للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاسلام الليبرالي،. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاسلام الليبرالي،. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 سبتمبر 2012

من تونس إلى السعودية: النصر سيكون لـ"الإسلام الليبرالي"

من تونس إلى السعودية:
النصر سيكون لـ"الإسلام الليبرالي"


- I -
خطوط المعركة الجديدة في المنطقة العربية ارتسمت وانقضى الأمر: إسلام سياسي ليبرالي، ديمقراطي، منفتح على الحريات والتعددية، في مقابل إسلام سياسي استبدادي (في الدولة والمجتمع)، وديكتاتوري، ومنغلق على كل ما له علاقة ليس فقط بالحرية والتعددية بل أيضاً بالابداع العلمي والتكنولوجي والتجدد الفكري والثقافي.

دور المرأة كبير في المعركة بين "الاسلامين السياسيين".- الصورة من غوغل

هذان الإسلامان السياسيان لهما في آن خلفية تاريخية وحديثة تدعمهما:
فالإسلام الليبرالي يجد مرجعيته في الحقبتين الذهبيتين الأولى (الخلفاء الراشدون) والعباسية، اللتين شهدتا ذروة الصعود الإسلامي المنفتح على العالم والفاتح له استناداً إلى مبدأي " لا إكراه في الدين"، و"لكم دينكم ولي دين"؛ والإسلام المنغلق يجد أساسه في فكر إبن تيمية في القرن الثالث عشر الميلادي ومحمد بن عبد الوهاب اللذين بدءا إصلاحين وانتهيا إلى العنف التكفيري والتكسيري، وإلى ضرب كل مظاهر التفتح العلمي والثقافي والاجتماعي (خاصة في ما يتعلق بالحقوق الإنسانية للمرأة التي اعتبرها هذا الفكر عدواً شيطانيا) وحتى التفتح الروحي.
أما الخلفية الحديثة، فقد توزعت أطيافاً ومشاربَ: فالرئيس الروسي بوتين، الخائف أبداً من تأثيرات الإسلام الإنغلاقي السعودي على خاصرته الطرية في شمال القوقاز وآسيا الوسطى، يتشاطر مع المحافظين الجدد الأميركيين والليكوديين الإسرائيليين الدعوة إلى حرب حضارات شاملة مع كل الإسلام؛ فيما الديمقراطيون الأميركيون يرون التلاوين في العالم الأسلامي بين المعتدلين والمتطرفين ويراهنون على الأوائل.
وعلى الصعيد الإقليمي، تشكِّل مملكة السعوديين، بقيادة شكلية من شبكة رجال الدين الوهابيين من ذوي المصالح المادية الخاصة، رأس حربة الثورة المضادة على الإسلام الليبرالي والربيع العربي في المنطقة، فيما تعتبر تركيا نفسها، ويعتبرها الكثيرون، نموذجاً للإسلام الديمقراطي المنفتح والتعددي.
الأضواء هذه الأيام، خاصة بعد الفيلم المسيء للإسلام، مصلتة على الإسلام الإنغلاقي والمتطرف بسبب أعمال العنف التي يقوم بها من تونس وليبيا إلى باكستان وإندونيسيا، ما عزز وجهة نظر البوتينيين والمحافظين الجدد والوهابيين بأن اليد العليا ستكون للإسلام السياسي المتطرف.
بيد أن هذا، موضوعيا، أبعد مايكون عن الحقيقة. فالإسلام الانغلاقي مجرد أقلية تحمل أبواقاً صداحة لتوحي بأنها كثرة. والإسلام الليبرالي يتقدم الصفوف في كل مكان تقريبا. وهذا لم يبدأ مع ثورات الربيع العربي بل قبل ذلك بكثير. وهنا اهميته الفائقة.
كيف؟
- II -

