للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكويت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكويت. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 3 ديسمبر 2012

هل بدأت شرعية مَلَِكيَات الخليج تتآكل؟

 
ما لم تُغيِّر الملكيات العربية نهجها الراهن، ستجد أن شرعيتها التي بنتها منذ قرون عدة في مهب الريح، وسيكون حاضر أسرة آل خليفة في البحرين هو مستقبلها القريب.

-I-
"خلاصة وحيدة يمكن أن يخرج بها المرء من الطريقة التي تتعاطى بها معظم الملكيات العربية مع مطالب الإصلاح السياسي والديمقراطي، وهي أنها ستؤدي إلى تآكل شرعية هذه الأنظمة بالتدريج، ولكن بثبات".
هذا كان تعليق دبلوماسي غربي بارز التقى به كاتب هذه السطور مؤخراً في بيروت، وكان قد عاد لتوه من جولة شملت الأردن والمغرب وبعض دول الخليج.
وحين سئل الدبلوماسي عن السبب، أجاب بلاتردد:" لأن الأنظمة الملكية (ماعدا النظام المغربي) لاتزال تستعمل أدوات التحليل القديمة لفهم التطوارت الجديدة. وهذه مسألة في غاية الخطورة، لأنها تمنع الحكام من إدراك ثلاثة أمور دفعة واحدة:
الأول، التغيرات العميقة التي طرأت على إطلالة الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى على مستقبل الشرق الأوسط، حيث انتقلت من التركيز على التحالف مع الدول والأنظمة إلى الرهان على المجتمعات المدنية.
والثاني، هو ثورات الربيع العربي التي غيّرت كل معادلات الصراع داخل الدول العربية.
والثالث  هي التحولات العميقة التي طرأت على مجتمعات الملكيات العربية، من تحديث اقتصادي واجتماعي، وانتشار للتعليم العالي، وقفزة هائلة في انفتاح المواطنين فيها على ثورة المعلومات وأدوات التواصل الاجتماعي. وكل هذا جعل شعوب الأنظمة الملكية ظمأى إلى مايتعدى الخبز: الحرية والمشاركة في صنع القرارات المتعلقة بالثروة النفطية والسلطة.
 -II-
هل استنتاجات الدبلوماسي في محلها؟
أجل. وهذا واضح من خلال مايجري الآن في هذه الملكيات.
فحكم أسرة الصباح في الكويت شهد انتكاسة شرعية حقيقية في الانتخابات التي انتهت أمس، ليس فقط بسبب تدني نسبة المقترعين إلى أدنى مستوياتها في تاريخ البلاد (الحكومة تقول أن النسبة كانت 3،40 في المئة، لكن المعارضة تؤكد أنه  لم تتجاوز الـ7،26 في المئة)، بل لأن آل الصباح لم يتمكنوا بهذه الانتخابات من وضع حد للأزمة السياسية والدستورية الطاحنة.
وهكذا، سيحكم الآن آل الصباح بنصف شرعية، وستتولى المعارضة الإسلامية والليبرالية النصف الآخر في الشارع، الأمر الذي قد يدفع البلاد إلى أخطر أزماتها الوجودية منذ 50 عاما.
وفي النظام الملكي الأردني يتكرر المشهد نفسه: النظام يضرب عرض الحائط بكل المطالب الديمقراطية التي يصدح بها الأردنيون منذ 20 شهراً، ويقرر (كما حكام الكويت) إجراء انتخابات في آخر هذه السنة ستقاطعها المعارضة ولن يحصد منها الملك سوى المزيد من تضعضع سلطته من تحت كما من فوق.
وفي البحرين، بات واضحاً أن كل الإجراءات العسكرية والأمنية، الداخلية والخارجية، التي طبقتها السلطة، فشلت في مساعدتها على استعادة هيبتها، ولم تنجح سوى في جعل "شرعية القوة" هي المدخل الوحيد (والمستحيل) لإنهاء الانتفاضة الشعبية. وهذا خلق معادلة جديدة وخطيرة في البحرين، حيث النظام الملكي في أزمة دائمة والشعب في ثورة دائمة.
وفي دولة الإمارات، التي شهدت في الآونة الأخيرة حملة اعتقالات واسعة لمجرد مطالبة ناشطين بإجراء انتخابات مباشرة وتوسيع صلاحيات المجلس الوطني الاتحادي، لايتوقع أن تؤدي وعود الشيخ خليفة رئيس الدولة بـ"التحرُّك نحو التوسيع التدريجي للمشاركة الشعبية في صنع القرار" إلى تهدئة خواطر الإصلاحيين، لأنه ربط ذلك بـ"الوصول إلى نظام سياسية يعكس طبيعة المجتمع". وهي فقرة فسّرتها "فايننشال تايمز بأنها تعني أن الديمقراطية "غير ملائمة للإمارات وباقي دول الخليج".
وفي قطر، وعلى رغم ثروة البلاد الهائلة وقلة عدد السكان الهائلة أيضاً، إلا أنه يتوقع أن تتعالى قريباً الأصوات الشعبية المطالبة لآل ثاني بنقل حماستهم للربيع الديمقراطي في الخارج إلى حماسة مماثلة في الداخل.
أما في السعودية، فالأرجح أن تكون رياح التغيير مع موعد جديد، حين يحين أوان تغيير الحرس القديم في رأس هرم السلطة، بسبب الخلافات العميقة داخل الأسرة على كلٍ من رؤية المستقبل وعلى مسألة تقاسم النفوذ والثروة.
-III-

