للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات استراتيجيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات استراتيجيا. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 يونيو 2012

هل تقلب المعارضة المسلحة السورية طبيعة الصراع؟




هل بدأت المعارضة المسلحة السورية تتحوّل من انتفاضات عنفية عشوائية  Ragtag))، إلى ظاهرة ثورية شبه منظّمة (بالمعنى العلمي) ؟
وإذا ما كان الأمر على هذا النحو، ما تأثير ذلك على موازين القوى والصراع العام الراهن في سورية؟
سنأتي إلى هذين السؤالين بعد قليل. قبل ذلك، وقفة سريعة أمام التطويرات الأخيرة التي طرأت على طبيعة المعارضة المسلحة.
أولى هذه التطويرات برزت من خلال العمليات العسكرية واسعة النطاق التي قامت بها مجموعات المعارضة المسلحة مؤخراً من شمال سورية إلى جنوبها ووسطها، مروراً قبل أيام في دمشق، والتي تشي بأن الأسلحة وصلت أخيراً إلى أيدي المعارضين كماً ويبدو نوعاً أيضا( الاسلحة المضادة للدبابات؛ أجهزة الاتصالات المتطورة الأميركية في الغالب، وحتى بعض الاسلحة المضادة للطائرات).
ثانيها، السيطرة الفعلية لقوات المعارضة على مساحات شاسعة من البلاد، ليس بسبب تفوّق هذه القوات على الجيش النظامي، بل لأن عديد العناصر المقاتلة في هذا الأخير المضمونة الولاء للنظام، غير كافية للحفاظ على السيطرة على المناطق التي تخضعها بالقوة.
كتب عمر العزم، استاذ التاريخ في جامعة أوهايو،: "تمتلك الحكومة السورية القدرة على استخدام القوة الكاسحة ضد معاقل المتمردين (كما حدث في بابا عمرو)، لكنها غير قادرة على العمل في كل مكان في الوقت نفسه. يستطيعون التحرُّك وقمع منطقة بالدبابات، لكن حالما يغادرون تخرج هذه المنطقة عن سيطرتهم".
وهذا أمر طبيعي في الواقع. إذ يُقدّر أن هناك ما بين 30 ألفاً إلى 50 ألفاَ من الجنود والضباط المحترفين المضموني الولاء (لأسباب طائفية في الغالب) للنظام، يقومون منذ سنة وخمسة أشهر بعمليات عسكرية تغطي عملياً أكثر من 180 ألف كيلومتر مربع، فيما العديد من وحدات الجيش الأخرى قابعة في ثكناتها خوفاً من أن تقوم بالانشقاق عنه. وهذا أدى، من جهة، إلى انهاك هذا القسم من الجيش المقاتل، وسهّل، من جهة ثانية، سيطرة المعارضين على مناطق واسعة وإن فقط من باب ملء الفراغ.
التطور الثالث تمثّل في تخلي المعارضين المسلحين عن استراتيجية الاحتفاظ بالأرض (كما فعلوا في حمص) وفي تبنيهم تكتيك حرب العصابات. وهذه كانت خطوة نوعية قد تكون لها مضاعفات خطيرة على مدى تماسك النظام، أو على الأقل على مدى قدرته على الصمود في مواجهة حرب أستنزاف مُنهكة في خضم معطيات ديمغرافية لاتصبّ في صالحه.
كي نتمثُّل وجه الخطورة في هذه المضاعفات، لنستمع إلى مايقوله جوزف هاليداي، الباحث في مؤسسة دراسات الحرب الأميركية، :" الجيش النظامي السوري يواجه الآن معضلة تشبه إلى حد بعيد معضلة الجيش الأميركي في العراق: فهو يملك قوة نارية متفوقة للغاية، لكنه مشلول ويفتقد إلى حرية الحركة بفعل حرب العصابات المتنقلة".
لكن، من هي هذه المعارضة المسلحة؟
الوجه البارز فيها هو بالطبع "الجيش السوري الحر"، الذي يتفق الجميع الأن على أنه صيغة تنظيمية فضفاضة للغاية تضم كلاً من العسكريين المنشقين عن الجيش والمدنيين المسلحين. عديد هذا التنظيم غير معروف وإن كانت المعلومات تشير إلى زيادات مطردة فيه، خاصة بعد ان بدأ يدفع رواتب للجنود والمقاتلين في بعض المناطق تتراوح بين 50 إلى 100 دولار شهريا.
