للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اميركا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اميركا. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

ماذا ينتظر الشرق الأوسط والعالم في 2014؟
ماذا ينتظرنا في العام الجديد 2014؟
الكثير، الكثير.
 ولنبدأ بالعالم.
السنة الجديدة ستشكّل اختباراً حقيقياً لإدارة أوباما حول قدرتها، أو لاقدرتها، على الحفاظ على موقع الزعامة العالمية. وهو تحدٍ كبير في الواقع. فالتحالف الروسي- الصيني أثبت في العام المنصرم 2013 أنه قادر على تحويل الأقوال إلى أفعال.
فروسيا حققت خلال الاشهر الأخيرة تقدماً واضحاً على حساب الغربين الأوروبي والأميركي في أوكرانيا المهمة استراتيجياً، حين عرضت مبالغ طائلة على هذه الأخيرة لانقاذ اقتصادها، في مقابل وقف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. كما أنها حققت مزيداً من التقدم في مجال إعادة بسط نفوذها في دول البلطيك، وآسيا الوسطى، ناهيك بالشرق الأوسط عبر دعمها الكثيف لنظام بشار الأسد، وغزلها مع النظام العسكري الجديد في مصر، ومع السعودية ودول الخليج الأخرى.
والصين، بدورها، كانت تأكل هي الأخرى من الرصيد الأميركي في شرق آسيا، عبر فرض نطاقات بحرية وجوية جديدة لها في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، في إطار ما أسماه مفكر هندي "استراتيجية الملفوف" الصينية، حيث تقوم بجينغ بتسوير نفسها بالتدريج بطبقات (كالملفوف) من الإجراءات الأمنية، من دون أن تدفع الولايات المتحدة إلى الاستنفار الحاد ضدها. هذا إضافة إلى تمديد النفوذ الصيني في كل الطرق والمناطق التي توفّر لها إمدادات الطاقة.
حتى نهاية 2013، كانت إدارة أوباما "مسترخية" للفكرة التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة بأنه لاتوجد قوة أو مجموعة قوى على وجه البسيطة، مهما علا كعبها، قادرة على الحلول مكان "الباكس أميركانا" في العالم. وهذا ينطبق على روسيا والصين وأي دول أخرى في مجموعة البريكس الصاعدة.
بيد أن الأصوات بدأت تتعالى في الولايات المتحدة مُحذرة من أن هذه المقاربة ستسفر في نهاية المطاف عن قضم الزعامة الأميركية في العالم، ومُطالبة إدارة أوباما بالعودة إلى المقاربة الجيو- استراتيجية، والتي تفرض بالضرورة تقليم أظافر روسيا والصين في كل مكان. فهل سيكون أوباما قادراً في العام الجديد على تجاهل هذه الأصوات، كما فعل العام المنصرم؟
لايبدو أن الأمر سيكون كذلك.
ماذا أيضاً على الصعيد العالمي؟
هناك تطوران يجب الانتباه الشديد لهما:
الأول، هو احتمال اندلاع انتفاضات للطبقات الوسطى في القارة الاوروبية، بعد أن قطعت قوى السوق الرأسمالية شوطاً بعيداً في توجيه الضربات القاسية لدولة الرفاه الاوروبية، من خلال تقليص التقديمات الاجتماعية التي حصل عليها المواطنون عبر 200 سنة من النضالات. كما لايستبعد البتة أن تلجأ هذه القوى إلى دعم القوى الفاشية والقومية المتطرفة (كما فعلت في فترة مابين الحربين العالميتين الأولى والثانية) بهدف التصدي لهذه الانتفاضات المحتملة.
والتطور الثاني هو دخول الرأسمالية بقوة في مرحلة تاريخية جديدة سمتها الرئيس سيطرة الرأسمالية الرقمية على ثورة المعلومات والداتا، الأمر الذي بات يهدد (كما كشفت فضائح وكالة الأمن القومي الاميركي) بنشوء ديكتاتوري أورويلية جديدة في العالم تقوض بشطحة قلم كل الفلسفة الديمقراطية.
ماذا الآن عن الشرق الأوسط؟
بالطبع، الحدث الأبرز في 2014، سيكون مصير المفاوضات الإيرانية- الأميركية، السري منها والعلني، والتي ستحدد مصير كلٍ من إدارة أوباما والشرق الأوسط برمته.
ثمة هنا ثلاثة سيناريوهات: 1- تكلل المفاوضات بالنجاح خلال الأشهر الخمسة المقبلة في التوصل إلى صفقة كبرى. 2- تعثر الصفقة الكبرى، وتمديد الصفقات الصغرى إلى مابعد نهاية ولاية أوباما.3- الفشل التام وانهيار المفاوضات.
كلٌ من هذه السيناريوهات يحمل في طياته أبعاداً تاريخية كبرى. فالتسوية الكبرى ستؤدي إلى ولادة شرق أوسط جديد، وربما أيضاً تجديد للحلف الأميركي- الإيراني الذي كان في عهد الشاه. والصفقات الصغرى ستهديء المجابهات الأميركية- الإيرانية، لكنها قد تشعل صدامات إقليمية واسعة بسبب تخوّف الدول الإقليمية الرئيس (إسرائيل، تركيا، السعودية ومصر) من محصلاتها. هذا في حين ان الفشل التام سيفتح الأبواب على مصراعيها أمام الحرب.
كان من الصعب في أواخر 2013 التكهن بمن ستكون له اليد العليا في هذه السيناريوهات. لكن من الواضح أن المفاوضات ستكون شاقة ومحفوفة بالكثير من المخاطر، ليس فقط لأن إسرائيل والكونغرس الأميركي والسعودية يعارضون أي تسوية نووية لاتتضمن تقليم الأظافر الإقليمية لإيران، بل لأن الشكوك بين الطرفين المتفاوضين هائلة وتكاد تصل إلى مرحلة البارانويا المرضية.
وفي انتظار جلاء الغبار في معركة المفاوضات حول مستقبل السياسة الإيرانية، ستواصل سورية غرقها المرعب في لجج الحرب الأهلية المدمرة، وسيستمر الرقص المصري على حافة الانفجار المجتمعي، إن لم يكن الحرب الأهلية، وستتابع ليبيا انحدارها إلى التفتت القبلي والعشائري، وقد يكون العراق على موعد هو الآخر في 2014 مع احتمال نشوب ثورة مسلحة في مناطقه الغربية تدخل بلاد الرافدين رسمياً في أتون الحرب الأهلية في بلاد الشام.
أما دول الخليج، فسيكون عليها في السنة الجديدة إعادة النظر في طبيعة تحالفاتها الدولية، بعد أن شعرت بأن الضمانات الأمنية الأميركية قد تصبح قريباً عرضة إلى الخطر بفعل سياسة الانكفاء الأوبامية ودعم واشنطن لجماعات الإخوان المسلمين في المنطقة العربية.
السعودية خطت في أواخر 2013 خطوة اولى في هذا الاتجاه، حين أبرمت صفقة أسلحة بقيمة 3 مليارات دولار لصالح الجيش اللبناني مع فرنسا. والأرجح أن يشهد العام المقبل صفقات أخرى من هذا النوع مع بعض الدول الأوروبية وروسيا والصين، إذا ماشعرت الرياض بأن أوباما مستمر في "غيّه" الإيراني.
* * *
كل عام وأنتم "سالمين".
سعد محيو- بيروت

