للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السعودية وإيران. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السعودية وإيران. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 5 يناير 2014

ماجد الماجد: سعودي أم إيراني أم أميركي..؟(الحلقة 2)




تساءلنا في مقال الأمس: إذا ما كان من "حق" القوى الغربية والأجنبية أن تلعب ورقة الإسلام المتطرف على هذا النحو، طالما أن النظام العالمي ليس بأي حال منظومة أخلاقية أو جمعية خيرية، فهل ينطبق الأمر نفسه أيضاً على القوى الإقليمية الإسلامية؟

- I -
لنوضح ما نقصد بالتحديد، نود أن نشير إلى حقيقة لا أحد يمكن أن يجادل في صحتها: المنظمات الإسلامية المتطرفة، في شتى أشكالها، لا تمت بأي صلة إلى التيار الأسلامي العام الذي يشكّل الأغلبية الكاسحة من الأمتين العربية والإسلامية.
لماذا يستهوي العنف اليافعين؟(الصورة من غوغل

صحيح أن شعاراته تستقطب بعض الشبان اليافعين الذين يميلون بسبب هرموناتهم النشطة إلى العنف (تماماً كما كان اليسار المتطرف في الستينينات يستميل الجيل اليافع نفسه)؛ وصحيح أن فكرة انتهاج طريق قصير إلى الجنة وتناول الغداء مع النبي محمد (صلعم) من خلال الاستشهاد تستولي على قلوب الشبان فاقدي الأمل في هذه الحياة الدنيا، إلا أن هؤلاء قلة قليلة لايمكن في يوم من الأيام أن تتحوّل إلى حركة جماهيرية واسعة.
الدلائل على هذه الفرضية مبعثرة في كل مكان: فالقاعدة "مخلوقة" منذ نيف وثلاثة عقود، ومع ذلك لا هي ولا أي من فروعها تتجاوز أعدادها حفنة آلاف في كل الدول. علاوة على ذلك، ما يجري الآن في سورية والعراق، حيث تقاتل المنظمات الإسلامية غير المتطرفة والعشائر حركة "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" بضراوة شديدة، دليل آخر ليس على مدى عزلة المتطرفين، بل الأهم على أنهم في الواقع نبتة خارجية، على الأقل بالنسبة إلى قياداتهم التي تتمتع بالدعم المالي وشهوة السلطة والإمارة.
- II -
هذا الخارج، كما ألمعنا أمس، كان الولايات المتحدة مع اندلاع حرب أفغانستان ضد السوفييت العام 1979. وعلى رغم أن أجهزة المخابرات الأميركية لاتزال تستخدم بعض أجنحة هذه المنظمات لخدمة أجندات معينة، إلا أن حجر الرحى في هذه الاستخدامات انتقل إلى القوى الإقليمية الرئيسة في الشرق الاوسط (سورية، إيران، العراق، السعودية، تركيا، مصر وإسرائيل) وبات جزءاً لايتجزأ من سياستها الخارجية في تعاطيها مع الدول الأخرى.
ويجب الاعتراف هنا أنه ليس ثمة في الواقع دولة إقليمية واحدة بريئة من الصفقات الفاوستية (الجهنمية) مع تيارات التطرف هذه. تماماً كما أن الولايات المتحدة لم تكن، ولم تزل، غير بريئة من جعل المتطرفين يعتقدون أنهم قادرون على السيطرة على العالم، من خلال تسهيل نصرهم في أفغانستان على الاتحاد السوفييتي، أـساساً عبر تزويدهم بالصواريخ المضادة للطائرات والدبابات، ربما لتحويل مقولة برتراند لويس وزميله صموئيل هانتينغتون بأن الإسلام هو العدو الجديد للغرب إلى حقيقة واقعة.
- III -