ثمة  في الواقع حدث ضخم كان يجري تحت سطح الشرق الاوسط الاسلامي منذ عقود عدة : الفكر الليبرالي ( إضافة الى النظرية الديموقراطية ) ، تخترقان الان معظم البنى الفكرية لمعظم الاتجاهات الايديولوجية في العالم الإسلامي.
هذا التطور لايبدو جليا تماما  للعيان لسببين :
 الاول ، أنه بدأ للتو يتطور من  فكر نظري الى تيارات سياسية عملية. إنه يسير نحو هذا الهدف ، لكنه لم يصله بعد. (المراحل الانتقالية إلى الديمقراطية في مصر وتونس وليبيا).
والثاني ، أن بعض القوى والشخصيات الفكرية والسياسية العربية  " تعتم " على هذا المناخ أو تشّوهه ، حين تصّور المتغيرات الليبرالية العربية على انها  " إمتداد ضروري " للهيمنة الغربية على المنطقة. وهؤلاء يضمون في بوتقة واحدة: المفكرون العرب الاميركيون ( كفؤاد عجمي والفندي وغيرهما )؛ بعض الاحزاب الهامشية ( الحزب الفرعوني وشخصيات ليبرالية مصرية ولبنانية وخليجية تجاهر بتحالفها مع اميركا) والتكفيريون السعوديون ؛ واخيرا العديد من السياسيين العرب المرتبطين علنا بأجهزة الاستخبارات الاميركية ، كما يحدث الآن في العراق.
بيد أن هذين السببين لا يحجبان الحقيقة بان ثمة تحولّات ضخمة في المجتمعات العربية ، تدفع في إتجاه جعل الليبرالية، أو على  الاقل بعض تجلياتها،  المناخ الثقافي – الفكري السائد والمهيمن في الشرق الاوسط الاسلامي.
 ففي إيران ، المسألة الشعبية  الكبرى الان هي في كيفية تطوير النظام  الثيوقراطي – الليبرالي المزدوج ، ليصبح  نظاما ليبراليا اولا ثم دينيا ثانيا او ثالثا.
وفي تركيا وصل الليبراليون الاسلاميون الى السلطة مع رجب أوردوغان.
وفي كل أرجاء المنطقة العربية، ليس ثمة حركة او تيار او تنظيم لايعلي الآن  من شأن الحريات،  ولايطرح الهدف الديموقراطي كأولوية من أولوياته.

- III -
للوهلة الاولى ، قد تبدو هذه التطورات حدثا جديدا في المنطقة، خاصة بالنسبة إلى بروز التيارات الليبرالية الاسلامية. لكن الصورة ليست على هذا النحو. ليست كذلك البتة .  فالاسلام الليبرالي كان ، ولايزال،  متجذرا في التربة الشرقية الاسلامية. ونحن هنا لانتحدث فقط عن تجربة النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، بل أيضا  حتى عن  المراحل التي شهدت صعود الاسلام السياسي الاصولي المتطرف في أواخر القرن العشرين.
فعلى رغم أن جل الدراسات والمفاهيم في الغرب تتركز على الاسلام الراديكالي والحركات الاصولية، الا أن كثرة المسلمين يتبنّون مبادىء يمكن وصفها بشكل عام بانها "اسلام ليبرالي". وهذا الاخير يشير الى تفسيرات واجتهادات خاصة تتعلق بقضايا مثل الديمقراطية، وفصل الدين عن التعقيدات السياسية، وحقوق المرأة، وحرية الفكر، وتعزيز التقدم البشري. في كل قضية من هذه القضايا، ثمة اجماع بأن كلا من المسلمين والايمان الديني يفيدون من الاصلاحات ومن وجود مجتمع متفتح. وهذه المواقف تسير بشكل مواز مع الليبرالية في ثقافات اخرى، وكذلك مع الحركات الليبرالية في العديد من الاديان الاخرى.
ووالأرجح ان تنمو هذه التوجهات لتصبح هي القائدة والمنتصرة في مقبل الأيام، وذلك بسبب جملة من العوامل مثل الظروف المحلية، والتحديث، والتطور في المجتمعات الاسلامية، أي الاسباب نفسها التي ادت الى بروز الليبرالية في الغرب.
لكن، ما هو هذا الإسلام السياسي الليبرالي؟
(غدا نتابع)