الأربعاء، 30 أكتوبر 2013

الانسحاب الأميركي "المستحيل" من الشرق الأوسط


- I  -
آخر مايمكن أن يوصف به تقرير سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي الأميركي، وفريقها حول "إعادة النظر في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط"، بأنه استراتيجية أميركية جديدة.
فكل ما جاء في التقرير، الذي نشرت نيويورك تايمز محاوره الرئيس، كان أساساً غطاء تنظيرياً لممارسة عملية كانت أوباما تنفذها منذ أشهر عدة، وتستند إلى منطلق يتيم: "النأي بالنفس" عن معظم قضايا الشرق الأوسط، وتقليص الالتزامات الأميركية في المنطقة، وتحويل التركيز الأميركي من حوض البحر المتوسط إلى حوض المحيط الهاديء.
إنه (التقرير)، بكلمات أخرى، "استراتيجية لاإستراتيجية" وإضفاء الطابع الرسمي على الانكفاء أو الانحسار Retrenchement)) الأميركي في الشرق الأوسط، بهدف تحويله إلى كتاب مفتوح برسم جميع القوى الإقليمية والدولية التي كانت لاتتساءل عما إذا كانت سياسة الانكفاء هذه أوبامية خاصة أم أميركية عامة.
وعلى أي حال، رايس نفسها لم تحاول إخفاء أو تمويه هذه الحقيقة، ولا أوباما نفسه في خطابه الشهر الماضي أمام الأمم المتحدة. فهما شددا على أن الأولويات الأميركية الجديدة هي التوصل إلى تسوية دبلوماسية للملف النووي الإيراني، وحل المسألة الفلسطينية- الإسرائيلية، ورفض استخدام القوة العسكرية إلا لمنع عرقلة تدفق النفط، ومكافحة الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل.
أما قضايا الحرية، التي تبناها أوباما قبل سنتين في اسطنبول والقاهرة معلناً في أيار/مايو 2011 بأن أميركا "ستدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والأسواق الحرة بكل امكانتها الدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية"، فقد حلت مكانها الآن النزعة الواقعية والبراغماتية و"رفض أن يبتلع الشرق الأوسط كل أجندة السياسة الخارجية الأميركية"، على حد تعبير رايس التي أضافت: "هناك الآن عالم كامل (في آسيا)، ونحن لدينا مصالح وفرص في ذلك العالم الكامل".
- II  -
بعض المحللين شبّه هذه النقلة من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى (وبينهما الداخل الأميركي الذي يريد أوباما "إعادة بناء الأمة الأميركية" فيه)، بتلك التي قام بها الرئيس نيكسون في الستينيات، حين أغلق ملف الحروب الأميركية في الهند الصينية ويمم وجهه نحو الصين ليبرم معها "صفقة العصر" آنذاك.
وبالمثل، يضيف هؤلاء، يقوم أوباما الآن باستكمال إغلاق ملف الحروب في الشرق الأوسط، ويتجه نحو إيران وروسية لإبرام "صفقة كبرى" مماثلة لصفقة الصين.
بيد أن هذا التشبيه، وعلى رغم أنه صحيح في ما يتعلق بالنقلات، إلا أنه قد لايكون دقيقاً قي ما يتعلق بالمحصلات.
لماذا؟
لسببين رئيسين:
الأول أنه في الهند الصينية، كان في وسع الولايات المتحدة أن تحمل عصاها على كتفها وترحل، لأنه بعد سقوط سايغون لم يعد لها أي حليف في تلك المنطقة. أما في الشرق الأوسط، فحلفاء أميركا، من تركيا وإسرائيل إلى مصر والسعودية والأردن والمغرب، يمثلون قدراً كبيراً من المصالح والأمن القومي الأميركي. وبالتالي، إذا ما حاولت واشنطن إبرام صفقات منفردة مع إيران وروسيا والصين، فهؤلاء الحلفاء قادرون على زعزعة الإدارة في الداخل الأميركي نفسه كما في الساحة الدولية.
والثاني، أن طبيعة التغيرات الكبرى في دول المنطقة، من صعود الإسلام الجهادي وبروز قوة "الشارع السياسي" العربي و"تمرد" حلفاء أميركا عليها، إلى دخول الدول الكبرى كروسيا والصين والهند إلى العرين الشرق أوسطي بكل مايمتلكه من موارد الطاقة والمواقع الجيو- استراتيجية و"صدام الحضارات"، سيجعل من أي "تقهقر عشوائي أميركي في الشرق الأوسط نذيراً بتقهقر زعامتها في كل أنحاء العالم، بما في ذلك شرق آسيا نفسها.
- III  -
بالطبع، تستطيع إدارة أوباما أن تتجنب كل هذه الألغام، إذا مانجحت في جعل تقوقعها مدخلاً إلى إقامة نظام أمني إقليمي جديد في الشرق الأوسط على غرار النظام الإقليمي الأوروبي. لكن هل هذا ممكن أو وارد؟
ربما. لكن هذا يتطلب تركيزاً أميركياً ضخماً وكلياً على إيجاد حلول شاملة لأزمات المنطقة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لكي ينجح الانحسار يجب أن تنغمس إدارة أوباما في الشرق الاوسط أكثر. وهذا مالايبدو أنها فهمته حتى الآن. وحتى لو فهمت، فلن يسعفها لا الوقت (سنتان ونصف السنة على ماتبقى من ولاية أوباما) ولا الحلفاء المرعوبون من تقلباتها، ولا المفاجآت الكبرى في المنطقة، من تحقيق رغباتها التقوقعية.

سعد محيو
(*) المقال نشر أصلاً في جريدة "المدن" الالكترونية
___________________________



الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

هل يتكرر نموذج مؤتمر فيينا 1815 في الشرق الأوسط؟



أجل. أميركا في حالة انحدار نسبي. لكن هذا لايعود إلى صعود الصين والهند والبرازيل وبقية سرب النمور، بل إلى أوضاع الولايات المتحدة الداخلية، على الصعيدين السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي.
فآسيا الصاعدة لاتزال في حاجة إلى سنوات عدة كي تصل إلى موازنة القوة الأميركية عسكرياً واقتصاديا. وكما هو معروف في التاريخ، فإن انحدار قوة عظمى لايؤدي بالضرورة إلى زوالها من الوجود، إلا إذا مابرزت قوة أو قوى أخرى قادرة على الحلول مكانها. وهذا مالايبدو حالياً في أي أفق قريب، أو على الأقل خلال عقدين أو ثلاثة عقود من الآن.
هذا التمييز بين التراجع والانسحاب ضروري كي لانقع في استنتاجات متسرّعة لطالما تكررت خلال نصف القرن المنصرم حول نهاية الباكس أميركانا في العالم. صحيح، كما يقول الباحث مايكل هدسون، أن العالم يشهد تحولات ضخمة في موازين القوى بسبب صعود القوى الكبرى الآسيوية الثلاث (الصين والهند واليابان) معاً للمرة الأولى في التاريخ، إلا أن الصحيح أيضاً أن أياً منها أو حتى كلها مجتمعة لاتطمح، ولاهي قادرة، على الحلول مكان الزعامة الأميركية في العالم في المرحلة الراهنة.
أوباما والشرق الأوسط
الآن، وطالما أن الصورة على هذا النحو، كيف نفسّر مانرى من انحسار أميركي حقيقي وكبير في الشرق الأوسط، تجلى أكثر ماتجلى في تراجع الرئيس أوباما عن حماية خطوطه الحمر في سورية، وخطوطه الزرق (الديمقراطية) في مصر وتونس وحتى في منطقة الخليج، ثم عن خطوطه البيضاء (السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين)؟ أليس كل ذلك دليلاً على الانحدار التاريخي الأميركي؟
كلا! أو ليس بعد على الأقل.
فالتراجع ( Retrenchment) أو تقليص الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، ناجم عن جملة عوامل تتعلق كلها بقيام إدارة أوباما منذ سنوات خمس بإعادة رسم الأولويات الأميركية في العالم، وليس بالتخلي عن زعامة هذا العالم. لا بل الهدف هو تعزيز وتقوية هذه الزعامة.
الخبيران الاستراتيجيان البارزان في الشؤون الأمنية الأميركية شون بريملي وإيلي راتنر يلخصان هذه الأولولات الجديدة بالنقاط الرئيسة التالية:
- أوباما وصل إلى الحكم وهو على قناعة بأن حربي العراق وأفغانستان منعتا الولايات المتحدة من تركيز الموارد في آسيا التي تعتبر منطقة مركزية للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية. وهذا دفعه إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية والاعتراف بالحقائق الجيو- سياسية المتغيرة للقرن الحادي والعشرين.
- هذا التوجه الجديد لايقتصر على الجوانب العسكرية بل يطال أيضاً المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، وتعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين وبناء علاقات أعمق مع القوى الصاعدة، بما في ذلك الصين، وتنويع المواقع العسكرية للولايات المتحدة. كما أنه (التوجه) يهدف إلى التركيز على الأهمية الجيو- سياسية لمنطقة المحيط الهندي بوصفه الطريق الرئيس للتجارة العالمية. وقد دعمت واشنطن تطور علاقات أكثر وثوقاً بين الهند وبلدان جنوب ووسط آسيا.
- واشنطن لاتسعى إلى حفز دول كفيتنام والفيلبين وغيرها على تحدي الصين، بل تعمل على  بناء نظام إقليمي آسيوي تحكمه القواعد والمؤسسات، بما في ذلك مؤسسة الحوار الاستراتيجي والاقتصادي الأميركي- الصيني وحوار الأمن الاستراتيجي. والواقع أن السنوات الأربع الماضية شهدت قفزة نوعية في الانخراط الأميركي الإيجابي مع بجبينغ  أكثر من أي مرحلة أخرى في تاريخ العلاقات بين البلدين.
- في حقبة التقشف المالي الذي تمر به الولايات المتحدة، سيتطلب التركيز على منطقة آسيا- الباسيفيك خفض الالتزامات الاميركية في باقي مناطق العالم، وأيضاً على الطلب من حلفائها وشركائها في هذه المنطقة تحمُّل مسؤوليات إضافية. وهكذا يتعيّن على جيوش دول مثل استراليا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند ان تساهم بشكل أكبر في الأمن الإقليمي على مستويات متوافقة مع إمكاناتها.
هذه هي قواعد الاستدارة شرقاً نحو آسيا التي بدأت إدارة أوباما بتطبيقها. وهي، كما هو واضح، تتكوّن من عنصرين إثنين: العمل على إصلاح وتصحيح مسار الاقتصاد الاميركي في الداخل، وتقليص النفقات والأعباء والالتزامات الأميركية في الخارج.
وهذا يشي بأننا نقف بالفعل أمام مرحلة جديدة في التوجهات الخارجية الأميركية، قوامها الضبط الاقتصادي "القومي" في الداخل، وخفض الالتزامات (والحروب) الأميركية في الخارج، وإعادة تركيب نظام العولمة الأميركي بما يخدم هدفين في آن: احتواء صعود الصين، ومواصلة  ترسيخ الزعامة الأميركية على العالم.
الاستدارة والشرق الأوسط
لكن ما تأثيرات سياسة "الاستدارة" الأميركية(Pivot ) نحو آسيا على توجهات واشنطن في الشرق الأوسط؟
الواقع أن الولايات المتحدة تعتبر أصلاً أن منح الأولوية في سياستها الخارجية لمنطقة آسيا-الباسيفيك، فرض عليها سحب كل قواتها من العراق وأفغانستان وإغلاق ملف الحرب فيهما التي استنزفت الخزينة الأميركية بمبلغ تجاوز التريليوني دولار.
وبالطبع، حين تقرر واشنطن الانسحاب من هاتين الحربين ونقل الموارد منهما إلى منطقة الباسيفيك، لايتوقعن منها أن تنغمس في وقت قريب في حروب أو نزاعات أخرى في الشرق الأوسط، إلا إذا ما تطلّب الأمن القومي ذلك أو تعرَّض وجود إسرائيل أو المصالح النفطية إلى تهديد جدي.
وهذا بالتحديد، على أي حال، ما فعلته إدارة أوباما خلال السنتين الماضيتين:
-  فهي لم تلعب في حرب إسقاط القذافي سوى دور داعم لفرنسا وبريطانيا. لا بل لم تتدخل عسكرياً هناك، إلا بعد أن بدا واضحاً أن حليفتيها غير قادرتين على حسم الأمور بمفردهما.
- وهي رفضت التدخل ضد الجهاديين الإسلاميين في مالي، وقذفت العبء كله على الطرف الذي له أكبر المصالح في الموارد الطبيعية لمنطقة الساحل الإفريقية: فرنسا.
- ثم أنها (الإدارة) قاومت كل الضغوط التي مارستها عليها كل المؤسسات الأميركية تقريباً، من البنتاغون إلى السي.أي. آي ووزارة الخارجية، لتزويد بعض أطراف المعارضة السورية بالأسلحة المتطورة، خوفاً من أن يقودها ذلك إلى التورط بالتدريج في الأزمة السورية.
باراك أوباما بعد العراق وأفغانستان، يفعل تماماً مافعله ريتشارد نيكسون بعد فيتنام، حين عمد هذا الأخير إلى تقليص الالتزامات الأمنية- العسكرية الأميركية المباشرة في العديد من بقاع العالم و"لزّمها" إلى قوى إقليمية موالية للولايات المتحدة شاه إيران وإسرائيل في الشرق الأوسط، والبرازيل في أميركا اللاتينية، وتركيا في البلقان وآسيا الوسطى، وحلف الأطلسي في أوروبا، وجنوب إفريقيا والمغرب في القارة السمراء.
والأن يُتوقع أن يفعل أوباما الأمر نفسه في الشرق الأوسط، الذي كان محور الاهتمامات المركزية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة العام 1991. فهو سيعتمد أكثر فأكثر على تركيا في منطقتي الشرق الإسلامي (الدول العربية ودول آسيا الوسطى)؛ وسيكون مهتماً أكثر من أي وقت مضى بدمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية الشرق أوسطية من خلال دفعها إلى التحالف مع الدول العربية و(مجدداً) مع تركيا؛ وسيواصل العمل على "تفليس" إيران وتجويعها بهدف دفعها في نهاية المطاف إلى الجثو على ركبيتها، أو التعرُّض إلى الانفجار من داخلها، في حال لم تتوصل المفاوضات الراهنة معها إلى "صفقة كبرى" جديدة.
وكل ذلك بهدف تقليص الأعباء الأميركية في هذه المنطقة، ونقل الموارد الضخمة التي خصصت لها في السابق إلى منطقة آسيا- الباسيفيك وإلى الداخل الأميركي.
بالطبع، هذا لايعني أن أميركا ستدير الظهر للشرق الأوسط. فطالما أن هناك قطرة نفط واحدة هناك، ستبقى هذه المنطقة، كأمن قومي أميركي، على رأس الأولويات الأميركية، بسبب الدور الكبير للنفط في تحديد من سيكون الأقدر على الإمساك بقارة أوراسيا من عنقها.(ومن يمسك بهذه القارة يحكم العالم).
وبالمثل، طالما أن إسرائيل باقية على خريطة الشرق الأوسط، ستكون إي إدارة أميركية ملزمة بالاهتمام بهذه المنطقة لاعتبارات محلية أميركية، واستراتيجية عامة، وأمنية.
لكن هذه الاستمرارية في الاهتمام لن تعني أنه لن يكون هناك تلاويين جديدة في السياسة الأميركية الشرق أوسطية، خاصة في مايتعلق بمنطقة الخليج العربي.
فعلى رغم أن أميركا ستبقى اللاعب الإقليمي الرئيس في الخليج، إلا أنها ستكون حريصة على ألا تتوسع مظلتها الأمنية ضد الخصوم الخارجيين الذين يهددون دول المنطقة لتصبح تورطاً غير مرغوب فيه في النزاعات الداخلية التي قد تنشب في هذه الدول.
البحرين نموذج أوّلي على هذا التطور. فعلى رغم أن واشنطن لم تقف علناً إلى جانب الانتفاضة الشعبية البحريينية، إلا أنها لم تقف أيضاً إلى جانب الحل الأمني- المخابراتي الذي تبنَّته الحكومتان البحرينية والسعودية، وواصلت المطالبة بحل سياسي للأزمة. وهذا موقف لم يكن متصوراً من جانب واشنطن.
فيينا 1815 جديدة
هذه المعطيات مجتمعة تشي بأن الولايات المتحدة ربما تكون راغبة بالفعل في وضع ترتيبات جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تحفظ مكانتها فيها كقوة عظمى مهيمنة، من جهة، وتسهل عليها نقل الموارد إلى كلٍ من الداخل الأميركي ومنطقة الباسيفيك، من ناحية أخرى.
لكن، هل تصل مثل هذه الترتيبات المفترضة إلى مستوى مؤتمر فيينا الأوروبي العام 1815؟
للتذكير: مؤتمر فيينا الذي ترأسه رجل الدولة النمساوي ميترنيخ. عقد في الفترة من أيلول/سبتمبر 1814 إلى حزيران/يونيو 1815 وكان هدفه تسوية العديد من القضايا الناشئة عن حروب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية وتفكك الإمبراطورية الرومانية المقدسة. أسفر هذا المؤتمر عن إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة، وعن إنشاء مناطق نفوذ لكل من فرنسا والنمسا وروسيا وبريطانيا تتوسط فيها تلك الدول في حل المشاكل المحلية والإقليمية. وكان مؤتمر فيينا نموذجاً لعصبة الأمم والأمم المتحدة بسبب هدفها في إحلال السلام من جانب جميع الأطراف.
الكاتب الأميركي في واشنطن بوست ديفيد أغناتيوس كان أول من توقَّع أن تدفع الولايات المتحدة نحو عقد مثل هذا المؤتمر "بهدف العمل على إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط"، على حد تعبيره، إنطلاقاً من المفاوضات الراهنة بين إيران والغرب.
لا بل هو ذهب أبعد من ذلك حين طالب السعودية بـ"التخلي عن هوسها بالهلال الشيعي، في مقابل تخلي إيران عن طموحاتها الثورية". كما طالب الرئيس أوباما بدعوة قادة حلفاء أميركا في الشرق الأوسط، تركيا والسعودية ودولة الإمارات ومصر وإٍسرائيل، إلى مؤتمر قمة في كامب ديفيد لمناقشة هذا المشروع الإقليمي الجديد.
لكن، هل هذه الفكرة الكبرى قابلة حقاً للتنفيذ؟
إذا ما عدنا إلى مؤتمر فيينا، سنتذكر أن هذا اللقاء، الذي كان الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الدولية، لم ينعقد سوى بعد هزيمة النزعة التوسعية الفرنسية التي خلّفت دماراً شاملاً في القارة الأوروبية.
فهل وصلت قوى الأمر الواقع في الشرق الأوسط (أميركا وإسرائيل) والقوى الثورية المراجعة (إيران ومعها من وراء الكواليس روسيا والصين) إلى القناعة بأن نزعتها التوسعية فشلت وبات عليها بالتالي البحث عن وفاق إقليمي- دولي جديد للمنطقة شبيه بوفاق فيينا؟
سيبين الخيط الابيض من الأسود في هذا الأمر في المفاوضات الأميركية- الأيرانية، سواء السرية منها أو العلنية، والتي ستتكثف فيها أدوار كل اللاعبين الدوليين المعنيين بالمنطقة، من روسيا والصين إلى الاتحاد الأوروبي.
لكن، يمكن القول من الآن أن العقبات تبدو كأداء أمام هذا المشروع الضخم لتأسيس نظام إقليمي شرق أوسطي جديد يحل مكان كلٍ من النظام الإقليمي العربي الذي انهار بعد حربي 1967 والكويت، والذي تأسس أصلاً على النظام الإقليمي البريطاني- الفرنسي مع سايكس وبيكو.
إذ أنه ( المشروع) يجب أن يحل أولاً المسألة النووية في كل المنطقة وليس فقط في إيران، (أي تسوية قضية الأسلحة النووية الإسرائيلية)، ويسوي القضية الفلسطينية العالقة منذ قرن، ويرضي حلفاء أميركا الواجفين من أي "مساومة كبرى" بين واشنطن وطهران (تركيا، السعودية، إسرائيل، مصر). وفوق هذا وذاك، سيكون على المشروع نيل موافقة صقور الكونغرس الأميركي واليهود الليكوديين في الولايات المتحدة وإسرائيل ونسور الحرس الثوري الإيراني، ومباركة روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
حتى الآن، لم يتحدث أي مسؤول أميركي عن مؤتمر فيينا الشرق أوسطي هذا. لكن مجرد تغيّر أولويات أميركا على هذا النحو الجذري ورغبتها في مشاركة أطراف دولية وإقليمية منافسة لها في حل أزمات المنطقة (كما حدث في سورية)، يعني أن الأبواب باتت مفتوحة بالفعل أمام بدء التفكير (وربما العمل) على ترتيبات إقليمية- دولية جديدة في الشرق الأوسط.
قد لايحدث ذلك اليوم أو غدا، لكنه سيحدث حتماً إذا مابقيت الأولويات الأميركية الجديدة على حالها ولم تتغير مع أي إدارة أميركية أخرى، لأن بديلها سيكون تنافس قاتل بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى على ملء ما ستعتبره فراغاً أميركياً في الشرق الأوسط.