لكن، ماذا يعني أن تحذو القوى الإقليمية حذو الولايات المتحدة في إطلاق عفريت التعصب والتطرف من قمقمه؟
الكثير، الكثير.
فهو يشي بأن كل الشعارات الإديولوجية الإسلاموية لهذه القوى، مجرد أوراق توت لإخفاء أجنداتها القومية أو الاستخبارية أو التوسعية التي لاعلاقة لها من قريب أو بعيد بالأخلاقيات الدينية أو اللاهوتية.
وهو يعني، أيضاً، أن الاسلام، أو على الأقل اسم الإسلام، قد وُضٍعَ قيد الاستخدام كسلاح سياسي. وهذا مالايجعل هذه القوى الإقليمية"الإسلامية" لا تختلف بشيء عن القوى الدولية "المسيحية" التي تستخدم الإسلام هي الأخرى كسلاح من هذا النوع، تارة ضد الشيوعية وطوراً ضد القومية العربية العلمانية، ومراراً لخدمة الأجندة الإسرائيلية الهادفة إلى تفتيت الشرق الأوسط الإسلامي.
بيد أن الأهم أن إطلاق العفريت يطلق عفريتاً أشهد هولاً بكثير: الحرب المذهبية الطاحنة بين السنّة والشيعة التي أدّت مرتين إلى انهيار الحضارة الإسلامية (مرة حين مهدت لغزوات المغول والصليبيين، ومرة أخرى مع الحروب العثمانية- الصفوية التي سهَّلت الاجتياحات الاستعمارية الأوروبية).
هنا يكمن الخطر الأكبر الذي تفرزه استخدامات القوى الإقليمية للتطرف الأصولي على أنواعه، والذي بدأ يحيل الوضع في المنطقة إلى جهنم حقيقية، كما يتبدى بوضوح في الكارثة الإنسانية الكبرى التي تجري في سورية هذه الأيام، والتي جرت (واستؤنفت الآن) في العراق، وبدأت تتمدد إلى لبنان.
كيف يمكن الخروج من هذه الـ"جهنم"؟
عبر معبر واحد: تشكيل كتلة تاريخية تقدمية جديدة في الشرق الأوسط الإسلامي، تستطيع أن تنظر مباشرة في عيون القوى الإقليمية المعنية لتقول لها: نحن نعرف كيف تستخدمون الإسلام والتطرف لأغراضكم السياسية والاستخبارية، ونحن نرفض أن تدمروا كل إرث الجضارة الإسلامية العريقة على هذا النحو اللاأخلاقي.
لكن، ومالم تولد هذه الكتلة سريعاً، ستواصل القوى الإقليمية غيّها اللاحضاري، وسنواصل نحن شعوب المنطقة الولوج أكثر إلى جحيم لانهاية له من العنف والتعصب والتطرف. وكل هذه، كما هي معروف، هي السمات المميزة لأمراض السايكوباث (Psychopath ) النفسية الإجرامية!
سعد محيو
للاتصال المباشر بالكاتب:
saad-mehio@hotmail.com
هاتف: 00961-70873533



الخميس، 26 ديسمبر 2013

السعودية وإيران وثالثهما "الشيطان الأكبر"