سعد


الاثنين، 17 سبتمبر 2012

إخوان مصر وتونس على "حد سِكِّين" تاريخية




- I -

هل كان الأمر محض صدفة أن ينطلق العنف الذي رافق الحركة الاحتجاجية ضد شريط
 براءة المسلمين" (والذي لن نكل ولن نمل من التذكير بأنه تافه وسخيف ومنحط)، من دول الربيع العربي؟
ومامعنى أن تتمدد أعمال العنف الأصولي القروسطي فجأة من شبه جزيرة سيناء على البحر الأحمر إلى مدينة بنغازي على البحر المتوسط، مروراً بعاصمة الربيع العربي الثالثة تونس التي تشهد بدورها فورة عنفية قروسطية مماثلة؟

 -"الثورة المضادة"  قيد العمل " - الصورة من غوغل-

ثمة تفسيران:
الأول، يقول أن التنظيمات المتطرفة أفادت، كما حالها دوماً، من حالة الفوضى واللاإستقرار التي سادت دول الربيع العربي خلال وغداة إطاحة الأنظمة الديكتاتورية فيها، فنشطت لمحاولة ملىء الفراغ على طريقتها الخاصة.
والثاني، أن التنظيمات الطالبانية والقروسطية شعرت بخطر شديد يتهددها إديولوجياً وتنظيمياً من جراء قيام الشباب العربي بالإمساك بمقاليد مصيرهم بنفسه، ما هدّد كل فرصها لتجنيد العديد منهم لصالح قضيتها الداعية إلى الجهاد ضد كل من "كفرة الخارج" (الغرب) والداخل ( الأنظمة العربية).
وبالمناسبة، التكفير الأخير، أي للأنظمة، شمل في الآونة الأخيرة ليس فقط النظام الليبي الذي فاز فيها الليبراليون مؤخراً في الانتخابات العامة، بل أيضاً نظامي الإخوان المسلمين في مصر وتونس بسبب تبشيرهما بالمصالحة بين الإسلام وبين الديمقراطية التي يكفّرها هؤلاء بدورهم.
- II -
وجه الخطورة الإضافي في هذه الطفرة القروسطية، تكمن في أنها تتقاطع مع مصالح العديد من الأطراف العربية والدولية الخائفة من مضاعفات الربيع العربي عليها، من إيران التي ترى في التحالف المحتمل بين واشنطن والإخوان خطراً داهماً عليها، إلى السعودية التي رفضت أصلاً فكرة هذا الربيع الإخواني واحتضنت قادة "علمانيين" على غرار زين العابدين بن علي وحسني مبارك، وصولاً إلى روسيا التي تشعر الأن بخوف على شمال القوقاز وآسيا الوسطى الأسلاميين من كل أنواع "الإسلامات" الناشئة في الشرق الأوسط.
كل هذه القوى ترى مصلحة لها في تقويض عملية الانتقال إلى الديمقراطية في مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين. وكلها ترى في التصعيد العنفي القروسطي، من سيناء إلى بنغازي، إضافة إلى الأموال الضخمة التي تُصرف لتعزيز القوى السلفية غير الديمقراطية، مقدمة لثورة مضادة ضد الربيع العربي.
- III -
هل تُدرك الأنظمة الجديدة في مصر وتونس هذه الحقائق؟
الأرجح أن الأمر كذلك. لكن الإدراك شيء، والعمل شيء آخر. فما لم يتحلَّ هذان النظامان بالجراة والشجاعة لتسمية الأشياء بأسمائها وخوض معركة الانتقال إلى الديمقراطية على أساسها، فسيكتشفان سريعاً أن ربيعهما كان من عمر الزهور وحتى ربما أقصر من ذلك.
لماذا؟
لأن استمرار الفلتان الأمني القروسطي الراهن سيفقد هذين النظامين الدرع الوحيد الذي يحميهما من عودة التسلُّط العسكري- المخابراتي، وهو الدعم الدولي (الأميركي- الأوروبي بالتحديد) للعملية الانتقالية نحو الديمقراطية.
تسمية الأشياء بأسمائها تعني هنا امراً واحدا: تظهير الصورة الواضحة بالكامل للإسلام السياسي الديمقراطي، جنباً إلى جنب مع تشكيل كتلة تاريخية جديدة داعمة له تضم كل القوى والفئات الإسلامية المعتدلة واليسارية والعلمانية صاحبة المصلحة في بناء دولة مدنية تستند إلى المواطنة، وسيادة القانون، والحريات المدنية.
ما لم يُقدم الإخوان المسلمون في مصر وتونس على هذه الخطوة، فسيجدون مواقعهم تتصدَّع الواحد تلو الأخر تحت ضربات كلٍ من اليمين ( السلفيون التقليديون والأصوليون القروسطيون) واليسار(الديمقراطيون واليساريون والعلمانيون). ثم ستأتي الضربة القاضية حين يُقرر الغرب فتح الأقفاص لتخرج منها النمور العسكرية والمخابراتية الغاضبة، ولتمزِّق التجربة الديقراطية والإخوان معاً شر تمزيق.
الوضع، بالنسبة إلى الأخوان في مصر وتونس، إذاً، في غاية الدقة والخطورة. وإذا هم لم يغادروا مواقع الدفاع إلى مواقع الهجوم وبالسرعة اللازمة، ستكون الفرصة التاريخية النادرة التي مُنحت لهم وأخرجتهم من جحيم المعتقلات إلى فردوس الحكم، مجرد حلم ليلة صيف عابر.
إنهم الأن على "حد سكين" تاريخية. والأمر يعود إليهم ليقرروا إما إبعاد هذه السكين عن رقابهم، أو تركها لتجعل التجربة الديمقراطية تنزف حتى الموت.