صديقنا الدبلوماسي، إذاً، على حق: فما لم تتحرك الأنظمة الملكية لتحذو حذو النظام المغربي في مجال توسيع المشاركة الشعبية، ستضع نفسها قريباً في مواجهة تيارات خارجية وداخلية لن تقوى على الوقوف في وجهها.
وحينها، ستجد شرعيتها التي بنتها منذ قرون عدة في مهب الريح، وسيكون حاضر أسرة آل خليفة في البحرين هي مستقبلها. مستقبلها القريب على مايبدو.

سعد




الخميس، 1 نوفمبر 2012

الخليج يتمخَّض بعنف، والأسر الحاكمة تتعثّر بشدة





- I -
ثمة تسونامي سياسي- فكري حقيقي بدأ يزحف هذه الأيام على كل منطقة الخليج، وتبدو آثار أقدامه واضحة في كل مكان.

انتفاضة الكويت: ليس بالخبز وحده (الصورة من غوغل

فالكويت عبرت مؤخراً نهر الروبيكون ومعه العديد من الخطوط الحمر، حين نزلت عناصر رئيسة من المعارضة (خاصة في القطاعين الإسلامي والقَبَلٍي) إلى الشارع معلنة تصميمها على تغيير قواعد اللعبة مع النظام، حتى ولو اضطرت لأن تعيد النظر بدور أسرة آل الصباح في الدولة والمجتمع.
وعلى رغم أن التحرُّك الكويتي لاعلاقة مباشرة له بثورات الربيع العربي، لأنه يتم في إطار الصراع المزمن بين نخب البرلمان ونخب الحكومة والأسرة، إلا أنه قد يصب في النهاية في خانة هذه الثورات إذا ما واصلت الأسرة الحاكمة تصلُّبها، وإذا مانجحت المعارضة المتحركة راهناً في تسوية خلافاتها مع الليبراليين وفئات واسعة من الطبقة الوسطى.
وفي الإمارات، بات واضحاً، خاصة بعد تقرير البرلمان الأوروبي حول تجاوزات حقوق الإنسان فيها وتنامي "المعارضة الألكترونية" واسعة النطاق ضد الممارسات الحكومية، أن الحلول الأمنية للخلافات السياسية قد وصلت إلى طريق مسدود، لا بل هي تكاد تنقلب الآن إلى عكسها: فبدلاً من أن تجنِّب دولة الإمارات التعرُض إلى رياح الربيع العربي، قذفت بها إلى عين إعصارها، خاصة بعد بادر "جنرالات الحلول الأمنية" إلى إعلان حرب مكشوفة على جماعة الإخوان المسلمين وباقي الفئات المطالبة بالإصلاح.
وفي السعودية، يبدو أن الأمور تسير في الاتجاه الذي وصلت إليه في الإمارات، على رغم أن الأسرة الحاكمة فيها لاتزال تتمسك بتكتيك السرية والكتمان والباطنية في تعاطيها مع أزمات الداخل ومايرتبط بها من سياسات خارجية. فوسائط التواصل الاجتماعي(والتي باتت تمثِّل بالفعل "مجتمعاً سعودياً ثانياً" وقوياً للغاية، كما سنوضح في مقال لاحق) تموج بكل الدلائل التي تشير إلى أن استراتيجية "بالخبز وحده يحيى الأنسان"، المترافقة مع مواصلة القمع الأمني للحريات السياسية والفكرية، بدأت هي الأخرى تصل إلى طريق مسدود.