كيف يمكن أن تقرأ السعودية وإيران مطالبة الولايات المتحدة قادة الشرق الأوسط بوقف دعم داعش والنصرة وبقية الفصائل السلفية السنّية؟
الأرجح أن الصورة على هذا النحو: الرياض ستفسرها على أنها دليل آخر على انحياز الولايات المتحدة إلى الشيعة، في الصراع المذهبي الذي يدور رحاه الآن في كل المنطقة. وهذا سيزيد القلق والهواجس السعودية من أبعاد ومضاعفات الصفقة النووية المؤقتة بين إيران والغرب.
وطهران، من جهتها، سترى في البيان الأميركي إطلاقاً ليدها في سورية، وتعزيزاً لموقف الإصلاحيين في الداخل الإيراني الذين يؤيدون انحياز إيران إلى "الشيطان الأكبر"، في إطار انتقالها من الثورة إلى الدولة وتحوّلها إلى دولة "عادية" ضمن النظام الرأسمالي العالمي.
بيد أن كلا المقاربتين ناقصتين.
صحيح أن الولايات المتحدة تعتبر القاعدة واخواتها الخطر الإرهابي الأكبر عليها وعلى الأمن الدولي، إلا أن ملفات الكونغرس وووزارتي الخارجية والدفاع تعج بالوثائق والقرارات التي تعتبر إيران دولة إرهابية وتصنّف حليفها الرئيس في المشرق (حزب الله) في الخانة نفسها.
وبالتالي، الحديث عن انحياز أميركا إلى الشيعة في الصراع المذهبي الراهن في الشرق الأوسط ليس دقيقاً تماما. ما هو دقيق هو أن الولايات المتحدة، بعد الانفتاح الإيراني عليها مع وصول (أو بالأحرى تسهيل الأمام خامنئي لوصول) حسن روحاني إلى سدة الرئاسة، اعتبرت أنها في موقع يمكّنها من ممارسة سياسة توازن القوى في المنطقة، بعد 30 سنة من حالة العداء المطلق مع إيران.
ماذا يعني توازن القوى هذا، في المرحلة الراهنة؟
إنه يعني أن الولايات المتحدة ستكون في يوم إلى جانب السعودية، وفي يوم آخر إلى جانب إيران، تبعاً لكل حالة أو تطور على حدة.
وهذا يترجم نفسه في سورية، على سبيل المثال، في وقوف واشنطن إلى جانب إيران وحزب الله اللبناني في المعركة ضد داعش والنصرة، تماماً كما جاء في "مناشدة" البيت الأبيض لقادة المنطقة لوقف دعم هذين التنظيمين. بيد أن هذا لن يكون سوى انحياز مؤقت. إذ بعد حين قد تنقلب الولايات المتحدة ضد إيران وحزب الله في سورية، عبر دعم قوى إسلامية سنّية أكثر اعتدالاً، سوى تمثلت هذه في الجبهة الإسلامية أو الجيش الحر بعد إعادة إحيائه.
اللعب على الحبلين، ستكون هي السياسة الأميركية الجديدة في سورية والمنطقة. وهو توجّه بات ممكناً بعد إعادة النظر الاستراتيجية الشاملة التي قامت بها إدارة الرئيس أوباما في توجهات السياسة الخارجية الأميركية. في المحافل الدولية، عُرفت إعادة التقييم هذه بـ"الاستدارة" ( Pivot) شرقاً نحو آسيا- حوض الباسيفيك ونحو إصلاح الداخل الأميركي، ويالتالي تقليص الاعباء والالتزامات الأميركية في الشرق الأوسط وأوروبا.
أما في الداخل الأميركي، فيجري الحديث أكثر عن تخلي إدارة أوباما عن "مبدأ كارتر" الذي صاغه (كما هو معروف) الرئيس الأسبق جيمي كارتر العام 1980، والذي رمى فيها بالثقل العسكري الأميركي في منطقة الخليج، غداة "خسارة" الولايات المتحدة لإيران بعد ثورتها العام 1979 والغزو السوفييتي لأفغانستان.
وهذا عنى بالنسبة إلى أوباما رفض الانجرار إلى أي حروب أخرى في منطقة الشرق الأوسط الكبير، من سوريا إلى إفريقيا الشمالية، واستبدال "مبدأ كارتر" الذي وضع الأمن الخليجي مباشرة في أيدي القوات الأميركية عبر سياسة الاحتواء المزدوج آنذاك، بـ"مبدأ أوباما" الداعي إلى أن تلعب الولايات المتحدة دور"المدوزن" لموازين القوى في المنطقة، من خلال استراتيجية الإشراف بحراً من بعيد على التطورات فيها، تماماً كما فعلت القوة الامبراطورية البحرية البريطانية طيلة ثلاثة قرون.
لكن، هل ينجح مثل هذا التوجُّه الجديد؟
لا ونعم.
لا، لأنه لن يحقق الاستقرار في الشرق الأوسط، بل "سينظم" و"يدير" الحروب المذهبية والطائفية المستعرة أصلاً، طالما أن الولايات المتحدة لاتبدو مهتمة (حتى الآن) في إقامة نظام أمن إقليمي جديد يحل مكان الفوضى غير الخلاقة الراهنة في المنطقة.
ونعم، لأنه سيمكِّن أميركا من تجديد سيطرتها (ومعه إسرائيل) على الشرق الأوسط عبر سياسة فرّق تسد، بأقل التكاليف الممكنة، الأمر الذي سيساعدها على الاستدارة شرقاً نحو آسيا- الباسيفيك والداخل الأميركي.
هل ثمة ضرورة للتساؤل عمن سيكون الضحية الكبرى في لعبة موازين القوى الجديدة هذه؟
إسألوا شعوب المنطقة.
 (*) نشر هذا المقال أولاً في صحيفة "المدن" الالكترونية