                                                                                سعد

الاثنين، 23 يوليو 2012

"معركة" القرن 13 استُؤنفت، واليد العليا للإسلام الليبرالي




- I -
يُجمع الآن معظم المحللين الغربيين، كما الشرقيين، على أن أبواب التاربخ أشرعت على مصراعيها أمام صراع من نوع جديد لاسابق له بين الإسلام الليبرالي والديمقراطي وبين الإسلام التقليدي أو السلطوي.
كما ثمة إجماع آخر على أن محصلات هذا الصراع ستحدد مصير الشرق الأوسط الأسلامي  وعلاقته بالنظام العالمي (وامبراطورية العولمة) من الآن وحتى عقود طويلة مقبلة. إنه (الصراع) أشبه بإعادة رسم خطوط المعركة التي نشبت في القرن الثالث عشر بين الاسلام العقلاني الذي رسم معالمه إبن رشد والمعتزلة والذي كان في أساس النهوض الهائل للحضارة والعلم في الحضارة الإسلامية، وبين الاصوليين الانغلاقيين بزعامة الإمام الغزالي (تهافت الفلاسفة) وابن تيمية وصحبهما الذين أغلقوا باب الاجتهاد وكلّسوا الفكر الإسلامي طيلة ثمانية قرون متصلة.
لكن، من هو هذا الإسلام الليبرالي؟ مامكوناته؟ وما فرص نجاحه هذه المرة؟

ابن رشد: عودة العقلانية من الباب السياسي( الصورة من غوغل)

  الاسلام الليبرالي كان، ولايزال، متجذرا في التربة الشرقية الاسلامية. ونحن هنا لانتحدث فقط عن تجربة النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، بل أيضا  حتى عن  المراحل التي شهدت صعود الاسلام السياسي الاصولي المتطرف في اواخر القرن العشرين.
فعلى برغم أن جل الدراسات والمفاهيم في الغرب تتركز على الاسلام الراديكالي والحركات الاصولية، الا ان الكثير من المسلمين يتبنون مبادىء يمكن وصفها بشكل عام بانها "اسلام ليبرالي". وهذا الاخير يشير الى تفسيرات واجتهادات خاصة تتعلق بقضايا مثل الديمقراطية، وفصل الدين عن التعقيدات السياسية، وحقوق المرأة، وحرية الفكر، وتعزيز التقدم البشري. في كل قضية من هذه القضايا، ثمة اجماع بأن كلا من المسلمين والايمان الديني يفيدون من الاصلاحات ومن وجود مجتمع متفتح. وهذه المواقف تسير بشكل مواز مع الليبرالية في ثقافات اخرى، وكذلك مع الحركات الليبرالية في العديد من الاديان الاخرى.
والارجح الآن بعد صعود الربيع العربي برعاية غربية، ان تنمو هذه التوجهات لتصبح هي المهيمنة، وذلك بسبب جملة من العوامل مثل الظروف الدولية والحداثة والتطور في المجتمعات الاسلامية. أي الاسباب نفسها التي أدَّت الى بروز الليبرالية في الغرب.
- II -
الليبرالية في الاسلام والليبرالية في الغرب يتقاسمان عوامل مشتركة، لكنهما ليسا الشيء نفسه. فكلاهما قد يدعم التعايش في التعددية الدينية، على سبيل المثال، لكن كل بطريقته الخاصة.
وفي داخل الخطاب الاسلامي ، هناك ثلاثة محاور يدعوها الباحث الاميركي أنطوني كوردسمان :
n      الشريعة الليبرالية.
n      شريعة الصمت
n      شريعة الاجتهاد

