للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الامارات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الامارات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 22 مايو 2014

"حرب أهلية" تركية في أبوظبي..





مركز أبحاث عربي واعد.. أخيرا

ابو ظبي- سعد محيو
مفاجأة الوفد التركي كانت تامة.
فقد اعتقد أعضاء الوفد، الذي ضم نحو 14 باحثاً وأكاديمياً أنهم سيجدون في أبوظبي، حيث عُقد مؤتمر بعنوان "تركيا ومستقبل النموذج والدور" بدعوة من "مركز الإمارات للسياسات"، آذاناً تسمع وتُنصت لا ألسنة تناقش وتُجادل وتُواجه. وبالتالي، كان يكفي أن يطرح هؤلاء، أو معظمهم على الأقل، أفكاراً بديهية عن المعطيات التركية الراهنة والتاريخية كي ينتهي بالنسبة إليهم النقاش ويُغلق باب الاجتهاد.
بيد أن حسابات البيدر لم تتطابق مع معطيات الحقل. إذ تقدّم المشاركون العرب في المؤتمر، وجّلهم من دول الخليج، بمداخلات معمّقة وتحليلات موضوعية وأسئلة دقيقة، أدّت إلى بروز فجوة عميقة وواضحة في المستويات الأكاديمية والبحثية بين كلا الطرفين.
هذه المداخلات هي في الواقع التي أسفرت عن نجاح مشهود لهذا المؤتمر المُغلق، الذي توزَّعت أعماله على مسألة الشخصية والهوية التركيين وعلاقتها بالسياقات التاريخية لصعود التيار الإسلامي التركي، والتحولات الراهنة في المشهد الاستراتيجي والسياسي التركي( بما في ذلك مستقبل العلويين والأكراد الأتراك)، ومستقبل العلاقات التركية- الغربية، والدور التركي الإقليمي المحتمل بعد الربيع العربي، وأخيراً دور الاقتصاد والتنافس على خطوط الطاقة في السياسة الخارجية التركية.
"الانفجار"
معطيان إثنان ساهما في إسباغ سمة النجاح على المؤتمر.
الأول، نجاح إدارة المؤتمر في التقاط المسألة الرئيس لـ"القضية التركية" الراهنة، المتمثّلة في أزمة الهوية الطاحنة التي تعيشها تركيا هذه الأيام بين التيارات العلمانية والإسلامية والطائفية والإثنية، ثم دفع كل المشاركين إلى تركيز الانتباه عليها. وهذا أدى إلى محصلة مدهشة: تفجّر مايمكن ان يكون "حرباً أهلية باردة" بين المشاركين الأتراك الذين ينتمون إلى كل التيارات المتصارعة في بلاد الاناضول.
فقد انبرى، على سبيل المثال، ممثلو الأقلية العلوية، التي يقال أنها تضم مابين 10 إلى 12 في المئة من إجمالي الشعب التركي (74 مليون نسمة وفق إحصاء العام 2010 )، إلى التنديد بما وصفوه بالتمييز الذي يمارس ضدهم في البلاد، خاصة منذ أوائل ستينيات القرن العشرين، على رغم انهم كانوا من أشد أنصار الدولة التركية الحديثة. وبالطبع، كان بديهياً أن يبدي هؤلاء قلقاً أعمق إزاء الهوية التركية الجديدة التي يحاول حزب العدالة والتنمية الحاكم بلورتها، من خلال عقد قران الهوية العثمانية الإسلامية على الهوية القومية الكمالية.
وممثلو الأكراد كانوا أكثر حدة حتى من العلويين في إبداء الامتعاض من بطء حزب العدالة والتنمية في تلبية مطالبهم، على رغم صفقة السلام التي أبرموها معه منذ أكثر من سنة. وهنا أيضاً كانت إشكالية الهوية التركية تطرح بقوة، لأن جهود العدالة والتنمية لدمج الاكراد في إطار الهوية العثمانية الجديدة، تصطدم بممانعة مطلقة من القوميين العلمانيين الذين يرفضون أصلاً الاعتراف بالأكراد كعرق مستقل ويسمونهم "أتراك الجبال".
أما ممثلو حزب العدالة والتنمية في المؤتمر، فقد خيّم على مداخلاتهم ونقاشاتهم القلق والتوتر الواضحين، ماعكس بجلاء طبيعة الأزمة العنيفة الراهنة التي يواجهها الحزب في الداخل التركي.
حين جاء الأمر لتقييم مستقبل النزعة العثمانية الجديدة ودورها في المنطقة العربية، كان واضحاً  أن كل الأطراف تقريباً تتفق على أن النكسات التي تعرّض إليها الإخوان المسلمون في مصر وبقية الدول العربية والذين دعمهم حزب العدالة والتنمية، فاقمت إلى حد كبير من أزمة الهوية في الداخل التركي، الأمر الذي أسفر عن تراجع واسع للحيوية الجيو- سياسية التركية السابقة في المنطقة العربية، وهي الحيوية التي دفعت آنذاك العديد من المراقبين (بمن فيهم كاتب هذه السطور) إلى الاستنتاج بأن الحقبة العثمانية عادت بالفعل إلى المنطقة وهي تتمنطق هذه المرة بمزايا القوة اللينة (Soft power ) لا بحراب فرق الانكشارية الشهيرة.
بيد أن بعض المشاركين نبّه إلى ضرورة عدم القفز إلى نتائج متسرعة، قوامها أن تركيا الأردوغانية ستواصل اتباع سياسة خارجية تهيمن عليها الإديولوجيا الإسلامية. وأعادوا إلى الأذهان أن جل تاريخ تركيا استند دوماً إلى عاملين إثنين: الأولوية القصوى للمصالح القومية والبراغماتية في حدودها القصوى أيضاً، بغض النظر عمن يحتل مقر "الباب العالي" سواء أكان إسلامياً عثمانية أو علمانياً كماليا أو إسلاماً أردوغانياً كما الأمر الآن. وبالتالي، توقع هؤلاء أن يغيّر أردوغان قريباً توجهاته إزاء الإخوان المسلمين العرب، بعد أن تحولواً من "كنز" للمصالح التركية إلى "عبء" عليها.
مركز واعد
هذا عن معطى النجاح الأول للمؤتمر. أما المعطى الثاني فهو يتعلّق بالعملية التخطيطية والتنظيمية للمؤتمر.
وهنا اتفق العديد من المشاركين، والذين ناهز عددهم الخمسون، على أمرين إثنين: الأول، أن مركز الإمارات للسياسات قدّم، رغم حداثة عهده (عمره أقل من سنة) نموذجاً راقياً لعمل مراكز الأبحاث على مستوى التخطيط، والتحضير، واختيار المحاور، والهيكلية التنظيمية، والأهم على مستوى الإدارة الدقيقة للجلسات والحوار. وفي حال واصل المركز نجاحاته على هذا النحو، فلامبالغة إذا ما قلنا أنه سيكون في غضون خمس سنوات في الصف الأول لأبرز مراكز الدراسات العربية.
الأمر الثاني هو الدور الأكاديمي والتنظيمي الراقي أيضاً الذي لعبته مديرة المركز د. ابتسام الكتبي، والذي نال هو الآخر اعتراف المشاركين وعرفانهم. وعلى رغم ان كاتب هذه السطور لم يعتد الإشادات الشخصية بأي كان، إلا أنه كان مدفوعاً على الأقل إلى الشعور بالفخر لأن تكون المرأة العربية قد وصلت إلى هذا المستوى من الإنجاز، عبر ممارسة "القوة الهادئة" في إدارة نقاشات المؤتمر، وعبر المقاربة العملية والموضوعية في توجيه هذه النقاشات إلى أهداف واضحة ومثمرة.
وهنا أيضا، كانت مفاجأة الوفد التركي في المؤتمر، الذي كان يظن على مايبدو أن المرأة العربية متأخرة للغاية عن ركب التطور، لاتقل حدة عن مفاجآته الأخرى إزاء المستوى الأكاديمي والبحثي العربي الخليجي الصاعد.
_______________