________________________________

الخميس، 16 أغسطس 2012

كيف يمكن انقاذ العالم الإسلامي والخليج من جهنم الحروب






-1 -
قلنا بالأمس ( "اليوم، غدا، 15-8-2012) أن أحداً في العالم الإسلامي لن يستمع إلى دعوات الملك السعودي عبد الله إلى "التضامن والحوار"، لأن هذا العام غارق بالفعل حتى أذنيه في مجابهات أشبه بالحروب الصفوية- العثمانية التي اندلعت طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.


                                   الحرية والخبز صنوان ( الصورة من غوغل)


لكن، هل من الضروري أن يعيد هذا التاريخ المأساوي من الاقتتال الإسلامي - الإسلامي إنتاج نفسه مرة بعد مرة؟ أليس ثمة مخرج أو كوّة أمل من هذا المصير الذي كان، ولايزال، يُشرع كل الأبواب والنوافذ أمام الاجتياحات الغربية للمنطقة، ويمنع بروز العالم الإسلامي في النظام العالمي قديمه والجديد الذي يستعد للولادة الآن؟
أجل. هناك مخرج وحل: الديمقراطية.

                                              - II -

فكما هو معروف، الدول الديمقراطية لاتقاتل بعضها البعض. هي قد تتنافس وتتنازع وتختلف، لكن أنظمتها الديمقراطية تساعدها على الوصول إلى تسويات تُجنِّبها تجرُع كأس الحروب.
طبقوا هذا المعيار على أمن الخليج، عبر بوابتيه السعودية والإيرانية، تكتشفون هذه الحقيقة. فإيران الديمقراطية الحقّة، التي تنسف من دستورها النصوص التي حوَّلتها إلى دولة طائفية شيعية بامتياز، والتي تجعل سلطة الشعب الصاعدة من تحت (أرض المجتمع) فوق سلطة ولي الفقيه الهابطة من  فوق (سماء المطلقات وأوهام العصمة البشرية)، ستكون إيران المحاورة والمسالمة مع جيرانها، والباحثة عن الأمن والتكامل معهم على غرار تجربة الاتحاد الأوروبي، لا إبران المصدٍّرة للعنف والطائفية إليهم.
والسعودية الديمقراطية، بالمثل، لن تنتهج سياسات طائفية سنيّة في سياستها الخارجية (على رغم أن بعض السنّة يرفضون الاعتراف بالوهابية من ضمن المذاهب الأربعة)، بل ستنشط لتحويل المواطنة الوطنية فيها إلى مواطنة إنسانية عامة يجد فيها الشيعي الإيراني والعربي وبقية أفراد المذاهب والأقلبات مكاناً لهم فيها.
وكما أن الديمقراطيات لاتقاتل بعضها البعض في الخارج، فهي أيضاً تمنع الحروب الأهلية في الداخل. فالديمقراطية تقوم ليس فقط على حكم الشعب للشعب وتداول السلطة سلميا، بل أيضاً على القبول والشرعية وقبول الأخر. وهي بوضعها عربة السياسة أمام خيول الأمن، تفسح ألف مجال أمام حل التوترات والصراعات والخلافات من كل أنواعها بالطرق السلمية.
هذا هو الاستقرار العميق ذو الديمومة الذي تخلقه الديمقراطية، والذي يتناقض حرفاً بحرف مع إستقرار الانظمة الشمولية والاستبدادية الذي يبدو ظاهرياً قوياً ومتماسكاً، لكنه في الحقيقة أشبه بطنجرة البريستو التي تنتظر الانفجار في أي لحظة.

