الأبواب لم يعن تبخر التباين في وجهات النظر حول طبيعة الحلول في سورية. وهنا دخلت على الخط معطيات الجبهة الثانية، أي الحوارات الأميركية- الأيرانية.
فقد كانت طهران، ومعها موسكو، تضغطان بقوة  لتحويل الاتفاق النووي الإيراني- الغربي إلى مدخل لاتفاقات إقليمية حول مسألة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. موسكو تحمست لهذه الفكرة ليس لأنها تعتبر إيران حليفاً يعتد به (الشكوك حول النوايا بين البلدين تاريخية كما هي آنية وإديولوجية)، بل لأنها تعرف أن نفوذها على النظام السوري لايكتمل من دون ضوء أخضر إيراني.
بيد أنه لم يكن وارداً بالنسبة إلى واشنطن قبول مشاركة إيران في جنيف-2 لسببين مقنعين: الأول، أن إيران كانت ستسعى في حال حضورها المؤتمر إلى نسف مقررات جنيف واحد، لأنها تعتبر بقاء الأسد في السلطة (حتى إشعار آخر) ورقة ثمينة لايجب التفريط بها بسهولة.
والثاني، أن واشنطن ليست مستعدة لا الآن ولا بعد عقدين لاستبدال تحالفاتها السعودية والخليجية والتركية والإسرائيلية بحلف إقليمي منفرد مع إيران. كل ماتريده إدارة أوباما في هذه المرحلة هو سحب أميركا من جلجلة حروب "مبدأ كارتر" التي جعلها قوة إقليمية تدخلية في كل شؤون الشرق الأوسط، ووضعها في سفينة قيادة حربية قبالة الشواطيء المتوسطية لتدير من هناك كالمايسترو لعبة موازين القوى من بعيد.
الباحث الأميركي، الإيراني الأصل، راي تقية، أوضح هذه النقطة بالتحديد، حين شدّد على أن أميركا "في حاجة إلى صفقة نووية مع إيران، لكن ليس إلى وفاق (إقليمي) معها. وهو حذّر من أن إيران، كما الاتحاد السوفييتي قبلها، قد تحاول فهم اتفاقات الحد من التسلّح على أنها تأشيرة دخول إلى عملية توسيع النفوذ الإقليمي، خاصة في سورية إضافة إلى العراق".
من هنا جاء رفض كيري لمشاركة إيران في جنيف-2 قبل أن تعلن هذه الأخيرة أولاً موافقتها على قرارات جنيف-1 حول عملية انتقال السلطة، بما في ذلك تحديد مصير رئاسة الأسد. وهذا مايجعل الصراع حول سورية، سواء عبر مفاوضات جنيف-2 أو خارجها، صراعاً في الواقع على مستقبل الشرق الأوسط برمته وفقاً لموازين القوى الدولية والإقليمية الجديدة فيه.
إلى أين؟
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنه تعني، ببساطة، أن جنيف-2، في حال انعقاده كما أشرنا، سيكون في الواقع مجرد "استراحة محارب". فترة هدنة بين حربين. أو على الأقل منبراً تطرح فيه القوى الدولية والإقليمية المعنية شروطها وشروطها المضادة، ومطالبها الخاصة بالنفوذ في الإقليم الشرق أوسطي.
أما سورية نفسها، فستبقى بيدقاً في لعبة شطرنج دولية كبرى جديدة يفترض أن يولد من رحمها نظام دولي جديد، بدأت معالمه تتضح شيئاً فشيئاً في استراتيجية الاستدارة الأميركية شرقاً نحو آسيا (Pivot )، وفي التحالف (المؤقت) الصيني- الروسي لتقليم أظافر الزعامة الأميركية في العالم عبر كلٍ من سياستي "القضم التدريجي" الروسية الشهيرة و"الصبر التاريخي" الصينية الأشهر، وفي بروز مجموعتي العشرين والبريكس كبديل عن مجموعة  السبعة الكبار الغربية (مع روسيا لاحقا) التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وحين يبرز هذا النظام العالمي الجديد، الذي يجد الآن في جنيف-2 إحدى تمخضات ولادته، قد ينجلي المشهد عن خريطة شرق أوسط جديدة يحل فيها بريماكوف وكيري (أو من يخلفهما) مكان سايكس وبيكو، ويعاد رسم خرائط الدول من جديد، انطلاقاً من سورية أولاً ثم العراق.. أو العكس.
سعد محيو
(*) ينشر هذا المقال في موقع "سويس انفو" الالكتروني
_________________________________



  


الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

انتفاضة "ربيعية" واحدة لمجابهة "الشتاء النووي السوري"

انتفاضة "ربيعية" واحدة لمجابهة "الشتاء النووي السوري"