ولعل خطبة العيد التي أدلى بها مفتي السعودية (راجع مقالنا حول ذلك في هذا الموقع) وحمل فيها بعنف على من يطالبون بالدولة المدنية الديمقراطية( وهذا يشمل ليس فقط الإخوان المسلمين في مصر وتونس وبقية المنطقة العربية، بل أيضاً كل القوى الوطنية والليبرالية واليسارية والعلمانية) ، كانت دليلاً على مدى شعور الأسرة الحاكمة بحالة الحصار السياسي والفكري الذي تعيش بسبب الربيع العربي.
ثم هناك بالطبع البحرين، التي أثبتت انتفاضاتها الشعبية المتواصلة أن كل الحلول الأمنية والقمعية في الداخل، والحملات العسكرية (درع الجزيرة) في الخارج، لم تنجح في إخمادها. لا بل زادتها اشتعالاً وكادت تحوّلها إلى نمط حياة في أوساط الشعب البحريني. وهذه الحقيقة قد تفرض نفسها قريباً على صناع القرار الأميركيين، الذين تحتاج قواعدهم العسكرية الضخمة في البحرين إلى القليل من الاستقرار لكن الكثير من شرعية السلطة الحاكمة، كي يكون في مقدروهم إضفاء ومضات من هذه الشرعية نفسها على وجودهم العسكري.
ومن أيضاً؟
هناك عُمان التي كان شعبها السبّاق في التحركات الإحتجاجية التي قد تتجدد في أي لحظة. كما هناك قطر التي لابد أن تشهد في وقت ما تحركاً يطالب أسرتها الحاكمة بتطبيق مايجري في السماء على الأرض. أي: تحويل ادعاءات الحكومة القطرية عن دعمها لثورات الربيع العربية في فضائية الجزيرة إلى سياسة قابلة للتطبيق على أرض قطر نفسها.
- II -
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنها تعني، أساساً، أن الأسر الخليجية الحاكمة لاتتعثر في مواجهتها لنسائم الربيع العربي وحسب، بل هي أيضاً باتت تخاطر بخسارة الشرعية النسبية التي تمتعت بها في السابق بفعل عاملي التحالفات القبلية وشراء ولاء الطبقات الاجتماعية بأموال النفط.
وهذا أمر كانت الباحثة الأميركية مارينا أوتاوي أول من حذّر منه حين قالت:" أحداث الربيع العربي أثبتت أن الملكيات الخليجية تحظى بشعبية استثنائية لدى مواطنيها. لكن لايبدو أنها تسعى إلى الإفادة من هذه الشرعية لتدبُّر أمر عملية إصلاح مُسيطر عليه من فوق، من شأنها تجنُّب تصاعد المطالب من تحت. ونتيجة لذلك، قد تتآكل شرعيتها وستواجه على الأرجح تحديات أكثر حدّة في المستقبل".
حسناً. هذا المستقبل وصل الآن، ويبدو أنه بدأ يحقق نبوءة أوتاوي،  حيث يتمخض الخليج بعنف من البحرين إلى الكويت، ومن الرياض إلى أبوظبي، مروراً عما قريب في عُمان وقطر، وحيث تواصل الأسر الحاكمة التعثُّر بشدة.