- III -
لكن، هل ثمة أمل حقاً بأن تحل الديمقراطية في منطقة كمنطقة الخليج تعج بالأصوليات الطائفية والمذهبية، المتقاطعة مع الصراعات الدولية والجيوسياسية؟
لو طُرح هذا السؤال قبل إندلاع الربيع العربي، لجاء الجواب سريعاً بكلا مطلقة. لكن الآن، وبعد إنطلاق ثورات المواطنة والحرية في كل أرجاء المنطقة العربية (لابل تحوُّلها إلى ظاهرة عالمية أيضاً)، لم يعد هذا مجرد أمل بل هو أمر واجب الوجود. فالشعب الإيراني، الذي يستنزف النظام الآن كل مقدراته ووسائل عيشه في سباقات التسلح والنفوذ العبثية التي يشن، ويصادر حرياته وحقوقه الفردية باسم الله والدين وعصمة رجال الدين، لن يطول به الوقت قبل أن يستأنف ثورته الخضراء التي هزّت أركان النظام العام 2009.
وشعوب السعودية والخليج لن تبقى طويلاً معزولة عن ثورات المواطنة العربية، مهما بُذِلت الجهود لإقناعها بأن الإنسان يعيش بالخبز وحده. الخبز هام، لكن الأهم هي حربة هذا الإنسان وحقوقه وكرامته الشخصية والوطنية.
وحين تزف ساعة الديمقراطية والحريات، وهي آتية لامحالة بقوة المتغيرات الدولية والإقليمية ومنطق التاريخ، سيكون في الوسع بدء الحديث عن خروج العالم الإسلامي من جهنم الصراعات والحروب الخارجية والداخلية، وولوجه جنّة الأمن والسلام والازدهار الاقتصادي.
حينها سيكون هذا العالم، الذي أعطى البشرية واحداً من ألمع الحضارات في التاريخ، قادراً على التنافس مع الصين والهند واليابان وبقية زميلاته الحضارات الشرقية التي تنشط الآن للهبوط على القمر والمريخ، بدل أن يواصل التخبط، كما هو الآن، في مستنقعات الأرض ووحولها.

                                                                                          سعد


الأربعاء، 15 أغسطس 2012

لماذا لن يسمع أحد "نداء" ملك السعودية؟



- I -
دعوة الملك السعودي عبد الله قادة  منظمة المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة إلى "التضامن والتسامح"، وأيضاً إلى الحوار بين المذاهب الإسلامية، بدت كصرخة خافتة ومبحوحة وسط ضجيج معركة حامية الوطيس في البيداء، تصطرع فيها السيوف والخيول والأقلام.


                                   قمة مكة: دعوات إلى الله، ولكن؟ ( غوغل)