سعد محيو


الثلاثاء، 19 فبراير 2013

الانسحاب من العالم "سيدمِّر الاقتصاد الأميركي" (الحلقة الثانية)

(القوة الاميركية في الخليج: أمن مقابل الاقتصاد(الصورة من غوغل

- I -
تحدثنا بالأمس عن المعسكر الأميركي الداعي إلى الانسحاب من العالم (بما في ذلك اسقاط الحماية عن الأسر الحاكمة الخليجية ضد الثورات الداخلية). وسنورد اليوم رد المعسكر الآخر المتمسك بمواصلة استراتيجية "الهمينة الليبرالية" الأميركية على العالم.
منطق أنصار هذا التيار يقوم على التالي:
- منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية كبرى واحدة: الانخراط العميق في شؤون العالم. فمن أجل حماية أمنها وبحبوحتها، بنت أميركا نظاماً اقتصادياً عالمياً ليبرالياً، وأقامت روابط دفاع وثيقة مع شركاء في أوروبا وشرق آسبا والشرق الأوسط. وهذا توجُّه التزم به كل الرؤساء الأميركيون بلا استثناء.
- لكن الآن، قد تشعر واشنطن بإغراء للتخلي عن هذه الاستراتيجية الكبرى وتنسحب من العالم، بفعل صعود الصين والعجوزات الضخمة في الموازنة والتعب من الحربين المكلفتين في العراق وأفغانستان. لكن هذا سيكون خطأ فادحا: فخفض النفقات الدفاعية على مدى عشر سنوات لن يوفّر على الخزينة سوى 900 مليار دولار. ثم أن ضخامة القوة العسكرية الأميركية منعت بروز أي دولة كبرى تطمح إلى موازنتها، وهي قوة لاتكلف أميركا سوى 4،5 بالمئة من الانتاج المحلي الإجمالي، هذا في حين أن الاتحاد السوفيييتي كان يصرف على الدفاع 25 في المئة من الانتاج المحلي الإجمالي، الأمر الذي أدى إلى إفلاسه ومن ثم انهياره.
- من دون استمرار الزعامة العالمية الأميركية، ستتحول العديد من الدول، منها كوريا الجنوبية وتايوان واليابان في آسيا ومصر والسعودية وتركيا في الشرق الأوسط إلى قوى نووية، وسيصبح الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن الدفاع عن نفسه في مواجهة روسيا والشرق الإسلامي.
- II -

- لكن الأهم من كل هذه العوامل، برأي أنصار استمرار الهيمنة الليبرالية الأميركية، هو الرابط الوثيق بين السيطرة العسكرية لأميركا وبين هيمنتها الاقتصادية.
فالاستراتيجية الاميركية الراهنة تحافظ على النظام الاقتصادي العالمي الذي أقامته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية والذي يخدم إلى حد كبير مصالحها الاقتصادية القومية. وهكذا فإن السيطرة العسكرية هي في أساس الزعامة الاقتصادية الأميركية للعالم. وفي حال سحبت اميركا وجودها العسكري من معظم المناطق، فسيكون من الصعب عليها للغاية إقناع القوى الدولية الأخرى برعاية المصالح الاقتصادية الاميركية. والحال أن الدور العالمي يسمح لأميركا أن تشكّل الاقتصاد العالمي كما ترغب وتشتهي، ويساعدها على الدفاع عن الدولار كعملة الاحتياط الرئيسة في العالم، الأمر الذي يوفَّر للبلاد مزايا ضخمة على رأسها قدرتها على استدانة المال بسهولة.
- كل هذا لايعني أنه لا يمكن، أو يجب، تعديل الاستراتيجية الكبرى كلما تطلبت الظروف ذلك. وهذا، على أي حال، مافعله الرئيس نيكسون مثلاً حين سحب اميركا من فييتنام وعوّض عن ذلك بضم الصين إليه في معركته ضد الاتحاد السوفييتي. وهذا يوضح ان التعديل ممكن من دون المس بجوهر الاستراتيجية الكبرى الخاصة بالزعامة الأميركية للعالم.
- III -