الشريعة الليبرالية تجادل بان القرآن الكريم والسنة النبوية تحضّان على الممارسات الليبرالية. وعلى سبيل المثال، ينطلق المفكر الاسلامي التركي علي بولا من الآية الكريمة "لكم دينكم ولي دين"، وكذلك من "وثيقة المدينة" بين النبي محمد واليهود، ليقول ان الاسلام في جوهره يعزز التعددية ضمن الوحدة. لا بل هو منارة التوجهات التعددية.
وينحو المفكر الماليزي تشاندرا مظفر المنحى نفسه، فيستند الى آيات قرآنية عديدة ليخرج منها بحصيلة مهمة وهي ان الاسلام يعادي كل انواع التمييز في العلاقات بين الاديان. وبالتالي أي ممارسات تمييزية تعتبر لا أسلامية، . اذ لا يمكن ان يكون هناك تمييز يستد الى الدين في النظام الاسلامي".
شريعة الصمت تقول ان التعايش ليس منصوصا عليه في الشريعة، لكنه مسموح به. وهي تجادل بان الشريعة تصمت حيال بعض القضايا، ليس لأن الوحي كان ناقصا بل لأنه ترك عن عمد بعض القضايا كي يختار بينها البشر.
وعلى سبيل المثال، يقول الاسلامي الهندي همايون كبير ان السوابق التي حدثت في الفترات المبكرة للاسلام، لا تنطبق بشكل فوري على الفترات الللاحقة. فالوضع تغيّر مع انتشار الامبراطورية الاسلامية السريع في مناطق شاسعة من آسيا،  والعديد من المشاكل العملية برزت ، وتعين على الفكر الاسلامي ان يجد مكانا للرعايا غير المسلمين في الدولة الاسلامية. وهذا ادى في الهند مثلا الى ادانة الاكراه في الدين والى احترام كل الاديان الاخرى.
وبالمثل، يعتبر الاندونيسي عبد الرحمن وحيد، رئيس اكبر منظمة اسلامية في العالم، الدستور الاندونيسي اكثر ملاءمة من دولة اسلامية حصرية، لأنه يتوافق مع التعدد الثقافي في اندونيسيا المعاصرة. وهو كتب يقول انه "ثمة حاجة لاتخاذ خطوات تقاوم تدهور العلاقات بين مختلف الاديان والمذاهب في اندونيسيا، والخطوة الاولى نحو ذلك تكمن في الدفاع عن الحريات الديمقراطية". فبادىء ذي بدء، يجب استعادة الاحترام المتبادل بين اصحاب مختلف الانتماءات، استنادا الى المبادىء القانونية الاساسية المتعلقة بحرية التعبير (حتى بالنسبة للاقليات الصغيرة جدا) ، وحكم القانون والمساواة امام الدستور.
وهكذا، فان النقطة الجوهرية الاولى في الاسلام الليبرالي تشدد على ان الشريعة تتطلب الديمقراطية، فيما تقول شريعة الصمت انها تسمح بها. ووفقا لهذا الرأي "الدين مقدس، لكن تفسيراته بشرية وتنتمي الى هذا العالم" ،  كما يقول الاسلامي الايراني عبد الكريم سوروش، الذي يضيف :
"ان النص ليس حيزا منفصلا او معزولا عن غيره ، وهو لايحمل معناه على كتفه، بل يحتاج الى ان يوضع في سياق. والنصوص الدينية ليست استثناء هنا. ولذلك ، فتفسيرها يخضع للتوسع او التقلص وفقا للافتراضات التي تسبقها او الاسئلة الى تثيرها. اننا ننظر الى الوحي في مرآة التفسير، تماما كما ينظر العالم الى الخلق في مرآة الطبيعة. وهذا يمهد الطريق امام الديمقراطية الدينية والتوحيد التجاوزي للاديان استنادا الى التعددية الدينية".
ويستند المفكر الاسلامي الجنوب افريقي ، فريد ايزاك، الى نص لعلي بن ابي طالب يقول فيه ان النصوص الدينية ليس لها لسان وتحتاج الى تفسيرات والمفسرون هم البشر،  ليقول ان هذا كان في اساس التعددية في الاسلام.
وبالمثل، يقول المفكر المصري حسن حنفي انه ليس هناك تفسير واحد للنص، بل تفسيرات عدة بسبب الاختلافات بين سائر المفسرين. وبالتالي فان أي تفسير للنص هو بالضرورة تعددي، وكل تفسير يعبر عن التزامات   المفسّر الاجتماعية – السياسية".