   

الاثنين، 31 ديسمبر 2012

أين أخطأ محمد بن راشد؟





- I -
دبي تنهض ثانية؟
هذا ماتوحي به المشاريع العقارية الجديدة التي أطلقتها الشركات العملاقة نخيل (التي كانت في قلب الأزمة المالية الكبرى العام 2008) وإعمار، ودبي هولدينغ. كما يوحي به أيضاً تدفق الأموال الآتية من رأسماليي الربيع العربي الهاربين، والتجارة، والسياحة، إلى شرايين اقتصاد هذه المدينة- الدولة.

محمد بن راشد: إعادة النظر بمفهوم الحداثة؟ - الصورة من غوغل

 على رأس هذه المشاريع بالطبع مدينة محمد بن راشد الذي يُراد لها أن تكون "مدينة العالم"، والتي ستضم حديقة استوديوهات يونيفيرسال.
وعلى رغم الشكوك التي لاتزال تحوم حول المستقبل الاقتصادي لدبي، حيث أن جبل الدين باقٍ على ذروة الـ 110 مليار دولار (نصف الديون سيستحق عامي 2014 و2016) وأن المشاريع العقارية القديمة لما تنجز بعد فيما تجري الاستعدادات لأخرى جديدة، إلا أن المستشارين السابقين لحكومة دبي (والذين عادوا إلى مواقعهم الآن) واثقون أن "النهضة الثالثة" لدبي لن تخرجها من ورطتها المالية وحسب، بل ستكرّس صعودها العالمي مجددا.
قد يكون هؤلاء مخطئون (مجدداً) في تقديراتهم. لكن المرء لايستطيع إلا أن يُدهش من هذه الروح  التجارية المغامرة التي نجحت، أصلاً، خلال عقود قليلة في تحويل مرفأ صغير كان يعتاش على التجارة والتهريب وحوله حفنة مبانٍ بدائية، إلى نيويورك جديدة تعج بناطحات السحاب، وأساطير ألف ليلة وليلة، وخيالات سندباد كما مغامرات علي بابا ومعه الأربعين حرامي. هذا فضلاً عن المناخات الليبرالية الاجتماعية التي أشاعتها دبي في قلب شبه جزيرة صحراوية تقليدية ومحافظة.
- II -
بيد  أن مثل هذه الدهشة، لايجب أن تُلغي التفكير العقلاني والأسئلة الهادئة:
- لِمَن تُقيم دبي كل هذه المباني والمدن الضخمة؟
- شعار مدينة العالم جميل. لكن، كل المدن الكوزموبوليتية في العالم حرصت على أن يكون هناك توازن دقيق بين سكانها الأصليين وبين الوافدين في مجالات التعداد السكاني، وحقوق الملكية، وربما لاحقاً حقوق المواطنة. العالمية هنا، حتى في إطار العولمة، يجب أن تعني تعزيز المحلية الوطنية لاتحويلها إلى مجرد ذكرى جميلة في متحف التاريخ. وهنا شعار البنك البريطاني قد يكون مفيدا: "بنك العالم المحلي".
- ومع هذا التوازن الدقيق المطلوب في الحياة المادية، يبرز توازن ضروري أكثر إلحاحاً على صعيد الهوية والثقافة والفكر. فطالما أن العولمة لما تنتج بعد المواطن العالمي والحكومة العالمية، ستبقى الهويات والقوميات والأديان الهندية والصينية والبنغالية وغيرها عناصر رئيسة وفاعلة (وأحياناً مدمِّرة للثقافات المحلية) في أي مدينة عالمية. وهكذا، يمكن أن يكون القيمون على دبي بالفعل عالميي النزعة وحتى الانتماء، لكن هذا لن يسري بالتأكيد على أصحاب الثقافات الأخرى فيها. ليس في المستقبل القريب على الأقل.
-هل ثمة حاجة بالفعل إلى كل هذه الغابات الإسمنتية في بلد صحراوي شاسع؟ وهل الهندسة المعمارية الحالية، مهما تطورت تقنياً وعلا شأوها، تتلاءم على المدى الطويل مع البيئة والظروف المناخية الصحراوية القاسية؟
- III -

الأرجح أن الدافع الرئيس لدى محمد بن راشد وصحبه في كل مشاريعهم، هو هوى صاخب بالحداثة بكل ألوانها وصورها. هوى يرقى إلى مستوى الهوس، وهو نابع في الغالب من ردة فعل على الذاكرة الجماعية التي احتضنت صوراً من الماضي كان فيها إنسان شبه الجزيرة العربية أسير قوانين البيئة الصحراوية القاسية، والمُفقرة، وحتى الظالمة.
كل مبنى "حديث" في دبي وبقية مدن الخليج، هو محاولة للانتقام من ماضٍ سقيم. هو تمرد على ظلم الطبيعة وعواصف غبارها وشمسها اللاظية والحارقة. وهذه نزعة سايكولوجية عميقة تقاطعت في لحظة تاريخية معينة مع هيمنة أنماط الحداثة الغربية على كل أنحاء العالم، فولدت من هذين العاملين "الحداثة المكتومية" (من آل متكوم) في حلتها المتطرفة الراهنة.
هل كان في وسع محمد بن راشد ابتداع حداثة أقل تطرفاً وأكثر توازناً وحكمة، كما حاولت إمارة الشارقة أن تفعل حين ضخت الثقافة إلى مشروعها الحداثي (قبل أن تجتاحها هي الأخرى الغابات الإسمنتية التجارية)؟
لو أن حاكم دبي حمل هذا السؤال معه إلى خلوة هادئة في الصحراء وفكّر فيه ملياً، لربما خرج بنظرية حداثة أكثر جمالاً.. وأكثر ديمومة.