هذه باختصار الخلاصات العامة للتيار الأميركي الداعي إلى عدم تقليص الالتزامات الأميركية في العالم، وإلى مواصلة استراتيجية ما يسمونه "الهيمنة الليبرالية".
وكما يتضح من هذه المعطيات، منطق هذا التيار يبدأ وينتهي بفكرة رئيسة واحدة: استمرار الازدهار الاقتصادي الأميركي لم يعد ممكناً من دون استمرار الهيمنة العسكرية الأميركية على العالم: اسحب القوات والالتزامات الأمنية لحلفاء أميركا، تنهار دعائم الاقتصاد.
أي تقف إدارة أوباما في هذا التجاذب العنيف في الداخل بين تياري "التراجع" و"التقدم" الأميركي في العالم؟
(غدا حلقة ثالثة)
سعد


الأحد، 16 ديسمبر 2012

كتابان أميركيان يحذّران من مخاطر إستبداد الأقلية الغنية بالعالم

مطالعات

 


هل ضلت الولايات المتحدة طريقها؟

لماذا أضاعت اميركا المتفوقة البوصلة؟- الرسمة من غوغل- 



- I -



طيلة السنوات الأربع التي تلت أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، كان السؤال الذي ركز عليه كبار الأكاديميين الاميركيين ( وفي مقدمهم المؤرخ برنارد لويس ) هو : ماذا حدث خطأ في الحضارة والعالم الأسلاميين.

بالطبع، السؤال لم يكن بريئاً. وهو إستهدف القول أن مشكلة تفجر العالم الأسلامي،  سببها هذا العالم نفسه وليس السياسات الاميركية  حياله. المشكلة، بكلمات اوضح،  في الداخل الأسلامي وليس في الخارج الغربي.

لكن يبدو أن التاريخ أراد ان يلعب لعبته الساخرة مجدداً. فما هي إلا أشهر قليلة على شعار " ماذا حدث خطأ في   العالم الأسلامي" ، حتى برز شعار مماثل : ما حدث ويحدث خطأ في اميركا نفسها‍. وهذا على كل  الصعد الأقتصادية والأيديولوجية والسياسية والأخلاقية‍ ‍!

لكن، لماذا وكيف؟

بين أيدينا كتابين يقدمان خريطة طريق تقود إلى بعض الأجابات.

الكتاب الاول لبول كروغمان ( 1 ). وهو يعالج مسألة أساسية هي أنّ التفاؤل المفرط الذي ساد الولايات المتحدة في أواخر التسعينيات، قد حلّ محلّه تشاؤم مفرط نتيجة "للزعامة الرديئة التي تفتقر الى الصدقية، خصوصا في القطاع الخاص و في أروقة النفوذ السياسي".

و يعزو المؤلف هذا المأزق الى المشكلات التي انهمرت على ادارة الرئيس بوش السابقة التي كانت تعتبر نفسها قوة ثورية لا يقبل قادتها الخضوع لشرعية النظام السياسي القائم في الولايات المتحدة. أنّهم متطرفون يتنكرون بثياب الاعتدال. و لذلك يحلل المؤلف نوازعهم على مستوى القضايا الرئيسية التي يعالجونها، خصوصا مسألة الضرائب و خطط الضمان الاجتماعي، التي تقوم، في رأيه، على "معادلات حسابية مزيفة".
وعلى الرغم من كون بول كراغمان كاتباً إقتصادياً محترفاً و ذائع الصيت، غير أنّه يعّول في الكتاب الذي بين أيدينا، على لغة الأرقام أكثر من التحليلات السياسية و التصورات الاجتماعية،  و ذلك لكشف ما يصفه بـ " لارتكابات "  التي تقوم بها الشركات  الضخمة وأيضا  لكشف  أسباب صعود و هبوط أسعار الأسهم، و تفحّص الثغرات في الموازنة الفيدرالية ومستقبل الضمان الاجتماعي الذي سرعان ما تحول الفائض فيه الى عجز لافت للنظر.
 كما ينحو الكاتب  باللائمة على الوسائط الاعلامية المختلفة لافتقارها الى التشكك المهني المطلوب ازاء معالجة مختلف القضايا الجوهرية، ولفشلها في توخي الدقة حيال القضايا الاقتصادية و التجارية. و في أيّ حال، يقارب كراغمان هذه المروحة الواسعة من أكثر القضايا حساسية في الداخل الأميركي على نحو من توفير الشواهد و الدلائل،  لتعزيز تصوراته حول الفساد المعشش في مجالات الاقتصاد و السياسة و التجارة.
و لكون الكاتب واحدا من أكثر الاقتصاديين أهمية في الولايات المتحدة و أوروبا و العالم، ناهيك بالصدقية العالية التي يتمتع بها في الأوساط الأكاديمية في بلده، فقد حقق مؤلفه انتشارا واسعا متجاوزا بذلك سلسلة الكتب التي تناولت الفضائح السياسية لادارة الرئيس بوش التي صدرت في الأشهر الاثني عشر الأخيرة و كان لها وقع الزلزال في أوساط النخب الفكرية في الولايات المتحدة. و هو لا يتجاهل أيّا من الفضائح الكبرى التي أثارت لغطا واسعا، منذ أن تولى بوش سدة الرئاسة في العام ۲۰۰۰، و على رأسها الكواليس السرية لأزمة الطاقة في كاليفورنيا، وصولا الى  الكشف عن سوء الائتمان السياسي و الأخلاقي لادارة الرئيس بوش و تورط هذا الأخير و المحسوبين عليه، و خصوصا نائبه ديك تشيني في فضائح مالية مع شركات ضخمة من بينها "هاليبورتن".
- II -
و المهم، في هذا السياق، انّ كراغمان لا يتردد أبدا في التأكيد على أنّ الولايات المتحدة، ضلت طريقها الأخلاقي و أساءت الى الأجيال التي ترى فيها قدوة لها. كما يرسم في كتابه ما يسمّى بخارطة طريق تحتاج اليها السلطة السياسية في واشنطن والرقابة المالية على الشركات الكبرى لاستعادة الولايات المتحدة الى الطريق القويم. و يستدل على ذلك بالقول انّ ثمة ما يدعو الى الاعتقاد انّ هيمنة الشركات العملاقة على آلية الأسواق في الولايات المتحدة قد تجاوزت كل الخطوط الحمر و الخضر، الى درجة انّ هذه الأخيرة أصبحت شبيهة بالشرنقة السوفياتية التي كان ينسجها الحزب الشيوعي الحاكم في الكرملين.
و يأسف الكاتب لانّ الأميركيين لا يزالون موقنين بانّ زعمائهم في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، هم أصحاب رؤية و مبادئ. و هم ليسوا كذلك في حقيقة الأمر.
- III -