- III -

يلاحظ كوردسمان عن حق ان قلة من هؤلاء المفكرين الذين اوردنا اقوالهم قرأوا اعمال بعضهم البعض. وهذا يدل على ان المواقف الليبرالية تظهر بشكل مستقل في كل انحاء العالم الاسلامي. وهذا الظهور المتزامن ناجم عن تحولات تاريخية خلال العقود الاخيرة.
من هذه التحولات انتشار التعليم العالي الذي كسر احتكار المؤسسات الدينية التقليدية للدراسات الدينية. فملايين المسلمين لهم الآن مداخل على النصوص والتعليقات من غير ان يكونوا رجال دين، مثل المهندسين (السوري محمد شحرور والايراني مهدي بازركان) والفلاسفة (الجزائري – الفرنسي الراحل محمد أركون، التونسي راشد الغنوشي) وعلماء اجتماع (مثل الايراني على شريعتي والماليزي تشاندرا مظفر).
وقد اسفر انتشار الانترنت الى تمكين أي كان من البحث بنفسه عن مصادر الشريعة والتدقيق بتفسيراتها المختلفة. هذا اضافة الى الاستنارة بآراء مفكري الثقافات الاخرى.
وهكذا فان الاسلامي الاندونيسي نور شوليش مجيد يدافع عن حرية الفكر وحرية التعبير ويعتبرهما اهم مدخل الى الحقيقة، استنادا الى نصوص للنبي محمد وايضا للقاضي الاميركي اوليفر هولمس.
وقد برز التأثير الواضح للتكنولوجيا في حفز التغيير في العالم الاسلامي، من خلال الضجة التي اثيرت عبر اثير الانترنت بعد اعتقال نائب رئيس الوزراء الماليزي السابق أنور ابراهيم، الذي ترافق انتقاله من الحركات الاسلامية الراديكالية الى الحركات الاسلامية الاصلاحية والليبرالية مع اعتماده المتزايد على نصوص من وليام شيكسبير ومن رواد ثقافات اخرى. لقد بدأ ابراهيم حياته السياسية في حركة دينية راديكالية جعلت الماليزيين من اصل صيني  هدفا للعداء. لكنه في السنوات الاخيرة اصبح داعية من دعاة التعايش الديني في كل من ماليزيا والعالم.
ويقول ابراهيم هنا : "ان تجربة الاسلام المعاصر في جنوب شرق آسيا، لديها الكثير لتقوله ليس فقط للمسلمين في المناطق الاخرى بل ايضا للعالم ككل. وهذا يعود الى الحقيقة بان المسلم الملتزم في جنوب شرق آسيا يمارس دينه في اطار عالم تعددي حقا. وفي ماليزيا على وجه الخصوص لا يغيب عن بال مسلم ابدا حقيقة وجود اديان اخرى واناس ينتمون الى هذه الاديان.