سعد  






الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

القمة الخليجية: جنسية لامواطنة، ورعايا لا مواطنون





قمة البحرين: الاولوية لأجهزة الأمن- الصورة من غوغل


- I -
الصدف وحدها شاءت أن يتزامن اعتقال المفكر والروائي السعودي البارز تركي الحمد، مع انعقاد القمة الخليجية في البحرين تحت العنوان البارز(والثابت): تحقيق المواطنة الخليجية الواحدة، عبر اتحاد سياسي واحد.
وهذا مايطرح السؤال فوراً: أي مواطنة يعنيها قادة دول الخليج؟ هل هي تلك المواطنة المعروفة في شتى الأعراف الدستورية الدولية، التي يتساوى فيها المواطنون، والحكام والمحكومون، أمام القانون، وبالتالي يتمتعون بكل مانصّت عليه شرعات حقوق الإنسان والواثيق الدولية، أم أن المقصود فيها فقط هو منح جنسية مشتركة لـ"رعايا" (لامواطنين) خليجيين؟
اعتقال الحمد لمجرد أنهم غرّد ببعض الإفكار على تويتر(وهذا ماسنتطرق إليه في مقال الغد)، وقبله وبعده فرض حظر على كل حريات التعبير والرأي والفكر في دول الخليج (ماعدا الكويت)، تشي بأن الأسر الخليجية الحاكمة لاتعني بالمواطنة سوى الجنسية، ولاتنظر إلى المواطنين سوى على أنهم مخلوقات إقتصادية بحتة تعيش بالخبز وحده، تماماً مثل الطيور في أقفاص ذهبية.
وهذا ليس مجرد استنتاج تمليه ممارسات هذه الأنظمة على أرض الواقع، بل هو يستند أيضاَ إلى ركيزتين نظريتين:
الأولى، عبّر عنها أمير سعودي رفيع مؤخراً في مجلس خاص، حين تساءل: ماهدف الديمقراطية؟ أليس هو تحقيق العدالة الاجتماعية؟ إن هذا بالتحديد ما تفعله أنظمتنا حين توزّع العطايا والهبات على المواطنين.
هذا المنطق يفسِّر بشطحة قلم طبيعة النظرة البطريركية المتعالية التي تُطل من خلالها الأسر الحاكمة على مواطنيها: إذ هي لاتمنحهم حقاً من حقوقهم في ثروات وطنهم، بل تمن عليهم بـ"الإحسان وعمل الخير". ثم أن هذه النظرة تُسقط عن هؤلاء المواطنين أهم مايجعلهم بشرا: الحرية، بكل أبعادها الوجودية والفكرية والثقافية والسياسية، وحقوق الأنسان والمواطنة الحقة. ولانريد أن نقول هنا أكثر من ذلك.
الركيزة الثانية هي مصادرة الأسر الحاكمة للاجتهاد في الإسلام، ولمعنى الإسلام في العصور الحديثة، ولدور الإسلام في المجتمع. وهكذا، أي اجتهاد لا يصب في صالح تأبيد السيطرة السياسية والهيمنة الفكرية للأسر الحاكمة، يعتبر لاإسلامياً، لا بل حتى كفرا. وهذا يشمل كل شيء تقريباً في حياة المجتمع المدني: من حق التظاهر والتجمع وتشكيل الأحزاب، وإصدار الصحف والمطبوعات غير التابعة للأسر الحاكمة، وإنشاء المسارح ودور السينما، إلى حقوق المرأة كإنسان وحرياتها كمواطن.

- II -

هذه المواقف تأتي في وقت يشهد فيه كل العالم صعوداً جديداً للدين في النطاق العام لحياة المجتمعات بعد انحسار دام قرنين ونيف، لكن ليس استناداً إلى القمع والاضطهاد الفكريين القروسطيين، بل إلى تبني الإديان لمطالب الشعوب في التحرر والحداثة والهوية الإنسانية الجديدة.
وهذا مايجعل البون شاسعاً للغاية بين الإسلام الخليجي(إذا جاز التعبير)  الجامد، وبين الإديان الرئيسة النشطة في العالم التي تبلور الآن حداثة، وحتى علمانية، من نوع جديد.
أهم علائم هذا الجمود الخليجي ماجاء في البيان الختامي  للقمة في البحرين، من تركيز شديد على دور أجهزة الأمن والمخابرات في كل دول مجلس التعاون. قال:" أقر المجلس الأعلى الاتفاقية الأمنية لدول المجلس، مؤكداً على أهمية تكثيف التعاون سيما في مايتعلق بتبادل المعلومات (الاستخبارية) بين الاجهزة الأمنية في الدول الأعضاء". كما أشاد المجلس بـ" قدرة الاجهزة الامنية البحرينية وتعاملها مع الاحداث".
وكلا هذين الموقفين يعنيان بوضوح أن دول المجلس حسمت أمرها: فهي قررت فرض الحلول الأمنية- الاستخبارية على كل أنواع المعارضة الفكرية والسياسية في مجتمعاتها.
وهذا، بالمناسبة، دليل  على ضعف الشرعية لا على قوتها.
***
ماذا الآن عن تركي الحمد؟
 (غدا نتابع)
سعد





.

الاثنين، 3 ديسمبر 2012

هل بدأت شرعية مَلَِكيَات الخليج تتآكل؟

 
ما لم تُغيِّر الملكيات العربية نهجها الراهن، ستجد أن شرعيتها التي بنتها منذ قرون عدة في مهب الريح، وسيكون حاضر أسرة آل خليفة في البحرين هو مستقبلها القريب.