الكتاب الثاني هو ايمي تشوا ( 2 ) .
 تتساءل الكاتبة في مطلع الكتاب عمّا اذا كان يحقّ لأميركيين كثر أن يعتبروا انّ اطلاق الحوافز للأسواق في ظل من التوافق العالمي على حرية التجارة و الاستثمار، من شأنه أن يسفر عن تحسن جذري للأوضاع الاقتصادية على الساحة الدولية، وعن إنسجام داخلي في كل من الدول التي تعتمد هذه النظرية الاقتصادية، و تعاون واسع بين الديمقراطيات، قديمها و الجديد ؟
و تجيب  عن هذا التساؤل بسؤال آخر، مغزاه أنّه هل تؤدي الأسواق المفتوحة و الحوافز الشعبية، على هذا الصعيد، الى حركة ارتجاعية يمكن استخدامها لتبرير التسلط من قبل قلةّ متنفذة؟ و تضيف أنّ الأسواق المفتوحة واسعة النطاق، في حال جرى تقديمها، على نحو طائش و عشوائي، كما هو الحال في معظم الأحيان، قد تشكل سببا يبعث على تفاقم الكراهية بين مختلف الجماعات، اضافة الى العنف المذهبي و العرقي في العالم الذي يقع خارج دائرة الديمقراطيات الغربية.
و تؤكد الباحثة أنّه في خضم السعي الى تبني مفهوم ديمقراطية الأسواق الحرة بوجود أقلية تهيمن على الأسواق، فانّ النتيجة المتوقعة، على الأرجح، في هذا المجال، تتمثل في حركة ارتجاعية لا محالة. و تتجسد هذه الأخيرة في واحد من أشكال ثلاثة: أولها نزعة عنيفة ضد الأسواق تستهدف، بالدرجة الأولى، ثروات الأقلية المهيمنة. و ثانيها ردة عنيفة ضد الديمقراطية يقوم بها أولئك المستفيدون من هيمنة الأقلية على الأسواق المفتوحة. و ثالثها، نشوء العنف الذي يتخذ أحيانا شكل الابادة الجماعية، و هو موجه، على نحو رئيسي، ضد الأقلية المهيمنة على اقتصاد الأسواق المفتوحة.
و في أيّ حال، تجتهد هذه الدراسة لاضاءة جوانب واسعة من النماذج العالمية على مستوى ممارسة العنف من دون أيّ محاولة للتقليل من أهميتها أو تبسيطها بشكل يدعو الى الابتزال. ولذلك، تسعى الكاتبة الى الكشف، بجرأة كبيرة تثير الدهشة، عن المرتكزات الاثنية للسياسة الدولية، توصلا الى التعبير عن قناعة تشير الى أنّ الاستراتيجيين الاميركيين الذين يخططون، على مستوى العالم ككل، و نظرائهم الذين يناقضون هذه التوجهات الكونية، يتغافلون عن الأبعاد الاثنية للتفاوت الواسع في الأسواق التجارية المفتوحة في العالم، و يركزون انتباههم فقط على الصراع القائم بين الطبقات الاجتماعية أكثر منه الصراع بين الاثنيات.
و مهما يكن، فانّ الكتاب لن يكون مستساغا من قبل أولئك الذين يرغبون في اقامة أنواع من الأسواق المفتوحة على طريقة الديموقراطية الأميركية. ذلك انّ المؤلفة تحاول أن تضع ضوابط أو حدودا لنقاش كهذا يقوم على اظهار التأثيرات الجانبية الضارة لعملية تحرير الأنظمة الاقتصادية و تطوير الأنظمة السياسية في اتجاه الابتعاد عن حكم الفرد. و هي تدعو، في هذا الاطار، الى دق ناقوس الخطر نتيجة للأبعاد المأسوية أو المدمرة التي قد تنتج عن تغيير طبيعة هذه الأنظمة الاقتصادية على طريقة الليبيرالية الأميركية، ما لم يجر ارشادها أو استيعابها، أو على الأقل، التمهيد لهذه النقلة النوعية بكثير من الحذر و الشفافية، خوفا من أن تتحول هذه المجتمعات فعلا الى جحيم قد تمتد نيرانه على الساحة الدولية برمتها.

التوازن

 تقترح الكاتبة، على هذا الصعيد، البدء بمعالجة هذه القضية باقامة نوع من التوازن بين الأقلية المهيمنة على اقتصاد السوق المفتوح في بلد ما، و الأكثرية المهمشة بالفقر و الحرمان و القمع السياسي و الاقتصادي. اضافة الى تشجيع الديمقراطيات الليبيرالية أكثر منه غير الليبيرالية، و تحفيز الأقليات المهيمنة على الأسواق الى اتخاذ مبادرات استباقية للحيلولة دون قيام الأكثرية المهمشة بحركات ارتجاعية تنطوي على توجهات اثنية و قومية عشوائية في دلالاتها العنيفة.
و على الرغم من ذلك، لا تزعم الكاتبة انّ هذه المقترحات قد تكون حاسمة أو مرغوبا فيها من قبل كثيرين، أو ذات جدوى هامة بالنسبة الى آخرين. اذ قد يرى بعضهم عدم صوابية أيّ منها بسبب أو لأخر. و الأرجح أنّ الأصلح من بين هذه الاستراتيجيات، هي تلك المتعلقة بالتدخل الحكومي مدعوما من قبل الأكثرية المهمشة لاحداث توازن على صعيد الاخلال الاثني بتوزيع الثروة، و ذلك باعتماد برامج مماثلة لتلك المطبقة في الغرب الصناعي. و قد تبدو هذه الاستراتيجية فاعلة الى حد كبير و ذات جدوى اقتصادية و اجتماعية و سياسية، خصوصا في ظل حكومة تحظى بالأكثرية الشعبية. غير أنّ هذه الاستراتيجية قد تعتبر انتهاكا لتوقعات الأسواق المفتوحة، اضافة الى أنّها قد تهدد حرية الأفراد بما في ذلك حقوق الملكية الخاصة، أو حقوق الأقلية بمعنى أنّ الليبيرالية عادة ما ترتبط بحكم الأكثرية. و قد يكون حكم الرئيس الفنزويلي، هيوغو شافيز، مثالا حيا على الكيفية المستخدمة لتطبيق هذه الاستراتيجية.
و يبقى القول انّ المقترحات الفذة التي تقدمها الكاتبة ايمي تشوا، و هي الأستاذة في كلية الحقوق في جامعة يال الأميركية، قد تنطوي على بداية مشجعة و واعدة من خلال الاستراتيجيات المحفزة المتضمنة في هذه المقترحات. و مع ذلك فانّ الطريق، على هذا الصعيد، لا يزال طويلا و شاقا، و العلاجات لا تزال في شكلها الأولي في ظل زحف العولمة و اجتياحاتها التي تتجاوز المفاهيم السائدة و الاستعدادات الجاهزة. فهذه الأخيرة قد لا تتوقف كثيرا عند المخاطر التي تسببها الأقلية المهيمنة على الأكثرية و ما قد تسفر عنه هذه المعادلة المعقدة من صراعات اثنية و مذهبية قد تعيد بعض المجتمعات الى نقطة الصفر.

سعد
__________________________________________________


(1)  : الكشف الأكبر- ضللنا طريقنا في القرن الحادي و العشرين .
الكاتب: بول كراغمان . الناشر: W.W. Norton & Company 
( 2 ) الجحيم الكوني. ايمي تشوا . الناشر Doubleday

الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

أي مصير للربيع العربي إذا فاز رومني؟



رومني: القبضة الحديدية (الصورة من غوغل


رومني، في حال فوزه بالرئاسة، سيجلب معه طاقم المحافظين الجدد نفسه الذي نظّر لصدام الحضارات مع الإسلام. وهذا سيسفر في الغالب عن ضغوط أميركية قوية على إخوان مصر وتونس.
-1-
استطلاعات الرأي الأميركية، قبل أيام من انتخابات الرئاسة في 6 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، لاتزال ترجّح فوز الرئيس باراك أوباما بولاية ثانية، لكن الفارق بينه وين منافسه الجمهوري ميت رومني لايتجاوز النقطتين أو الثلاث.
فماذا، مثلاً، لو أدت مضاعفات أعصار ساندي الحالي، إلى دفع بعض الناخبين الغاضبين من أداء الإدارة الراهن في مواجهة الإعصار (كما يحدث دوماً خلال الكوارث الطبيعية) إلى صف رومني فيضمنون بذلك فوزه؟ ثم: إذا مافاز رومني، كيف سيكون موقفه من ثورات الربيع العربي، ليس فقط في سورية بل أيضاً في مصر وتونس؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة أمام أمرين إثنين: الأول، يتعلق بمسألة ما إذا كان هناك حقاً فروقات بين الجمهوريين والديمقراطيين في مجال المصالح والسياسة الخارجية. والثاني، يرتبط بموقف الجمهوريين الأميركيين من قضية وصول الإسلام السياسي إلى السلطة في المنطقة العربية.
نبدأ مع مسألة الفروقات.
- II -
من الحاكم الفعلي؟
يتفق معظم المحللين على أن الحاكم الفعلي في الولايات المتحدة ليس السياسة أو الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بل المصالح. وهذه الأخيرة تتحكَّم بها شبكة معقّدة  للغاية (وأحياناً سرية) من القوى تضم الشركات العملاقة ومتعددة الجنسية، وكبار رجال المصارف، والمجمع الصناعي- العسكري والأمني والنفطي، وعائلات مثل روتشيلد وروكفلر ومورغان.. الخ، وجمعيات سرية كالجمجمة والعظمة (التي كان ينتمي إليها الرئيس السابق بوش) والماسونية وفرسان مالطا ومونت بيليرين وغيرها الكثير، التي تموُّل كل أو معظم مراكز الأبحاث الاستراتيجية في الولايات المتحدة.
هذه "النخبة العليا"، التي تضم واحد في المئة من أغنى واحد في المئة في أميركا، هي التي تحدد الخطوط العامة للسياسات الأميركية لكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لكن هذا لايعني أنه ليس ثمة فروقات في التطبيق بين الحزبين، وإن كانت الأهداف واحدة.
فالحزب الديمقراطي، الذي يمثّل عادة الطبقة الوسطى والليبراليين و"اليساريين"، يميل إلى التركيز في سياسته الخارجية على العوامل الاجتماعية- الاقتصادية، والحوار، والتحالفات؛ فيما ينحو الحزب الجمهوري، الذي يمثّل الشرائح العليا من الرأسمالية، إلى محض الأولوية للأمن والقوة العسكرية وأحادية الزعامة الأميركية.
وعلى سبيل المثال، وصول جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض في العام 2000 ودخول مجموعة من المفكّرين المحافظين الجدد معه إلى البيت الأبيض، هو الذي شكَّل ردّ فعل الولايات المتحدة على أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وأدّى إلى ظهور عقد من الغزوات والحروب. وعلى سبيل المثال أيضاً كان لانتخاب أوباما العام 2008 تأثير كبير على كيفية تعامل الولايات المتحدة مع انتفاضات الربيع العربي عموماً، ومع روسيا (سياسة إعادة التنظيم- Reset- )، والصين (الشراكة لا العداوة) وأوروبا الغربية (التحالف والتشاور).
صحيح أن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ثابتة إلى حدّ ما ولا تتغيّر كثيراً من إدارة إلى أخرى، وهي تشمل الالتزام الكامل بأمن إسرائيل، وتدفّق النفط والغاز من منطقة الخليج، والحرب على الإرهاب، لكن هناك تبايناً كبيراً، حتى ضمن هذه الالتزامات الثابتة، في الكيفية التي شكّل الرؤساء الجمهوريون والديمقراطيون سياستهم تجاهها. فمثلاً، توسّط الرئيس كارتر بين مناحيم بيغن وأنور السادات لإبرام اتفاقات كامب ديفيد، في حين عمل الرئيس جورج بوش مع أرييل شارون لعزل ياسر عرفات ووقف مسيرة التسوية. وردّ جورج بوش على التهديدات في العالم العربي بغزو العراق وتهديد دول أخرى، في حين ردّ الرئيس أوباما على التهديد من خلال السعي إلى المصالحة والحوار. بعض الرؤساء الأميركيين يرون أن تأمين مصالح أميركا في النفط والغاز ممكن من خلال الانتشار العسكري، بينما يرى أخرون أنه ممكن من خلال بناء تحالفات إقليمية وتحقيق الاستقرار في المنطقة. وفيما لاتتغيّر المصالح الأميركية من إدارة إلى أخرى، إلا أن الطريقة التي تسعى من خلالها كل إدارة لضمان تلك المصالح والتفاعل مع الأحداث الجديدة يمكن أن تختلف بشكل كبير، كما يمكن أن تؤدّي إلى تبنّي سياسات مختلفة جداً.
ثم: صحيح أيضاً أن ثمة تشابهاً نسبياً بين المرشّحَيْن أوباما ورومني في مواقفهما من الشرق الأوسط، إذ يبدو أن كليهما يعكسان توجّهات السياسة العامة التي بدأت في العامين الأخيرين من رئاسة جورج دبليو بوش. وتشمل هذا الموافقة على الانسحاب من العراق، والاتفاق على الانسحاب من أفغانستان في العام 2014، والاتفاق على منع إيران من الحصول على سلاح نووي من دون اللجوء إلى العمل المسلح، والاتفاق على تغيير النظام في سورية، وتقديم شكل من أشكال الدعم للمعارضين السوريين، ودعم الربيع العربي والديمقراطية، لكنهما  يختلفان حول عدد من القضايا. إذ ينتقد المرشّح رومني أوباما لأنه ينأى بنفسه عن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، ولعدم وقوفه الى جانب أعضاء الثورة الخضراء في إيران في العام 2009.
لكن الأهم بالنسبة لموضوعنا الجالي أن رومني ينتقد أوباما ينتقده لكونه يستسيغ كثيراً أحزاب الإسلام السياسي التي فازت في الانتخابات في الدول العربية الرئيسة. وهذا يعيدنا إلى الشق الثاني من سؤالنا الأول: هل يمكن أن تتغيّر السياسة الأميركية إزاء جماعات الإخوان المسلمين في المنطقة العربية إذا ما فاز رومني؟.
- III -
عودة المحافظين الجدد
يجب أن نتذكّر هنا أن الحزب الجمهوري يضم اليوم عدداً أكبر بكثير من اليمينيين المتطرفين والمحافظين الجدد مما كان عليه الحال حتى في ظل حكم بوش الأبن. والعديد من هؤلاء هم من أتباع المؤرخ برتراند لويس، الذي يعتبر "شيخ المحافظين الجدد"، وتلميذه صموئيل هانتينغتون، اللذين نظّرا لـ"العدو الإسلامي البديل عن الشيوعية" ولصدام الحضارات.  هؤلاء سيحتلون حتماً مواقع بارزة في إدارة رومني،  وسيعملون لتعديل العلاقات مع جماعات الإخوان المسلمين. قد لايندفع هؤلاء إلى مناصبة هذه الجماعات العداء، لكنهم سيمارسون حتماً عليها ضغوطاً هائلة لحملها على التصدي بقوة للتيارات الإسلامية المتطرفة.
لقد دعا الكاتب الأميركي الليبرالي توماس فريدمان إدارة أوباما، غداة قتل السفير الاميركي في ليبيا واجتياح السفارة الأميركية في القاهرة، إلى رفض منح الرئيس المصري مرسي وحزب النهضة التونسي "فترة سماح" قبل التصدي للإسلاميين المتطرفين. وإذا ما كان هذا هو موقف الليبرالييين الأميركيين الذين كانوا من أشد الداعمين لثورات الربيع العربي، فكيف سيكون عليه موقف المحافظين الجدد في إدارة رومني؟
يقول بول سالم، الخبير بالشؤون الأميركية ومدير مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في هذا الصدد:
"من شأن إدارة برئاسة رومني أن تكون أكثر تشكّكاً تجاه الحكومات الإسلامية في مصر أو تونس أو في أماكن أخرى. وستبدأ مثل هذه الإدارة العمل بصورة براغماتية وتبني على العلاقات الاقتصادية والإستراتيجية السابقة مع هذه الدول، لكن في أوقات الأزمات، كما رأينا في الحادث الذي وقع في بنغازي قبل أسابيع عدّة، قد تتفاعل إدارة رومني بشكل راديكالي وسريع وتحمّل الحكومات الوطنية المسؤولية، وتشرع في المواجهة أو تنتهج سياسات مغامِرة قد تجلب المزيد من عدم الاستقرار إلى المنطقة".
وهذا يعني أنه سيكون على جماعة الإخوان المصرية وحزب النهضة التونسي أن يبدءا من الآن في بلورة استراتيجية عمل جديدة مع قوى التطرف الأصولي، في حال أرادتا أن تحافظا على الدعم الاميركي الثمين الذي سهّل إلى حد كبير تحييد الجيشين المصري والتونسي ومنعهما من عرقلة عملية الانتقال السلمي إلى السلطة.
أما بالنسبة إلى سورية، وعلى رغم أن إدارة رومني لن تتحرّك في الغالب قبل ستة أشهر من وضع يدها على البيت الأبيض لانشغالها في التعيينات الجديدة وترتيب بيتها الداخلي، فإنها ستنحو حتماً نحو التصعيد مع النظام السوري ليس انطلاقاً من اعتبارات أخلاقية بل جيو- سياسية: منع روسيا والصين من ترسيخ موطىء قدم لهما في الشرق الأوسط الذي يعتبر بوابة قارة أوراسيا التي تمكّن من يحكمها من السيطرة على العالم. وهذا التحرُّك قد يتراوح بين الانغماس في حروب بالواسطة (Proxy wars ) مع روسيا وإيران في بلاد الشام، وبين تزعم حملة عسكرية جوية لحلف شمال الأطلسي (على رغم إعلان رومني في حملته الانتخابية أنه لاينوي التدخل عسكرياً في سورية).
انظروا وراءكم
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
أمراً واحدا: إدارة رومني ستواصل سياسة إدارة أوباما في تعاطيها مع الربيع العربي، لكنها  لن تفعل ذلك وهي تضع قفازات حريرية بل حديدية؛ كما ستكون أقل تسامحاً وأكثر إلحاحاً وضغطاً على حكومات الربيع العربي كي تنفّذ شروط "الصفقة" التي تم على أساسها وصولها إلى السلطة: كبح جماح التيارات الإسلامية المتطرفة.
لقد قال أوباما غداة الهجوم على السفارة الأميركية في القاهرة أنه "لايعتبر مصر(في عهد مرسي) حليفاً ولا عدوا". لكن رومني الرئيس قد يقول أكثر بكثير من هذا إذا ما طرأ حدث مماثل في العلاقات مع مصر وتونس. سيقول على الأرجح:" ما لم تتحرّك الحكومتان المصرية التونسية بقوة للتصدي لـ"الإرهاب الإسلامي" سنعتبرهما خصماً إن لم يكن عدوا".
وحينها سيكون على الأخوان المصريين والتونسيين التلفُّت باستمرار إلى الوراء ليروا ما إذا كانت القوات المسلحة وأجهزة الأمن المصرية والتونسية (حيث  لم تشهد مصر وتونس منذ نجاح الثورة أي إصلاحات ذي شأن في قطاعهما الأمني) تتعقبهم!