سعد


الخميس، 25 أكتوبر 2012

انتفاضة "لاربيعية" في الكويت؟





- I -
هل وصلت الكويت إلى نقطة تحوُّل تاريخية؟

اانتفاضة الكويت: اين الخلل؟ (الصورة من غوغل

العديد من المؤشرات توحي بذلك، للوهلة الأولى، : من انقلاب الاحتجاجات السياسية إلى مظاهرات شعبية ضخمة، ومن المناكفات القانونية والدستورية بين الحكّام والمحكومين إلى وضع سيف الأمن قيد الاستعمال. هذا في حين بدأت الأمور تتجه بين النظام والمعارضة نحو استقطاب حاد لامجال فيها للتسويات والصفقات، سواء المؤقت منها أو ذلك الذي يتمتع بقدر من الديمومة.
وكل هذا يجري على خلفية ربيع عربي أسقط رؤوس جمهورية وهزّ، ولايزال، عروشاً ملكية، الأمر الذي شجع الكثيرين على الاستنتاج بأن نسائم هذا الربيع ضربت أخيراً سواحل الكويت.

- II -
بيد أن الأمور ليست على هذا النحو.
صحيح أن الإسلاميين وحلفائهم القبلييين استقووا بالانتصارات الإسلامية الكاسحة في أكبر دولة عربية (مصر) وفي المقر العام لثورات الربيع (تونس) والحبل لايزال على الجرار، ليصعِّدوا مواقفهم المطالبة بحكومة منتخبة والحد من هيمنة آل الصباح على السلطة التنفيذية، إلا أن مايجري في الكويت خاص بالكويت، وهو بالتالي ليس ربيعاً عربياً جديدا أو متكاملا.
إنه بالأحرى صراع بين النخب السياسية نفسها التي تتنافس على  السياسية والاقتصادية منذ عقود من دون القدرة على الوصول إلى حلول ما، الأمر الذي جعل البلاد في حالة أزمة سياسية ودستورية دائمة شبيهة بشعار تروتسكي في "الثورة الدائمة" التي لاتصل إلى شيء أو "الفوضى  الخلاقة" الأميركية التي لا تخلق شيئا: فلا النظام الإماري راغب في التقدم خطوة ولو محدودة إلى الأمام نحو الملكية الدستورية، ولا المعارضة على أنواعها قادرة على تقديم بديل فعلي له.
وهذا ما قد يجعل الأزمة الراهنة في الكويت، على رغم خطورتها الشديدة وضخامة القوى المنخرطة فيها، مجرد تكرار لحوادث الماضي أكثر منها استيلاد لمستقبل جديد.
الأدلة؟
أنها كثيرة: فالمعارضة الإسلامية والقبلية التي تقود الحركة الاحتجاجية الراهنة لم تأت على ظهر الجواد الشبابي والليبرالي والطبقة الوسطى(كما في مصر وتونس وليبيا) بل هي فشلت في إغراء هذه القوى، ومعهم الشيعة، بالانخراط في "ثورة دستورية" ترفع شعار المصالح السياسية المشتركة، لا بل هي أثارت ذعرها أيضا.
ومن الداخل إلى الخارج: فالانتفاضة الإسلامية- القبلية تأتي في وقت تستنفر فيه القوى الملكية في دول الخليج كل طاقاتها وإمكاناتها لإجهاض أي تحرّك مهما كان ضئيلاً نحو الملكية الدستورية، وهي باتت ترتاب في كل حركة إسلام سياسي تشبه أو تقترب من صورة الإخوان المسلمين. وهذا ماقد يدفعها في لحظة ما إلى عدم التردد في تكرار السيناريو البحريني في الكويت.
وفوق هذا وذاك، لايبدو وارداً أن تكون الولايات المتحدة في موقع من يدعم المطالب الإصلاحية في دولة تحوّلت بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق إلى أكبر قاعدة عسكرية لها في الشرق الأوسط، خاصة وأن هذه المطالب تفتقد إلى دعم الليبراليين والطبقة الوسطى والشيعة.
باختصار، تعاني الانتفاضة الكويتية الراهنة من ثغرات داخلية خطيرة (حيث أثبتت سياسات أطرافها الإسلامية والقبلية حين فازت بأغلبية مقاعد البرلمان أنها لاتمتلك رؤية استراتيجية واضحة وبديلة عن النظام الحالي) ومعوقات خارجية أخطر (أجواء التشنج الراهنة في السعودية والإمارات ضد الإصلاحات، وسياسة النأي بالنفس الأميركية).
وهذا ماقد يجعل نقطة التحوُّل المفترضة في الكويت، مجرد تحوّل يدور حول نفسه في دائرة مغلقة، أو على الأقل شبه مغلقة.
- III -
لكن، هل يعني كل ذلك أن دول الخليج، وباقي الملكيات العربية، ستكون محصنة دوماً ضد نسائم الربيع، وقادرة دوماً على مواصلة السير في عكس تيار التاريخ  الراهن في المنطقة إلى مالانهاية؟
كلا. والاسباب عديدة.
(غدا نتابع)