فالقاصي والداني يعرف أن الأمة الإسلامية منقسمة إيدولوجياً وأفقياً وعمودياً هذه الأيام، وبشكل انشطار واستقطابي حاد، بين السنّة والشيعة (من إيران إلى لبنان مروراً بمعظم دول الخليج) وبين السنّة والسنّة (ليبراليون، إخوان، سلفيون، قاعديون.. ألخ)، وبين الشيعة والشيعة (مهديون، أنصار ولاية الفقيه وخصومها، وطنيون وأمميون.. ألخ).
لكن الأمر لايقتصر على الانقسامات الإديولوجية. في الميزان أيضاً، وربما قبل الهوية والانتماء، هناك آثار أقدام وبصمات الجيوبوليتيك في كل مكان.
فقمة المؤتمر الإسلامي، على سبيل المثال، عُقدت أصلاً بحفز من الرياض لتشكيل جبهة إسلامية، هدفها إسقاط ما تبقى من أوراق شرعية يتلحّف بها النظام السوري (بسيف الإسلام هذه المرة بعد استخدام سيف العروبة في الجامعة العربية). والرئيس الإيراني أحمدي نجاد قَبِل المشاركة في هذه القمة فقط لمحاولة التخفيف من قوة هذه الجبهة، ومن وطأة القرار المنتظر بتجميد عضوية سورية في منظمة المؤتمر الإسلامي.
بالطبع، لايستبعد أن يكون الملك عبد الله والرئيس نجاد بحثا إمكانية التوصّل إلى اتفاق حول حل ما في سورية، حيث أن بلديهما هما قطب الرحى في المجابهات الساخنة الراهنة في بلاد الأمويين. بيد أن كل الدلائل تشي بأنه لم يحن بعد أوان مثل هكذا اتفاق: فإيران قررت على مايبدو مواصلة القتال في سورية حتى آخر علوي، والسعودية قطعت طريق العودة عن العمل على إسقاط الأسد ونظامه. وكلا الطرفين يعتبران الآن حرب سورية بمثابة المعركة الفاصلة لنفوذيهما الإقليمي، وحتى لأمنيهما القومي والداخلي.

- II -
وكما على الصعيد الإقليمي، كذلك على الصعيد الدولي.
إذ يبدو أن الانقسام السنّي- الشيعي بدأ يتدوّل إلى حد بعيد:
-  فروسيا تبدو منحازة إلى الإسلام الشيعي، إنطلاقاً من خوفها على "بطنها الرخو" الإسلامي في مناطق القوقاز، وآسيا الوسطى، والداخل الروسي. ولايجب أن ننسى هنا أن نحو 20 في المئة من الاتحاد الروسي يتكوّن من مسلمين، وأن حروب الشيشان أدت إلى مصرع أكثر من 100 ألف شخص وهددت بتفكيك الوحدة القومية الروسية. والأرجح أن هذا الخوف، إضافة إلى عوامل دولية واقتصادية أخرى، هو الذي دفع موسكو إلى أحضان طهران الشيعية.
- والولايات المتحدة، وبفعل صدامها مع إيران الإسلامية الشيعية، وجدت في الإسلام السنّي حليفاً طبيعياً. وهي تستثمر حتى الثمالة في هذه الأيام في مشروع دفع السنيّة السياسية إلى الصراط المستقيم الديمقراطي، من دون أن تخشى احتمال إفادة روسيا من اللااستقرار الذي يرافق ذلك, لماذا؟ لأن سمعة هذه الاخيرة انحدرت بشكل ساحق في الشرق الأوسط العربي وحتى في الداخل الإيراني، بفعل انحيازها إلى الأنظمة الاستبدادية في ليبيا وسورية وإيران والجزائر وغيرها.
- III -
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
أمراً واحدا: الإديولوجيا والجيوبوليتيك سيظلا متشابكين بعنف من الآن وحتى إشعار آخر في العالم الإسلامي. وهذا سيأخذ شكل الحروب الأهلية العنيفة والباردة، وقد تتخلله أيضاً حروب عامة ساخنة(إما في سورية ولبنان، أو في إيران والخليج).
هل هذا سيناريو مكرر للحروب الصفوية (الشيعية) - العثمانية (السنيّة) المتَّصلة التي استغرقت حيزاً كبيراً من القرنين السابع عشر والثامن عشر؟
ربما، وإن بأشكال أخرى.
* * *
هل عرفنا الأن لماذا كانت دعوة الملك عبد الله إلى "التضامن والحوار" أشبه بصرخة خافتة، في وادٍ يعج بضجيج يصم الآذان؟