-I-
"خلاصة وحيدة يمكن أن يخرج بها المرء من الطريقة التي تتعاطى بها معظم الملكيات العربية مع مطالب الإصلاح السياسي والديمقراطي، وهي أنها ستؤدي إلى تآكل شرعية هذه الأنظمة بالتدريج، ولكن بثبات".
هذا كان تعليق دبلوماسي غربي بارز التقى به كاتب هذه السطور مؤخراً في بيروت، وكان قد عاد لتوه من جولة شملت الأردن والمغرب وبعض دول الخليج.
وحين سئل الدبلوماسي عن السبب، أجاب بلاتردد:" لأن الأنظمة الملكية (ماعدا النظام المغربي) لاتزال تستعمل أدوات التحليل القديمة لفهم التطوارت الجديدة. وهذه مسألة في غاية الخطورة، لأنها تمنع الحكام من إدراك ثلاثة أمور دفعة واحدة:
الأول، التغيرات العميقة التي طرأت على إطلالة الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى على مستقبل الشرق الأوسط، حيث انتقلت من التركيز على التحالف مع الدول والأنظمة إلى الرهان على المجتمعات المدنية.
والثاني، هو ثورات الربيع العربي التي غيّرت كل معادلات الصراع داخل الدول العربية.
والثالث  هي التحولات العميقة التي طرأت على مجتمعات الملكيات العربية، من تحديث اقتصادي واجتماعي، وانتشار للتعليم العالي، وقفزة هائلة في انفتاح المواطنين فيها على ثورة المعلومات وأدوات التواصل الاجتماعي. وكل هذا جعل شعوب الأنظمة الملكية ظمأى إلى مايتعدى الخبز: الحرية والمشاركة في صنع القرارات المتعلقة بالثروة النفطية والسلطة.
 -II-
هل استنتاجات الدبلوماسي في محلها؟
أجل. وهذا واضح من خلال مايجري الآن في هذه الملكيات.
فحكم أسرة الصباح في الكويت شهد انتكاسة شرعية حقيقية في الانتخابات التي انتهت أمس، ليس فقط بسبب تدني نسبة المقترعين إلى أدنى مستوياتها في تاريخ البلاد (الحكومة تقول أن النسبة كانت 3،40 في المئة، لكن المعارضة تؤكد أنه  لم تتجاوز الـ7،26 في المئة)، بل لأن آل الصباح لم يتمكنوا بهذه الانتخابات من وضع حد للأزمة السياسية والدستورية الطاحنة.
وهكذا، سيحكم الآن آل الصباح بنصف شرعية، وستتولى المعارضة الإسلامية والليبرالية النصف الآخر في الشارع، الأمر الذي قد يدفع البلاد إلى أخطر أزماتها الوجودية منذ 50 عاما.
وفي النظام الملكي الأردني يتكرر المشهد نفسه: النظام يضرب عرض الحائط بكل المطالب الديمقراطية التي يصدح بها الأردنيون منذ 20 شهراً، ويقرر (كما حكام الكويت) إجراء انتخابات في آخر هذه السنة ستقاطعها المعارضة ولن يحصد منها الملك سوى المزيد من تضعضع سلطته من تحت كما من فوق.
وفي البحرين، بات واضحاً أن كل الإجراءات العسكرية والأمنية، الداخلية والخارجية، التي طبقتها السلطة، فشلت في مساعدتها على استعادة هيبتها، ولم تنجح سوى في جعل "شرعية القوة" هي المدخل الوحيد (والمستحيل) لإنهاء الانتفاضة الشعبية. وهذا خلق معادلة جديدة وخطيرة في البحرين، حيث النظام الملكي في أزمة دائمة والشعب في ثورة دائمة.
وفي دولة الإمارات، التي شهدت في الآونة الأخيرة حملة اعتقالات واسعة لمجرد مطالبة ناشطين بإجراء انتخابات مباشرة وتوسيع صلاحيات المجلس الوطني الاتحادي، لايتوقع أن تؤدي وعود الشيخ خليفة رئيس الدولة بـ"التحرُّك نحو التوسيع التدريجي للمشاركة الشعبية في صنع القرار" إلى تهدئة خواطر الإصلاحيين، لأنه ربط ذلك بـ"الوصول إلى نظام سياسية يعكس طبيعة المجتمع". وهي فقرة فسّرتها "فايننشال تايمز بأنها تعني أن الديمقراطية "غير ملائمة للإمارات وباقي دول الخليج".
وفي قطر، وعلى رغم ثروة البلاد الهائلة وقلة عدد السكان الهائلة أيضاً، إلا أنه يتوقع أن تتعالى قريباً الأصوات الشعبية المطالبة لآل ثاني بنقل حماستهم للربيع الديمقراطي في الخارج إلى حماسة مماثلة في الداخل.
أما في السعودية، فالأرجح أن تكون رياح التغيير مع موعد جديد، حين يحين أوان تغيير الحرس القديم في رأس هرم السلطة، بسبب الخلافات العميقة داخل الأسرة على كلٍ من رؤية المستقبل وعلى مسألة تقاسم النفوذ والثروة.
-III-

صديقنا الدبلوماسي، إذاً، على حق: فما لم تتحرك الأنظمة الملكية لتحذو حذو النظام المغربي في مجال توسيع المشاركة الشعبية، ستضع نفسها قريباً في مواجهة تيارات خارجية وداخلية لن تقوى على الوقوف في وجهها.
وحينها، ستجد شرعيتها التي بنتها منذ قرون عدة في مهب الريح، وسيكون حاضر أسرة آل خليفة في البحرين هي مستقبلها. مستقبلها القريب على مايبدو.

سعد




الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

الامارات ودول الخليج : المعركة الخطأ، في الزمان الخطأ




الاجراءات الأخيرة ضد حرية التعبير على الانترنت في الإمارات وبقية دول الخليج، لن تسفر سوى عن حصيلة واحدة: تآكل شرعية أنظمة المنطقة. وهي دليل ضعف لاقوة.