سعد


الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

الشرق الأوسط ينقلب، لكن أميركا لن تنسحب







- I -
يُقال أن رسم الخرائط وإعادة تخيُّل الجغرافيا أمر يأخذ وقتاً، وأحياناً يكون هذا الوقت طويلا.
 ويقول نيقولو ماكيافيلي أن التبدُّل في الحكم يترك الطريق ممهداً أمام وقوع تبدُّل آخر.


 العم سام والادمان على نفط الشرق الأوسط- الكاريكاتور من غوغل- 

نحن الآن أمام هاتين الحالتين معاً في كلٍ من الشرق الأوسط والعالم: فهناك بدء إعادة رسم خرائط وتبدلات راديكالية في أنظمة الحكم المحلية في المنطقة، وهناك تغيرات، وإن بطيئة، في السلطة العالمية. ومع مثل هذه السيولة الدفاقة التي تثيرها هاتين الحالتين، قد يكون أهم ما يمكن أن يقوم به المرء هو الحذر الشديد في القفز إلى استنتاجات، أو حتى الاستعانة بالفلاسفة هيراقليطس وبوذا ولاو تزو كي يتذكَّر بأن لاشيء هذه الدنيا الفانية يبقى على حاله، وأن التغيُّر الدائم هو الثابت الوحيد في الوجود!
لقد خلط الربيع العربي كل الأوراق بعنف في المنطقة كما في العالم. فكما أنه جاء، في بعض جوانبه، نتيجة لتغيّر الاستراتيجيات الدولية إزاء أنظمة المنطقة غداة 11 أيلول/سبتمبر 2001، كذلك هو أثّر على العلاقات الدولية. فالتناغم المفترض للنظام العالمي في مجموعة الثمانية ومجموعة العشرين ومجلس الأمن، أسفر مع الربيع العربي عن تباينات في المواقف ترجمت نفسها في نهاية المطاف في شلل مجلس الأمن للمرة الأولى منذ الحرب الباردة.
هذا التطور حفز المعسكر الإيراني- السوري- حزب الله على القفز إلى استتناجات متسرعة قوامها أن العالم انقسم نهائياً إلى معسكرين متناحرين، وأن هذا سيجعل معسكر الممانعة والمقاومة ينتصر في الشرق الأوسط، بدعم من روسيا، وسيحمل أميركا على الانسحاب سريعاً من المنطقة.
لكن هذا كان كما قلنا كان استنتاجا متسرعا: فلا شمس أميركا ستغيب قبل عقد او حتى عقدين من الآن، (إلا أذا حدث انهيار مالي ضخم ومفاجىء في وول ستريت على غرار كساد 1929)،  ولاروسيا قادرة وحدها على تحدي، أو منافسة، أو مقارعة، القوة العظمى الأميركية. ولا هي حتى تريد ذلك. هذا في حين أن الصين لاتزال تمارس سياسة "الصبر التاريخي" حتى إشعار آخر قد لايطل برأسه قبل العام 2025 حين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم.
- II -
هذه الحقائق كانت حاضرة بقوة خلال الانتخابات الأميركية، على رغم كل الضجيج الذي أثاره المرشح الجمهوري رومني غداة الهجمات في الشرق الأوسط على السفارات الأميركية، واتهم خلاله الرئيس أوباما بـ" الضعف وتشجيع التطرف الإسلامي".
فلا أحد في الحزب الجمهوري، عدا جناح صغير يمثله المرشح لنائب الرئيس رون بول، يريد أن تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط لتعود إلى عزلتها. الأجنحة الرئيسة في هذا الحزب إما ميالة إلى تيار المحافظين الجدد الذين يمثلهم السيناتور جون ماكين، والذي دعم إطاحة الرئيس مبارك والقصف الجوي في ليبيا وهو الآن يؤيد ضرب إيران ويدعم تسليح المعارضة السورية، أو إلى التيار الواقعي الذي يأسف لرحيل مبارك، لكنه يتعاطف مع مشاعر أوباما المتعبة من الحروب الخاسرة في العراق وأفغانستان.
والحصيلة؟
إنها واضحة.
مهما حدث في الشرق الأوسط، فأميركا لن تكون في وارد الانسحاب من الشرق الأوسط، ليس فقط لاعتبارات نفطية وإسرائيلية، بل أيضاً لأسباب جيو- استراتيجية تتعلق بالسيطرة على قارة أوراسيا التي يستطيع من يهيمن عليها إحكام قبضته على كل العالم.
ومهما كان نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية، لا أوباما ولا رومني سيغيران دفة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط: من الانخراط والانغماس إلى التقوقع والانسحاب، على رغم أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تدير ظهرها رويداً رويداً للمحيط الأطلسي وتيمم وجهها نحو حوض الباسيفيك- آسيا. فالتوجه الشرق أوسطي الأميركي لن يتغيَّر، ليس على الأقل قبل عقد أو عقدين من الآن، كما أسلفنا، وحتماً ليس قبل نضوب آخر قطرة نفط في المنطقة، وبقاء ولو يهودي واحد في فلسطين.
- III -
إذن، ثمة بالفعل رسم خرائط وإعادة تخيُّل الجغرافيا في الشرق الأوسط وعلى مستوى السلطة العالمية، إلا أن هاتين العمليتين تسيران ببطىء وتؤدة وتنتميان إلى المستقبل أكثر من انتمائهما إلى الحاضر.
ومن يراهن على غير ذلك، كما تفعل الآن بعض الرؤوس الحامية في إيران وسورية- الأسد وفي بعض الأحيان بعض الأجنحة الروسية غير الصبورة و"المستعجلة تاريخيا"، يكون كمن يبحث عن قط أسود في غرفة مظلمة، فيما القط غير موجود أصلاً في الغرفة!

                                                                     سعد