                                                                                سعد


الأحد، 1 يوليو 2012

لماذا انفجر الصراع المفتوح بين السعودية وإيران؟






حرب باردة حقيقية في منطقة الخليج
لماذا المجابهة المفتوحة
 بين السعودية وإيران؟

سعد محيو
هل ثمة علاقة ما بين إندلاع مايمكن ان يكون "حرباً باردة" بين السعودية وإيران على ضفاف الخليج، وبين الربيع الديموقراطي في الشرق الأوسط؟
السؤال، للوهلة الاولى، قد يبدو غريبا. وهذا أمر متوقع: فالصراع بين البلدين كان مستعراً أصلاً، منذ ان انتقلت إيران من كونها الحليف الأكبر للولايات المتحدة في منطقة الخليج إلى عدوها الأكبر بعد انتصار الثورة الإسلامية فيها العام 1979. ومنذ ذلك الحين، انغمست الرياض وطهران في حمأة مجابهات تراوحت بين الحروب بالواسطة، كما حدث إبان الحرب العراقية- الإيرانية (198-=1988) التي دعمت فيها السعودية بقوة الرئيس صدام حسين، وبين "المجابهات الودية" في عهدي الرئيسين رفسنجاني ونجاد.




بيد أن العلاقات تدهورت مع وصول الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة، بعد ان ارتدت السلطة الإيرانية حلّة إيديولوجية دينية كاملة، فردت عليها مملكة السعوديين بالمثل. وهكذا تبلورت حرب باردة حقيقية بين الطرفين على النمط الأميركي - السوفييتي، تضمّنت العدة الكاملة لمثل هذه الحرب: الجواسيس ضد الجواسيس؛ حملات التضليل الإعلامي؛ الصدامات بين القوى التابعة لهما (في لبنان والعراق، والآن في سوريا)؛ اتهامات سياسية متبادلة وحادة؛ وتراقص على حافة صدامات لايستبعد البعض ان تصل حتى إلى المستوى العسكري.
وعلى الصعيد الإديولوجي، كانت الحرب الباردة لاتقل حدّة وعنفاً. فقد لاحقت المخابرات السعودية "المبشّرين الشيعة" الإيرانيين في المغرب وأبلغت السلطات في الرباط عنهم، فأدى هذا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية المغربية- الإيرانية. كما وصلت المجابهات إلى إندونيسيا حيث يتسابق الطرفان السعودي والإيراني الآن على كسب قلوب وعقول المواطنين الإندونيسيين، عبر ضخ مئات ملايين الدولارات في المجتمع المدني الإندونيسي للترويج للصيغتين السنيّة والشيعية للإسلام.
بيد أن نقطة الصدام التي دفعت الحرب الباردة إلى السطح، كانت الانتفاضة الشعبية في البحرين. إذ كانت الثورة الشعبية في بلاد القرامطة انطلقت مع غياب ملحوظ للشعارات الطائفية ومع تركيز على الإصلاحات الدستورية. لكن، حين أوحت بعض جهات في السلطات البحرينية أنها على وشك الرضوخ للعديد من مطالب المُنتفضين، على غرار ماحدث في تونس ومصر، تدخلت قوات درع الجزيرة  فتحوّلت الانتفاضة الشعبية بين ليلة وضحاها إلى عراك إقليمي علني وعنيف بين الرياض وطهران.
وقبل البحرين، كانت السعودية ترى أصابع إيرانية واضحة في الثورة الشعبية اليمنية، خاصة في أوساط الحوثيين، فتحرّكت للإمساك بمفاصل الوضع هناك لمنع التمدد الإيراني، عبر توثيق العلاقات المالية مع العديد من القبائل اليمنية ولعب دور الوسيط بين الرئيس السابق علي صالح والمعارضة.
ثم هناك بالطبع لبنان، الذي ترتدي فيه المجابهة بين تياري 8 و14 آذار/مارس، طابع الصراع الصريح والمباشر بين السعودية وإيران، منذ أن نجح حزب الله في إطاحة حكومة سعد الحريري الموالية للرياض.
ويبقى الانتظار لمعرفة كيف ستكون خواتيم هذا التنافس السعودي- الإيراني في سوريا، التي  تحوّلت هي الأخرى إلى نقطة صدام كبرى بين الطرفين تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة، بسبب الدور المحوري الذي تلعبه بلاد الشام في استراتيجيات الشرق الأوسط.