سعد





السبت، 22 سبتمبر 2012

ماذا تفعل قطر في الكويت والإمارات؟





- I -
هل تتدخّل قطر حقاً في الشؤون الداخلية للكويت والإمارات والبحرين؟
في البداية، كان هذا السؤال ينتمي إلى عالم الشائعات. لكن، حين تقدَّم رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني الصفوف لنفي هذه التهم، بدأت الأمور تتخذ منحى آخر. منحى سياسيا جدياً على وجه التحديد.
لماذا؟

لادخان من دون نار في الخليج- الصورة من غوغل- 

لأن النفي يعني أن المسألة انتقلت من كونها "شائعات مغرضة هدفها زرع بذور الفتنة بين دول الخليج" (كما تبرّع للقول صحافي لبناني اليوم) إلى أن تصبح مادة أخذ ورد في السياسة الخارجية لدول الخليج. فليس ثمة دخان من دون نار. ثم، وهنا الأهم، دول الخليج اعتادت أن تجابه الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي بالكتمان. ولذا، مجرد حرص صوت رسمي من قطر على الانتقال من عادة الكتمان إلى عالم البيان، يشي بالفعل بأن وراء الأكمة ما وراءها على صعيد العلاقات الرسمية بين دول الخليج.
ثمة هنا حادثة يذكرها كاتب هذه السطور وقعت بعد أشهر من إندلاع ثورات الربيع العربي. فخلال تنازل طعام الغداء مع سفير قطري لدى دولة خليجية، فوجئنا بالسفير يستشيط غضباً وهو يرى "غارسونات" المطعم يقتربون من الطاولة بشكل متواصل لاستراق السمع. حينها قال السفير بحنق:" هل بلغ الخوف بهم منا إلى درجة تدفعهم إلى مراقبتنا على هذا النحو؟".