الفشل

هناك عامل آخر ساهم في صعود الاسلام الليبرالي ، هو فشل الايديولوجيات البديلة. وعلى وجه الخصوص بدا ان هناك شعورا متزايدا بان الانظمة الاسلامية لم تحقق وعودها. فالسودان وباكستان ، على سبيل المثال، اثبتا انهما لا يقلان فسادا عن الانظمة الاخرى بعد ان ارتدت حكومتهما الحلّة الاسلامية. كما ان حكم طالبان في افغانستان يثير رعب معظم المسلمين.
ولعل خيبة الامل الرقم واحد لدى "الاصوليين" الاسلاميين كانت ايران. فالثورة الايرانية العام 1979 اثارت كبار الآمال بين المسلمين في ماليزيا وافريقيا وفي كل انحاء العالم الاسلامي. وقد كان يفترض ان تكون ايران منارة الحركات الاسلامية بوصفها اول محاولة منذ القرن السابع لأقامة مجتمع اسلامي حقيقي. ولذا كان مؤلما لهؤلاء الناس ان يجدوا حلمهم وقد تبدد هباء منثورا.
وثمة امثلة اخرى عن خيبات الامل المؤلمة، وعن المحصلات الليبرالية التي تولدت منها.
خذوا مثلا نموذج عبد الكريم سوروش، وهو الرجل الذي صفّق بحماسة للجمهورية الاسلامية في سنواتها الاولى وشارك في اعادة التنظيم الثورية للجامعات في ايران التي تضمنت تصفية العديد من كبار الاساتذة تحت شعار النقاء الديني.
لكن في اواسط الثمانينيات بدأ سوروش يبتعد عن اللجان الثورية التي ساهم في تأسيسها، بعد ان بدأ يشعر ان الثورة لم تدشن حقبة جديدة من العدالة والحق، فاطلق الحملات للمطالبة باعادة تفسير القانون الاسلامي وللسماح بالحريات الاكاديمية والفكرية.
وهكذا انقلب سوروش في التسعينيات الى واحد من اهم نقاد النظام استنادا الى خلفيات ليبرالية. وهكذا ايضا فان الثورة الاسلامية في ايران لم تساهم (عن غير قصد بالطبع) في توليد الافكار الليبرالية وحسب، بل هي تضرب حتى ذاكرة المثل الاسلامية.