- 1 -
دولة الإمارات، وباقي دول الخليج، تخوض المعركة الخطأ، في الزمان الخطأ، وفي المكان الخطأ.
هذه باختصار قد تكون محصلات الاجراءات القانونية غير المسبوقة التي اتخذتها أمس حكومة الإمارات، وقبلها السعودية وعُمان والبحرين وحتى الكويت، ضد المواطنين الخليجيين الذين يستخدمون الفضاء( الانترنت ووسائل الإعلام الاجتماعي) للتعبير عن آرائهم المقموعة ومكنوناتهم الممنوعة على الأرض.
وهذا مابدأ يحوَّل هذه الدول الآن أكثر فأكثر إلى "دول أمنية" أو بوليسية، لاتختلف كثيراً عن الأنظمة الأمنية- المخابراتية التي أطاحت بها ثورات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا واليمن (والآن في سورية).
ومثل هذا التطور حدث جلل بالنسبة إلى الأنظمة الملكية الخليجية، التي كانت حتى الآونة الأخيرة تتمتع (على عكس زميلاتها الجمهوريات) بقدر لا بأس به من الشرعية بفعل عوامل قَبَلِية وتاريخية ومالية نفطية. لكن "القمع الفضائي" للحريات الذي يجري الآن في كل دول الخليج على قدم وساق، والمتساوق مع السقوف "الأرضية" المتدنية للغاية للحريات السياسية، سيجعل هذه الشرعية تتآكل بشكل خطير.
- II -
لكن هذه الحرب الرسمية الخليجية المشتركة لن تجد نفعا. فعدا عن أنها تسير في عكس تسونامي تاريخي جامح (ثورة المعلومات والاتصالات الهائلة)  لاسبيل لوقفه أو حتى اعتراضه، تقفز هذه الحرب على حقيقة موضوعية بالغة الأهمية، وهي أن الانترنت ووسائل الإعلام الاجتماعي لاتخلق الثورات أو الانتفاضات، بل هي فقط وسيلة من وسائلها. تماماً كما كان الأمر قبل ذلك مع الكتاب، والصحيفة، وراديو الترانزستور، والتلغراف الفاكس، والتلفزيون. فكل هذه الوسائل لم تخلق الحركات الشعبية، بل كانت مجرد تعبير عنها.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية: الانترنت جزء، مجرد جزء، من ظاهرة جديدة برزت خلال العقود الثلاثة الأخيرة أطلقنا عليه في الزاوية مؤخراً اسم "المجتمع الثاني" المستقل عن السلطة السياسية
وللتذكير، يتكوّن هذا المجتمع الوليد من العناصر التالية:
- الطفرة الهائلة في عدد الشباب (Youth Bulge ) دون سن الخامسة والعشرين، الذين يعيش معظمهم في المدن. وقد سجّل تقرير للأمم المتحدة أن البلدان التي تشهد طفرة شبابية، تتوافر على احتمالات تفوق الـ80 في المئة من بقية الدول بأن تحدث فيها ثورات اجتماعية أو انتفاضات عنفية.
- الطفرة الكبرى الأخرى في أعداد خريجي الجامعات (العديد منهم عاطلون عن العمل)، خاصة منهم الذين تلقوا دروسهم في الجامعات الغربية، وباتوا قادرين على التمييز بين حقوق الإنسان (والمرأة ) في الغرب وبين محدودية هذه الحقوق في بلدانهم.
- توسّع عضوية المنظمات غير الحكومية ومنظمات القطاع الثالث، والتي لعبت فيها وسائط الإعلام الاجتماعي الدور الأول.
- بروز ظاهرة اليقظة السياسية العالمية في كل أرجاء المعمورة لأول مرة في التاريخ، والتي كانت ثورات الربيع العربي أول ثمارها، لكنها لن تكون بالطبع الأخيرة.
هل سيكون بمقدور التهديد بالسجن والاعتقال والملاحقة لكل من يجرؤ على انتقاذ "الذات السلطوية" في الإمارات وبقية دول الخليج، أن يُلغي هذه المتغيرات الكبرى عبر مجرد "إلقاء القبض" على الانترنت؟ وهل حكومات الخليج تعتقد حقاً أن في مستطاعها وقف تفتّح حرية الفكر والتعبير في بلدانها؟

- III -
كتبت ساره ليش ويستون، مديرة منظمة هيومان رايتس ووتش في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أمس (فايننشال تايمز): "أحد أسباب ازدهار الفكر النقدي في الخليج هو أن الناس اكتشفوا فضاء لهم في المدونات ومواقع التواصل والتويتر. والآن، وبدلاً من منح هذه المجتمعات الفرصة للنمو والتطور، تقوم الحكومات بالاطباق على هذه الفضاء".
وقبل ويستون، كان الباحثة الأميركية مارينا اوتاوي تحذّر حكومات الخليج، من أن مواصلة "رفض قبول فكرة الإصلاح، سيفتح الأبواب على مصراعيها أمام طرح مصير الأسر الحاكمة على بساط البحث".
وهذا أمر طبيعي. فحين يتم اغلاق طنجرة الضغط( البريستو) باحكام ومن دون أي متنفس، كما تفعل الآن حكومات الخليج، لايبق أمام البخار الغاضب والمتراكم من سبيل سوى الانفجار.
* * *
إنه فعلاً القرار الخطأ، في الزمان الخطأ. وهو دليل ضعف وقلق وخوف، لا دليل قوة وثقة بالنفس وشجاعة وإقدام.
ثم أن شعوب الخليج تستأهل أكثر بكثير من الخبز الذي يُراد لها أن تحيا به وحده، داخل القفص.

سعد


السبت، 3 نوفمبر 2012

لماذا التغيير مطلوب وحتمي في السعودية والإمارات وبقية الخليج؟





برز في كل بلدان الخليج في العقود الأخيرة "مجتمع ثان" غير مرئي سيؤدي، في حال لم تلب مطالبته واحتياجاته، إلى مفاجآت قد لاتخطر على بال.

- I -
تلقَّى هذا الموقع ( www.saadmehio.com) وصفحتيه في تويتر وفايس بوك، سلسلة من انتقادات بعض القراء، وحتى بعض الأصدقاء، في منطقة الخليج، بسبب المقولة بأن الأمر الواقع الراهن في أنظمة المنطقة، التي تزاوج بين الحداثة الاقتصادية ((على رغم كونها استهلاكية لا انتاجية) وبين البنى السياسية التقليدية، لم يعد قابلاً للاستمرار.