- II -
بالطبع، الخوف لاينبع من قيام قطر بتصدير الديمقراطية إلى هذه الدول. فكيف لها ان تصدِّر ما تفتقده هي؟ فاقد الشيء، كما هو معروف، لايعطيه. صحيح أنها دعمت إعلامياً ثورات مصر وتونس، وأرسلت قوات إلى ثوار ليبيا، وترسل الآن أسلحة وأموالاً إلى سورية، لكنها تفعل ذلك إنطلاقاً من ثلاثة دوافع : الأول، رغبة أميرها في توظيف الأموال القطرية الهائلة لتمويل أفضل ماتشتريه النقود من سمعة ونفوذ دبلوماسيين. والثاني (وهو الأهم) أن توجهات الدوحة تبدو في معظم الأحيان سياسة خارجية أميركية بألوان قطرية. والثالث هو الرغبة الشديدة في الحفاظ على استقلالية قطر المنتزعة من الأخ الأكبر السعودي، ولو عنى ذلك الاستعانة بالأخ الأكبر الأميركي. وربما يتمثل هذا، أكثر ما يتمثّل في دعمها لجماعات الإخوان المسلمين على حساب القوى السلفية المدعومة سعوديا.
مايهم دول الخليج الأخرى، خاصة الآن الكويت والإمارات، هو الدافع الثاني، أي كون قطر الجسر الذي تريد عبره الولايات المتحدة نقل رغبات الإصلاح إلى هذه الدول. إذ أن هذه الأخيرة تعي جيداً أن الربيع العربي لم يكن ليزدهر ويطيح بمبارك وبن علي والقذافي وصالح لولا السقاية الأميركية له.
وبما أن دول الخليج غير قادرة على نشر غسيلها الوسخ مع الدولة العظمى التي تشكّل حمايتها الوحيدة من غوائل الطموحات الإيرانية، وقبلها العراقية، فهي ربما اكتشفت أنه من الأفضل تحصين البيت الخليجي عبر محاصرة المنزل القطري فيه.
قد تنجح هذه الدول في ذلك. لكن هذا لن يلغي الحقيقة بأن التغيير والإصلاح في دول الخليج بات بالفعل في صلب جداول الأعمال الدولية، وليس فقط الأميركية. وأبرز دليل "طازج" على ذلك برز بالأمس حين شن مايك بوسنر، مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، حملة عنيفة وغير مسبوقة على حكومة البحرين، متهماً إياها بخرق كل تعهداتها حول الإصلاحات وكبح جماح أجهزة المخابرات ضد شعبها.
- III -


ماذا يعني كل ذلك؟
إنه يؤكد مالم يعد في حاجة إلى تأكيد: الربيع العربي ليس فصلاً عابراً من فصول السنة، بل هو جزء من استراتيجية دولية متكاملة لن تتوقف إلا بعد أن تغيَّر كل بنية الشرق الأوسط. ولن ينفع لوقفها إنفاق مليارات الدولارات في مصر وتونس وغيرها لتمويل سلفيين متطرفين بهدف تقويض عمليات الانتقال إلى الديمقراطية، ولا أيضاً نثر مليارات أخرى لتغطية التناقضات الداخلية في كل دولة خليجية.
وفي هذا السياق، "تدخلات" قطر المفترضة قد لاتكون سوى رأس جبل الجليد المختفي تحت سطح مياه الخليج هذه الأيام.
* * *
كم كان علي عبد الله صالح، الحليف السابق لأميركا، مُحقاً حين قال غداة إعلان "مشروع الحرية" الأميركي في الشرق الأوسط:" ما لم نحلق لأنفسنا سريعاً، سيحلقون لنا".

                                                                                سعد

الأربعاء، 20 يونيو 2012

الكويت: التغيير لم يعد يحتمل التأجيل





من تنضج الديمقراطية الكويتية؟
في الماضي القريب، أي قبل نحو السنتين، لم يكن هذا السؤال ملحّاً، لا في الكويت نفسها ولا في المنطقة العربية، مع أن هذه الأخيرة كانت، ولاتزال، تتطلع إلى هذه الدولة الصغيرة على أنها مشروع أنموذجي كبير لمستقبل عربي مغاير.