حصار الليبرالية


مع أن هناك مسلمين يجدون قواسم مشتركة مع الليبراليين الغربيين، الا ان الاسلام الليبرالي ليس بدون خصوم في الغرب كما الشرق. فالبعض يدعي بان الاسلام الليبرالي "غير اصيل" ، او انه اختراع غربي ولا يعكس التقاليد الاسلامية "الحقيقية".
وكما هو معروف، الحركات الاصولية تنمو كالفطر عالميا طيلة ربع القرن المنصرم. وهذا لا يقتصر على الاسلام بل على كل الاديان الاخرى كالهندوكية في الهند والقبلية في افريقيا التي ادت الى المذابح الاخيرة.
واحدى المميزات الحاسمة لهذا الاهتمام المتجدد بالاصولية هي الفكرة بان في وسع المرء الادعاء يان ثقافته مستقلة ومعزولة ومتفوقة على الثقافات الاخرى ، كما ان لها حدودا واضحة.
ولأن الاسلام الليبرالي له اهتمامات مشتركة مع الليبرالية الغربية، فان الاصوليين لا يعتبرون اجتهاداته "اصيلة" او اسلامية. وبالطبع مثل هذه المعارضة تتجاهل التاريخ الطويل من الاستعارات الثقافية والنفوذ الفكري الذي عبر الحدود في اتجاهين بين الاسلام والغرب.
والحال ان ادانة الاسلام الليبرالي بانه غير اصيل، تقود مباشرة الى رفض التسامح معه سواء كان على حق او باطل. وهكذا فان الاسلامي البريطاني غاي ايتون يصف الاسلاميين الليبراليين بانهم "العم طوم" ، وهو تعبير يستخدمه الاميركيون الافريقيون لوصف الشخص الاسود الخانع امام البيض.
اضافة، الجهل الغربي يفرض تحديا آخر على الاسلام الليبرالي. فلقرون عدة طوّر الغرب صورة نمطية عن الاسلام بوصفه "الآخر" السيء والشرير. وقد تمت مطابقة الايمان الاسلامي مع التعصب ، كما مع فولتير، والسلطة السياسية الاسلامية مع الاستبداد، كما مع تعبير "الاستبداد الشرقي" الذي وضعه مونتسكيو، والتقاليد الاسلامية مع التخلف والبدائية كما مع ارنست رينان الذي قال : "ان الاسلام هو النفي الكامل لأوروبا. وهو مناف للعلم وقامع للمجتمع المدني. انه البساطة السامية الساذجة التي تقيّد العقل وتُطبق على كل الافكار الرقيقة وكل البحث العقلاني."
وبالطبع يتعين على الغرب وضع هذا التحيز جانبا الآن بعد ثورات الربيع العربي، كما يجب ان يفهم بشكل افضل الفروقات داخل الحركات الاسلامية .
ابرز مثال على هذه الفروقات هو التاريخ الحديث للجزائر، حيث كانت جبهة الخلاص الاسلامي منقسمة الى اجنحة راديكالية وليبرالية. وخلال انتخابات 1991 و1992 كانت اليد العليا للتيار الليبرالي. وقد ادلى زعيمه عباس مدني بسلسلة تصريحات هدفها تبديد مخاوف الجزائريين والغربيين من نوايا جبهة الخلاص،  مثل قوله ان "التعددية هي ضمانة الثروة الثقافية والتنوع ضروري للتطور. اننا مسلمون لكننا ليس الاسلام نفسه. اننا لا نحتكر الدين. والديمقراطية كما نفهمها تعني التعددية وخق الاختيار والحرية."
لقد فازت جبهة الخلاص ب81 بالمائة من الاصوات في الجولة الاولى من عمليات الاقتراع واوشكت على الوصول الى السلطة حين قام الجيش الجزائري بدعم من فرنسا والولايات المتحدة بحظر جبهة الخلاص واعتقال زعمائها.
والحصيلة كانت تهاوي مواقع الليبراليين داخل الحركة الاسلامية بسبب تمسكهم بقواعد الديموقراطية، وسيطرة الجناح الراديكالي الذي عمد حتى الى تصفية النشطين الاسلاميين الليبراليين الذين اعترضوا على الارهاب.
لقد كان عجز الغرب عن الايمان ان ثمة شيئا اسمه الاسلام الليبرالي كارثة محققة.
فهل يستمر هذا العجز الان ليقود الى كارثة أخرى ، ناسفا بذلك كل الورود الليبرالية التي تتفتح الان في الشرق الاسلامي؟.
لايبدو أن الأمر كذلك. فالزواج غير المقدس الذي أبرم قبل نيف وسبعين سنة على ظهر بارجة عسكرية أميركية بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز، تهاوى مع تداعي برجي التجارة العالمبة في نيويورك. ومايجري الآن في المنطقة العربية هو نواة تحالف من نوع جديد بين الغرب وبين الإسلام في حلّته الليبرالية الجديدة المتمثلة بقبول العديد من الحركات الإسلامية مباديء وشروط الليبرالية الديمقراطية.
ومع أن مستقبل مثل هذا التحالف سيكون رهناً بمدى قدرة الإسلام السياسي على مواصلة التأقلم مع القواعد الديمقراطية، إلا أن صعود الإسلام الليبرالي بدأ وهو سيعيد تصحيح خطيئة ارتكبت قبل 800 عام على يد التطرف الانغلاقي، وأدّت إلى تحويل الحضارة الإسلامية من صانع للحداثة والحضارة إلى رجلهما المريض والمتخثر. إنه التاريخ العقلاني وهو يشحذ سيف الانتقام.
صفِّقوا للإسلام الليبرالي الصاعد.

                                                                                سعد