بعض هذه الانتقادات جاءت في شكل شتائم  شخصية انفعالية وعنيفة. وهذه باتت ظاهرة معقّدة وشائعة في وسائط التواصل الاجتماعي. وهي تعبِّر في آن عن مكبوتات اجتماعية حادة، وفي الوقت نفسه عن انبثاق حرية تعبير لاسابق لها، وإن كانت تصب بالطبع في خانة السلطات الحاكمة التي تضع سقوفاً جامدة وخطوطاً حمراء على مدى حرية التعبير. وفي بعض الأحيان(كما في حالة الانتقادات من الإمارات)، قد يكون السباب تعبيراً، وإن فظاً، عن نبض وطني حقيقي.
نعود إلى موضوعنا لنقول أن بعض هذه الانتقادات يبدو صحيحا، لأنها تستند إلى الحقيقة بأن أنظمة الخليج ككل تمتعت بقدر من الشرعية لم تحظ به الجمهوريات "الثورية" العربية. فالأسر الحاكمة لها باع وتاريخ طويل في السلطة قد يصل أحياناً إلى قرون عدة، وكانت هي وراء تأسيس معظم الدول بحدودها الحالية. كما أن هذه الأنظمة، وعلى رغم أنها أوتوقراطية وعائلية، أقل قمعاً من الأنظمة الجمهورية وأكثر حرصاً على التواصل مع مجتمعاتها الأهلية (نقول هنا الأهلية وليس المدنية، للتمييز بين القطاعات الاجتماعية الحديثة والقطاعات التقليدية). وثروة النفط جاءت لتعزيز هذا المنحى، ولم تخلقه كما ذهب إلى القول المفكر الراحل عبد الرحمن منيف. وساعدها في ذلك قلة عدد سكان دولها، خاصة الإمارات وقطر.
- II -
لكن، وبعد قول كل شيء عن الخصوصيات الحقيقية لأنظمة الخليج، لا بد من الاعتراف أيضاً بأن التاريخ والاجتماع البشريين ليسا البتة قوالب جامدة لا تتغير، مهما كانت هذه القوالب قوية. فهذه سنّة الحياة والكون التي عبّر عنها ابن خلدون بدقة رائعة حين قال: " إذا ما تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم وكأنه ولد من جديد".
حسناً. الأحوال تغيّرت بعمق في منطقة الخليج بفعل وتائر التحديث الاقتصادي والثقافي السريعة، التي نقلت مجتمعاتها من البداوة والفقر المدقع إلى المدينية والغنى الواسع. ومثل هذه النقلة، التي أفاضت "مدن الملح" في الحديث عنها، كانت تُبرز الحاجة إلى تطوير البنى السياسة التقليدية على قدم المساواة مع البنى البيروقراطية والاقتصادية الحديثة. أي: الانتقال من "الديمقراطية القبلية الأوّلية" إلى الديمقراطية الشعبية. وهذه مرحلة مرّت بها كل الديمقراطيات الغربية التي انتقلت هي الأخرى من التركيبة القبلية ثم الاقطاعية، وبعدها (مع ثورة الحداثة منذ القرن 16) إلى حكومة  ديمقراطية من الشعب للشعب.
بالطبع، التغييرات التي طرأت على مجتمعات الخليج لاتشبه الانقلابات الصناعية والبورجوازية في أوروبا، لكنها مع ذلك تغييرات عميقة بسبب ترافق التحديث الاقتصادي والإداري مع ثورة تكنولوجيا المعلومات. وهذا أدى إلى خلق ما أسماه عالم الاجتماع المجري إيلمر هانكيس "المجتمع الثاني" المستقل عملياً عن السلطة السياسية، والذي يستند إلى المكونات التالية(*):
- الطفرة الهائلة في عدد الشباب (Youth Bulge ) دون سن الخامسة والعشرين، الذين يعيش معظمهم في المدن. وقد سجّل تقرير للأمم المتحدة أن البلدان التي تشهد طفرة شبابية، تتوافر على احتمالات تفوق الـ80 في المئة من بقية الدول بأن تحدث فيها ثورات اجتماعية أو انتفاضات عنفية.
- الانتشار السريع للفضاء الأثيري الذي خلقته ثورة المعلومات والاتصالات ( Ict)، والتي أطلقت فرصاً هائلة للترابط الاجتماعي، والتواصل، وتبادل الأفكار بين ملايين الشباب.
- الطفرة الكبرى الأخرى في أعداد خريجي الجامعات (العديد منهم عاطلون عن العمل)، خاصة منهم الذين تلقوا دروسهم في الجامعات الغربية، وباتوا قادرين على التمييز بين حقوق الإنسان (والمرأة ) في الغرب وبين محدودية هذه الحقوق في بلدانهم.
- توسّع عضوية المنظمات غير الحكومية ومنظمات القطاع الثالث، والتي لعبت فيها وسائط الإعلام الاجتماعي الدور الأول.
وأخيراً، وربما الأهم، بروز ما أسماه زبغنيو بريجينسكي "اليقظة السياسية العالمية" للمرة الأولى في التاريخ، والتي حولّت العالم بالفعل إلى "قرية سياسية " حقيقية في الزمان الحي بعد أن أُلغيت حواجز المكان عبر الانترنت والهواتف النقالة ومجانية الاتصالات الدولية، والفضائيات التلفزيونية.(**)

- III -
هذه هي تركيبة "المجتمع الثاني" الذي وُلِدَ في منطقة الخليج، والذي كان وراء ثورات الربيع العربي في مصر وتونس ولبييا والبحرين واليمن وسورية. وأخطر ما هذا المجتمع أنه "غير مرئي" على رغم أن آثار أقدامه وبصماته مبعثرة في كل مكان.
ومالم تتأقلم أنظمة الخليج مع متطلبات المجتمع الثاني هذا، ستفاجأ بتطورات قد لاتخطر على بال (كما نشهد الآن في البحرين والكويت)، وستعرّض شرعيتها المكتسبة تاريخياً إلى التآكل التدريجي ولكن الثابت.
هذا الأمر ينطبق على كل دول الخليج. لكنه يحظى بنكهة خاصة في السعودية الإمارات، كلاً لأسبابها الخاصة: الأولى، لأن "المجتمع الثاني" ينمو فيها بشكل هائل بفعل غياب أي وسائل أخرى لحرية التعبير والتنظيم ولانتشار أدوات ثورة الاتصالات فيها؛ والثانية، لأن توسيع المشاركة السياسية للمواطنين باتت حاجة ملحة (بل وتاريخية) بهدف إشراك كل الشعب في بلورة استراتيجية قابلة للتنفيذ، تنقذ البلاد من الخلل المخيف في التركيبة السكانية، والتي جعلت المواطنين أقلية الأقلية في الوطن، وتكاد الآن تدمّر الهوية الوطنية والعربية فيه.
* * *
هذه بعض الأسباب التي تدفع إلى التشديد على أن التغيير مطلوب آت لامحالة في أنظمة الخليج.
وإذا ما كان بعض القراء والاصدقاء لازالوا يعتقدون أنه يمكن تأبيد الأمر الواقع الراهن، على رغم كل المتغيرات العميقة في الداخل وأعاصير الربيع العربي (والدولي!) التي تعصف في الخارج، فليطرحوا أفكارهم على بساط البحث بكل شفافية وموضوعية، لأن الوصول إلى قواسم مشتركة ليس أمراً مستعصياً في الخليج (كما هو في سورية هذه الأيام مثلاً).
لماذا؟
لأن الثورة غير مطروحة في هذه المنطقة، بل الإصلاح والتطوير التدريجيين والتحديث السياسي.

سعد
لمن يستزيد:
 (*)Sami Mahroum: Rab youths, Revolutions, and the rise of the "second society". Business intelligence- Middle east. March 14, 2011.
(**) Zbigniew Brezeninski: Strategic Vision- America and the crisis of global power.Basic books, New York 2012.208 pages


الخميس، 1 نوفمبر 2012

الخليج يتمخَّض بعنف، والأسر الحاكمة تتعثّر بشدة





- I -
ثمة تسونامي سياسي- فكري حقيقي بدأ يزحف هذه الأيام على كل منطقة الخليج، وتبدو آثار أقدامه واضحة في كل مكان.