لماذا الآن؟
 هذه المعطيات تشي أن السعودية وإيران كان لديهما منذ ثلاثة عقود كل الأسباب والمبررات كي تنغمسا حتى الثمالة في حمأة حرب باردة. بيد أن السؤال هنا هو: لماذا قرر الطرفان في هذه المرحلة بالذات تحويل الصراع الخفي بينهما إلى صراع علني، وأن يستخدما كل أسلحة الحرب الباردة الإعلامية والسياسية والاستخارية دفعة واحدة؟
نترك الإجابة للكاتبين الأميركيين بيل سبيندر ومارغريت كوكر ("وول ستريت جورنال"- 16 نيسان/إريل 2011)
قالا: " إذا ماكانت إيران والسعودية تريان نفسيهما تردان على تهديدات خارجية، إلا أن العديد من المحلليين والدبلوماسيين، وأنصار الديموقراطية، يرون مشهداً أكثر تعقيدا. فهم يقولون أن تصعيد التوترات الإقليمية له دافع آخر لدى الطرفين: الخوف من الديموقراطية.
فقبل وقت طويل من اندلاع الاحتجاجات التي أطاحت برئيسين في العالم العربي، خاض النظام الإيراني معارك شوارع طاحنة ضد المتظاهرين والمحتجين الإيرانيين المطالبين بالحرية قبل نحو السنتين. ومع أن السلطات الإيرانية إدّعت ان الثورات العربية هي نسخة عن ثورتها هي العام 1979، إلى أن أنصار الثورة الخضراء المعارضين نجحوا في الالتحام مع الثورات العربية وقاموا بأكثر تظاهرات لهم منذ أكثر من سنة.
السعودية، من جهتها، تحرّكت بسرعة لتجنّب وصول مد الثورات المدنية إليها، فنثرت فوق المجتمع السعودي أكثر من 230 مليار دولار، وأبقت عينها ساهرة على المنطقة الشرقية الغنية بالنفط التي تتواجد فيها أقلية شيعية ولكن نشطة، وأتبعت ذلك بحملات إعلامية واسعة النطاق لتؤكد أن النظام السعودي محصّن ضد الثورات على النمطين التونسي والمصري والليبي، وأخيراً السوري.
لكن، يبدو أن الخطوة الأهم التي اتخذها النظامان السعودي والإيراني معاً هو تغيير النقاش: من الحرية والثورات الديموقراطية، إلى الصدامات الإقليمية والصراعات الطائفية السنّية- الشيعية.
لكن، هل ينجح هذا التكتيك  في تجنيب النظامين رياح التغيير العاتية في الشرق الأوسط؟

.. ولكن؟
ربما، في حال استمر تصعيد الحرب البادرة وتحولّت في بعض الأحيان إلى حروب صغيرة أو كبيرة ساخنة.
لكن حتى مع ذلك، فإن الصراع الإقليمي لن يوقف عجلة التغيير ولو أخّره بعض الوقت. فالقرار بتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط والانتقال من مرحلة الاعتماد على استقرار الأنظمة السلطوية إلى الاعتماد على استقرار المجتمعات المدنية (عبر الديموقراطية وحكم القانون)، هو قرار دولي اتخذ على أعلى المستويات، وتشارك فيه ليس كل أو معظم الدول الكبرى وحسب، بل أيضاً قوى العولمة المتمثّلة في الشركات متعددة الجنسيات التي تريد ان ترى سوقاً شرق أوسطياُ واحداً له 750 مليون مستهلك. وهذا لايكون إلا بإعادة تنظيم المنطقة على أسس ديموقراطية وليبرالية جديدة.
وتبعاً لذلك، الحرب الباردة بين السعودية وإيران، قد تثبت في نهاية المطاف أنها ليست أكثر من سحاب صيف عابرة، دخلت خطأ المجال الجوي لربيع شرق أوسطي عابق بالتحولات والتغيرات المتواصلة، أو أنها زوبعة في فنجان واحد فيما المنطقة تموج بآلاف الفناجين الداخلية المُتمخِضة والمُتفجِّرة.