I
""لدينا كم هائل من الأدلة على ارتكاب جرائم خطيرة للغاية. جرائم حرب ضد الإنسانية، وعلى أن مسؤولين سوريين على أعلى المستويات، متورطون في هذه الجرائم.
"كما ثمة أدلة على أن قوات المعارضة المسلحة في سورية ارتكبت انتهاكات ضد حقوق الإنسان. وعلى أي حال، مدى الانتهاكات التي ارتكبها الجانبان تفوق التصوّر".
هكذا تحدثت أمس نافي ببلاي، المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الامم المتحدة في تقريرها الجديد والأخير حول الأوضاع الإنسانية في سورية. وعلى رغم أن هذه لم تكن المرة الاولى (بل ربما العاشرة) التي تحذِّر فيها لجنة حقوق الإنسان الدولية من الكارثة الإنسانية الزاحفة في بلاد الشام، إلا أنها كانت المرة الأولى التي تتهم فيها الرئيس بشار الأسد بالتورط في هذه الجرائم.
لكن، لماذا الآن؟
II

نسارع إلى القول أننا لانشكك لحظة بنزاهة هذه اللجنة ولابصدقيتها. فهي مشهود لها بالأمانة المهنية والحيادية السياسية. لكن، مع ذلك، قد يكون وارء الأكمة ماوراءها من مناورات غربية، تنوي استخدام التقرير الجديد للضغط على موسكو وطهران بهدف استبعاد الأسد عن المحصلات المنتظرة لمحادثات مؤتمر جنيف-2 (في حال انعقاده).
وهذا ليس أمراً مضراً في حد ذاته. فالرجل أثبت بالفعل أنه شخصية سايكوباثية لاتتأثر لحظة بالمعاناة الأسطورية شعبه، ولاحتى هو يذكرها أو يتذكرها خلال لقاءاته "الباسمة" و"الواثقة بالنصر" مع زواره ومريديه.
مانخشاه هو ان يتم التركيز على الأسد ويتم تناسي الكارثة الإنسانية الكبرى، تماماً كما تناست أميركا كل جرائم الحرب في سورية حين حصلت (لإسرائيل) من النظام السوري على ورقة تدمير الأسلحة الكيمائية.
وهاكم، في هذا السياق، مثالاً سريعاً على مايمكن أن يكون بالفعل "سقوطاً" أخلاقياً فاقعاً وشاملاً في المقاربة الدولية للمأساة السورية:
في 4 آب/أغسطس 2011، قال الرئيس أوباما في توجيه رئاسي:" إن منع الفظائع (في سورية) هو في جوهر المصلحة القومية الأميركية وفي جوهر المسؤولية الأخلاقية".
وفي 13 أيلول/سبتمبر 2013، قال أوباما في مقابلة تلفزيونية: " أعتقد أن سلوكيات الأسد أشعلت خرباً أهلية أدت إلى مقتل أكثر من 100 ألف شخص وتشريد ست ملايين آخرين، لكن الولايات المتحدة لاتستطيع أن تدخل وسط حرب أهلية يخوضها طرف آخر. أنا كنت مهتماً بالاسلحة الكيمائية لأنها تتعلق مباشرة بالمصلحة القومية الأميركية. وإذا ما تحقق هدف إزالة هذه الأسلحة نكون قد فعلنا أمراً صحيحا"!.
بين 4 آب/أغسطس و13أيلول/سبتمبر، كان أوباما يتنقل من موقع اعتبار الفظاِئع خطراُ عل الأمن االقومي، إلى اعتبارها شأناً لاعلاقة له البتة لا بالمصلحة القومية الأميركية بل بالولايات المتحدة نفسها بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم.
وهذا الانقلاب يفسّر بشطحة قلم كل أسباب استمرار الكارثة الإنسانية في سورية: فأميركا ومعها المجتمع الدولي أعطيا النظام السوري كل الأضواء الخضراء الضرورية لمواصلة المذبحة (والمذبحة المضادة من قِبَل غلاة المعارضة) في البلاد.
III

إن الشتاء بدأ يطرق الأبواب. وكل الدلائل تشير إلى أن مئات آلاف السوريين في داخل سورية وخارجها، لن يستطعوا الصمود وهم عراة في وجه البرد والصقيع والعواصف.
فماذا نحن الشعوب العربية العادية فاعلون؟
هل سنستمر في صمتنا القاتل وكأن مايجري مجرد ملاكمة عسكرية وسياسية عادية وليس انهياراً شاملاً لكل معاني الحضارة الإنسانية ولمبررات وجودها؟ هل سنواصل الرهان على مواقف أميركية ودولية لن تأتِ، فيما عدّاد الموت والدمار يسير بسرعة مجنونة لاسابق لها في التاريخ الحديث؟
آن الأوان كي نتحرك جميعاً، ليس لمناشدة القوى الدولية والإقليمية العمل على وقف أضخم مذابح القرن العشرين، بل للضغط عليها بكل الوسائل كي توقف مؤامرة الصمت عن عملية اغتيال وإبادة شعب بأكمله.
تجربة الربيع العربي أثبتت ان الشعوب العربية "تستطيع". وحان الوقت الآن لاستخدام هذا السلاح الربيعي لاسقاط مؤامرة الشتاء السوري الطويل، الذي بات يشبه بالفعل الشتاء النووي المدمّر  للحضارات الإنسانية. لكل الحضارات.

سعد محيو