انتفاضة الكويت: ليس بالخبز وحده (الصورة من غوغل

فالكويت عبرت مؤخراً نهر الروبيكون ومعه العديد من الخطوط الحمر، حين نزلت عناصر رئيسة من المعارضة (خاصة في القطاعين الإسلامي والقَبَلٍي) إلى الشارع معلنة تصميمها على تغيير قواعد اللعبة مع النظام، حتى ولو اضطرت لأن تعيد النظر بدور أسرة آل الصباح في الدولة والمجتمع.
وعلى رغم أن التحرُّك الكويتي لاعلاقة مباشرة له بثورات الربيع العربي، لأنه يتم في إطار الصراع المزمن بين نخب البرلمان ونخب الحكومة والأسرة، إلا أنه قد يصب في النهاية في خانة هذه الثورات إذا ما واصلت الأسرة الحاكمة تصلُّبها، وإذا مانجحت المعارضة المتحركة راهناً في تسوية خلافاتها مع الليبراليين وفئات واسعة من الطبقة الوسطى.
وفي الإمارات، بات واضحاً، خاصة بعد تقرير البرلمان الأوروبي حول تجاوزات حقوق الإنسان فيها وتنامي "المعارضة الألكترونية" واسعة النطاق ضد الممارسات الحكومية، أن الحلول الأمنية للخلافات السياسية قد وصلت إلى طريق مسدود، لا بل هي تكاد تنقلب الآن إلى عكسها: فبدلاً من أن تجنِّب دولة الإمارات التعرُض إلى رياح الربيع العربي، قذفت بها إلى عين إعصارها، خاصة بعد بادر "جنرالات الحلول الأمنية" إلى إعلان حرب مكشوفة على جماعة الإخوان المسلمين وباقي الفئات المطالبة بالإصلاح.
وفي السعودية، يبدو أن الأمور تسير في الاتجاه الذي وصلت إليه في الإمارات، على رغم أن الأسرة الحاكمة فيها لاتزال تتمسك بتكتيك السرية والكتمان والباطنية في تعاطيها مع أزمات الداخل ومايرتبط بها من سياسات خارجية. فوسائط التواصل الاجتماعي(والتي باتت تمثِّل بالفعل "مجتمعاً سعودياً ثانياً" وقوياً للغاية، كما سنوضح في مقال لاحق) تموج بكل الدلائل التي تشير إلى أن استراتيجية "بالخبز وحده يحيى الأنسان"، المترافقة مع مواصلة القمع الأمني للحريات السياسية والفكرية، بدأت هي الأخرى تصل إلى طريق مسدود.
ولعل خطبة العيد التي أدلى بها مفتي السعودية (راجع مقالنا حول ذلك في هذا الموقع) وحمل فيها بعنف على من يطالبون بالدولة المدنية الديمقراطية( وهذا يشمل ليس فقط الإخوان المسلمين في مصر وتونس وبقية المنطقة العربية، بل أيضاً كل القوى الوطنية والليبرالية واليسارية والعلمانية) ، كانت دليلاً على مدى شعور الأسرة الحاكمة بحالة الحصار السياسي والفكري الذي تعيش بسبب الربيع العربي.
ثم هناك بالطبع البحرين، التي أثبتت انتفاضاتها الشعبية المتواصلة أن كل الحلول الأمنية والقمعية في الداخل، والحملات العسكرية (درع الجزيرة) في الخارج، لم تنجح في إخمادها. لا بل زادتها اشتعالاً وكادت تحوّلها إلى نمط حياة في أوساط الشعب البحريني. وهذه الحقيقة قد تفرض نفسها قريباً على صناع القرار الأميركيين، الذين تحتاج قواعدهم العسكرية الضخمة في البحرين إلى القليل من الاستقرار لكن الكثير من شرعية السلطة الحاكمة، كي يكون في مقدروهم إضفاء ومضات من هذه الشرعية نفسها على وجودهم العسكري.
ومن أيضاً؟
هناك عُمان التي كان شعبها السبّاق في التحركات الإحتجاجية التي قد تتجدد في أي لحظة. كما هناك قطر التي لابد أن تشهد في وقت ما تحركاً يطالب أسرتها الحاكمة بتطبيق مايجري في السماء على الأرض. أي: تحويل ادعاءات الحكومة القطرية عن دعمها لثورات الربيع العربية في فضائية الجزيرة إلى سياسة قابلة للتطبيق على أرض قطر نفسها.
- II -
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنها تعني، أساساً، أن الأسر الخليجية الحاكمة لاتتعثر في مواجهتها لنسائم الربيع العربي وحسب، بل هي أيضاً باتت تخاطر بخسارة الشرعية النسبية التي تمتعت بها في السابق بفعل عاملي التحالفات القبلية وشراء ولاء الطبقات الاجتماعية بأموال النفط.
وهذا أمر كانت الباحثة الأميركية مارينا أوتاوي أول من حذّر منه حين قالت:" أحداث الربيع العربي أثبتت أن الملكيات الخليجية تحظى بشعبية استثنائية لدى مواطنيها. لكن لايبدو أنها تسعى إلى الإفادة من هذه الشرعية لتدبُّر أمر عملية إصلاح مُسيطر عليه من فوق، من شأنها تجنُّب تصاعد المطالب من تحت. ونتيجة لذلك، قد تتآكل شرعيتها وستواجه على الأرجح تحديات أكثر حدّة في المستقبل".
حسناً. هذا المستقبل وصل الآن، ويبدو أنه بدأ يحقق نبوءة أوتاوي،  حيث يتمخض الخليج بعنف من البحرين إلى الكويت، ومن الرياض إلى أبوظبي، مروراً عما قريب في عُمان وقطر، وحيث تواصل الأسر الحاكمة التعثُّر بشدة.

سعد


الأربعاء، 17 أكتوبر 2012

ندوة الإمارات والأخوان: الفجوة تتعمَّق



- I -
الندوة التي عقدتها "البي.بي. سي" أمس الثلاثاء، في إطار برنامج "نقطة حوار"، كشفت عن تفاقم الهوة بين جماعة الإخوان المسلمين وبين دولة الإمارات وربما كل دول الخليج (ماعدا قطر).
وهي فجوة تعج على مايبدو بجمهور لجب من"أفاعي" الشك و"عقارب" المخاوف المتبادلة.