أسباب عدم الإلحاح كانت عديدة: "تعوُّد" الكويتيين على الصراعات الدائمة والعنيفة بين البرلمان المُنتخب والحكومة المعيَّنة، وكأنها باتت جزءاً من حياتهم اليومية؛ تمتع الكويتيين بحس عالِ من الهوية الوطنية، ماكان يحول دوماً دون تحوّل انسداد آفاق التطور السياسي إلى عنف أمني؛ وأخيراً وجود "شعور تاريخي" ( إذا جاز التعبير) بين الكويتيين بأن ديمقراطيتهم، التي كانت أول صيغة توافقية بين الحكام والمحكومين في المنطقة العربية، تسير على الصراط المستقيم وإن كان  بسرعة السلحفاة.
بيد أن ماكان معقولاً ومقبولاً قبل ثورات الربيع العربي، لايبدو أنه بات معقولاً ومقبولاً بعده. فرحلة الانتقال إلى الديمقراطية في تونس والمغرب ومصر وليبيا، وقريباً في سورية، جعلت العربة قبل الحصان بالنسبة إلى الديمقراطية الكويتية، بحيث أن الكويت لم تعد تؤثّر على بيئتها المحيطة بل باتت تتأثر بها.
.. وانقلاب دولي
هذا الانقلاب في عملية التأثر والتأثير لايتوقف فقط على الأوضاع الداخلية، بل يطال أيضاً المناخ الدولي الذي كان الحاضنة الحقيقية لانتقال الشعوب العربية من خريف السلطوية إلى ربيع الديمقراطية. بكلمات أوضح: ثمة قرار دولي على أعلى المستويات بتغيير كل الخريطة السياسية الشرق أوسطية، مدخله الرئيس التحالف والتعاون مع المجتمعات المدنية بدل الأنظمة الاستبدادية العربية. وهو، بالمناسبة، قرار ليس في استثناء واستئناف لأي دولة من دول المنطقة.
هذه الحقيقة، في حال جرى الاعتراف بها في الكويت، يمكن أن تخدم كمنطلق للسلطة والمعارضة كي يدشنا رحلة المرحلة الثانية التي طال انتظارها في تطور الديمقراطية الكويتية. مرحلة يجب أن تعني انتقال الحكومة والبرلمان من الصراع الدائب على السلطة إلى إبرام تسوية تاريخية جديدة بينهما، لا يقوى فيها المجتمع المدني لكن ليس إلى درجة الهيمنة، ولاتضعف الدولة إلى درجة فقدان السيطرة.
المدخل لهذا التطوير هو الدستور الكويتي الذي ينص في إحدى مواده على أن "الشروط ذات الصلة بالنظام الأميري ومباديء الحرية والمساواة المذكورة في الدستور، لاتُطرح للتعديل إلا إذا كان الأمر يتعلّق باسم الإمارة أو زيادة ضمانات الحرية والمساواة".
أين الحلول؟
حسنا. هذه "الزيادة" باتت مطلوبة الآن، وبالحاح.
فكما أشرنا في البداية، خطف الربيع العربي من الكويت ترف الجلوس في غرفة انتظار التاريخ، إلى حين توافر ظروف أكثر ملاءمة للتغيير البطيء. فالشلل السياسي بات له معنى "استراتيجي" آخر في خضم الأعاصير الاجتماعية- السياسية العربية الراهنة. والشلل الاقتصادي، الذي أفقد الكويت ريادتها المعروفة في منطقة الخليج وقذف بالمستثمرين الدوليين بعيداً عن شواطئها، أصبح له نكهة مخاطر جديدة قد لايكفي معها مواصلة نثر أموال النفط عليها لإطفاء لهيبها.  
الاصلاح الآن في الكويت بات يعني الانقاذ. ومالم يحدث ذلك اليوم، قد يفاجأ الجميع غداً (حكومة وبرلماناً) بتطورات تخرج عن سيطرتهم وتدخل في إطار الاستراتيجية الدولية (الانقلابية) الجديدة في الشرق الأوسط.
لقد علّق أمير الكويت جلسات البرلمان لمدة شهر، في جهد واضح لوقف تفاقم الأزمة السياسية الراهنة.
حسنا. لكن وقف التفاقم لم يعد كافياً، تماماً كما أن الحلول التجميدية السابقة لم تعد كافية هي الأخرى. فالمرحلة التاريخية الجديدة في المنطقة أصبحت تتطلب، وسريعاً، مرحلة جديدة في الكوبت.
آن أوان إنضاج الديمقراطية الكويتية.