الاسلام هو \الحل.. في منطقة الخليج أيضا؟ (الصورة من غوغل)

صحيح أن "الود الإيديولوجي" لم يكن عملة وفيرة بين الطرفين طيلة تعاونهما المشترك المديد الذي ناهز السبعين عاماً، إلأ أن "الود المالي والسياسي" لم يغب يوماً عن أفق علاقاتهما. فالإخوان تلقوا منذ زيارات مؤسسهم حسن البنا المتكررة إلى السعودية في الأربعينيات، كل الدعم عداً ونقدا، وكل الحماية السياسية، طالما أنهم كانوا في معارضة خصوم المملكة وبعض الأسر الخليجية الحاكمة، خاصة منهم الحركة القومية الناصرية.
لكن الصورة انقلبت رأساً على عقب الآن. فالاخوان باتوا الشاة السوداء في منطقة الخليج، بعد أن وصلوا إلى السلطة في مصر (قلب المنطقة العربية) وتونس (قلب الربيع العربي)، ولايزال الحبل على الجرار. وهم يرفعون شعار تسييس الإسلام وأسلمة السياسة، الأمر الذي لايستسيغه قادة الخليج على الإطلاق.
والأخطر من ذلك أن الإخوان أبرموا على مايبدو صفقة كبرى مع الولايات المتحدة، التي يفترض أن تكون الدرع الأول والأخير لحماية أنظمة الخليج. وهي صفقة قد يثبت بعد حين (إذا مارسَّخ الأخوان سلطتهم في مصر) أنها ستنسف الصفقة الكبرى التاريخية التي أبرمها الملك عبد العزيز مع الرئيس الأميركي رزوفلت في 22 كانون الثاني/يناير العام 1945 على متن الطراد الحربي الأميركي "كوينسي" في منطقة البحيرات المرّة الواقعة بين بور سعيد والسويس، والتي أرست دعائم النظام الإقليمي الأميركي- السعودي حتى العام 2001 حين وقعت أحداث 11 أيلول/سبتمبر.
عناصر الصفقة الجديدة واضحة: اندراج الأخوان في صف الإصلاحات السياسية الديمقراطية، ومكافحة التطرف الإسلامي، وحماية المصالح الأميركية ومعاهدة السلام مع إسرائيل، في مقابل تسهيل وصولهم إلى السلطة ثم الحفاظ عليها.

- II -
بالطبع، يحق للسعودية وبقية دول الخليج أن تشعر بالقلق من هذه الصفقة، ليس بسبب بنودها المتعلقة بالتطرف والمصالح الأميركية والإسرائيلية، بل في شقها الديمقراطي. إذ ان هذا سيعطي زخماً غير مسبوق للصيغة التي يطرحها الإخوان للإسلام المسيّس، والتي تتناقض حرفاً بحرف مع إسلام دول الخليج القائم على الفصل بين السياسة التي تحتكرها الأسر الحاكمة باسم "الطاعة لأولي الأمر وعدم الخروج على الحاكم"، وبين المؤسسة الدينية التي تمنحها الأسر الحاكمة حق الرقابة على المجتمع، بالطبع شريطة أن يكون هذا لصالحها.
هذان النمطان من الإسلام السياسي متناقضان وأشبه بخطين متوازيين لايلتقيان. وقد طفا هذا التناقض على السطح منذ أن خرج الإخوان من غياهب السجون والمنافي إلى قصور السلطة، وشعروا بالقوة والتمكين في كل المنطقة، بما في ذلك الملكيات العربية من المغرب إلى الأردن، ومن الكويت (كما تدل الآن المظاهرات فيها) إلى الرياض مروراً بأبو ظبي. وهو يتزعمون حالياً ليس فقط الحملة من أجل الإصلاح السياسي والديمقراطي والاقتصادي (التوزيع العادل للثروات) بل أيضاً من أجل "وحدة الأمة الإسلامية" واستقلالها. أي أنهم، عملياً، يقولون للملكة السعودية ودول الخليج: وقتكم انتهى، وجاء زمننا.

- III -
هذه المعطيات كانت جلية في ندوة "البي.بي. سي". وقد عبّر عنها بوضوح شديد المفكر والصديق د. محمد المطوع الذي استحضر كل الشكوك السرية والعلنية المحيطة بأجندات  الأخوان وسلّط عليها أسلحته التاريخية اليسارية والليبرالية كي يفسِّر أسباب صعوبة ردم الهوة المتوسعة باطراد معهم: فهم، برأيه، ينفذون منذ العام 1928 سياسات تخدم السيطرة الغربية على المنطقة. وهم ينادون بالحوار علناً مع من يكفرونهم سرا. وهم قاتلوا في أفغانستان ويتدربون ويتسلّحون، فيما يرفعون شعار رفض الخروج على حكام الإمارات أو إطاحة النظام.
المثير هنا أن الأطراف المحاورة في الندوة باسم حركة الإصلاح الإماراتية وجماعة الأخوان المصرية ردّت بالتركيز على أن الأخوان يتحركون باسم الأمة الإسلامية كلها، وأن السلطات تستخدم فزاعة الجماعة للتهرب من استحقاق الإصلاحات الديمقراطية. لا بل كاد أحد الإخوان أن يتهم دولة الإمارات نفسها بأنها "صنيعة بريطانية" رداً على اتهامات المطوع للاخوان بأنهم تواطأوا منذ وقت مبكر مع الاستعمار البريطاني.
كيف يمكن، والحالة هذه، أن يكون ثمة حوار بين الطرفين؟
المسألة الآن تجاوزت التواصل الفكري والسياسي لتطرح السؤال الأهم: كيف يمكن أن ترد جماعات الإخوان على الحملات العنيفة التي تُشَن عليهم في منطقة الخليج؟
الارجح أنهم سيبذلون جهوداً مكثَّفة لتجنُّب الانجرار إلى مجابهة علنية مع حكومات الخليج على نمط مافعلت مصر الناصرية في الستينيات، وهذا ليس تعففاً بل لقصر ذات اليد مالياً واقتصاديا، وسيكتفون بالنقر من بعيد على العصب الذي يوجع الحكومات: النطق باسم الأمة والإسلام والديمقراطية. وهذا، بالمناسبة، سلاح فتاك في الدول العربية التي تعاني من ضعف الانتماء الوطني وتتمسك بالهوية الإسلامية الجامعة.
ساحة المعركة الحقيقية بين الطرفين ستكون في دول الربيع العربي نفسها، حيث سيدور هناك رحى الصراع حول "أي إسلام نريد" بإشراف كامل من أميركا وبقية المنظومة الغربية، وبمشاركة كاملة أيضاً من دول الخليج عبر دعمها القوى الوهابية والسلفية المناوئة للأخوان. هذا بالطبع إذا لم تنفجر الأوضاع الشعبية في شبه الجزيرة نفسها، كما حدث في اليمن والبحرين وقبلهما (وإن بشكل محدود) في عُمان، وكما قد يحدث الآن في الكويت.
الفجوة، إذا، مُرشَّحة للتعمُّق بين الأخوان وحكومات الخليج. وهذا في حد ذاته سيكون مؤشراً على التغيُّر الكاسح الذي طرأ على طبيعة الصراع في الشرق الأوسط: فهو بات داخل الدار الإسلامية بعد أن كان لفترة طويلة بينها وبين الخارج بكل تلاوينه الإقليمية والدولية.

سعد