لكن، إلى جانب هذا الجيش، هناك نحو 200 إلى 300 فصيل مسلّح يعمل كل منه بمفرده في مناطقه المحلية. ولم تبدأ الجهود سوى مؤخراً لإقامة مجالس عسكرية إقليمية تتواصل في ما بينها بشكل هرمي. ويبدو أن مثل هذه الجهود بدأت تثمر، على رغم أن ثمة حاجة إلى عمل كثيف أكثر في هذا الاتجاه.
نعود الآن إلى سؤالينا الأولين لنقول أن المعارضة المسلحة بدأت تتحوّل بالفعل إلى ظاهرة ثابتة في الصراع الراهن في سورية. فهي تجاوزت عنق زجاجة ردات الفعل التي كانت عليها في الشهور الماضية، وانتقلت إلى الفعل شبه المنظّم، في شكل عمليات عسكرية (أضرب وأهرب أساسا) غاية في النوعية، كان آخرها أمس الأول المعارك التي دارت في قلب دمشق والتي دامت نيفاً و12 ساعة متصلة.
قد يقال هنا أن التعدد الكبير في صفوف المعارضة وعدم قدرتها على الاحتفاظ بسيطرة ذات ديمومة على الأرض، قد لايكون في مصلحتها على المديين المتوسط والبعيد. وهذا صحيح. لكن هذا التعدد أيضاً ليس في صالح النظام، الذي لم يستطع طيلة الفترة الماضية القضاء على الانتفاضات عبر خنق رأسها (كما فعل في حماه العام 1982). فالمعارضة لا رأس واحداً لها. وهذا ما يجعل الآن شعار "الجراحة العسكرية" التي يطرحها الرئيس بشار الأسد صعباً إن لم يكن مستحيلاً. فالجراحة يمكن أن تجري على جسم واحد، لا على مئات الأجسام التنظيمية  التي تستقطب مئات ألوف الناس.
ثم أن نجم المعارضة المسلحة في حالة صعود هذه الأيام. لا بل يتوقع، في حال استمرار تدفق المنشقين والسلاح والمال عليها كما هو منتظر، أن تتضخم هذه المعارضة لتصبح جيشاً جرارا قد لايمتلك القوة النارية للجيش النظامي وقد لايكون قادراً على الزحف على دمشق لاسقاط النظام (كما فعل الثوار الليبيون)، لكن في مستطاعه تغيير قواعد اللعبة في البلاد.
وهذه النقطة الأخيرة تقودنا إلى سؤالنا الثاني: ما تأثير صعود المعارضة المسلحة على موازين القوى السياسية- الاجتماعية في سورية؟
جيفري وايت، وهو مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية، يرد على هذا السؤال بالقول أن "الثوار لن يستطيعوا إخراج النظام من دمشق. لكن الضربات المتواصلة التي تتخذ شكل حرب العصابات على مواقع الجيش وقوافله، تزيد من حدة الاستنزاف لهذا الأخير وتفاقم عمليات الانشقاق عنه".
حسناً. ربما كان هذا صحيحاً على الصعيد العسكري. لكن على المستوى السياسي- الاجتماعي، قد تكون ثمة أبعاد أخرى. إذ لايجب أن ننسى هنا أن وجود بعض الضباط والجنود من الأقليات العلوية والمسيحية والدرزية في صفوف المعارضين المسلحين، لاينفي الحقيقة بأن الغالبية الكاسحة لهؤلاء الأخيرين هم من السنّة. وهذا يعني أنه مع التضخم المتوقع لقوى المعارضة المسلحة والانشقاقات المتوقعة أيضاً عن الجيش النظامي، سيكون لدينا في الواقع بعد فترة قصيرة "جيشان" سوريان متواجهان، تدعمهما قوى دولية وإقليمية متواجهة ومتصارعة.
ولأن كلاً من النظام الحالي والمعارضة السياسية السوريين يرفضان أي حل وسط بينهما (الأول يتبنى الشعار الماروني اللبناني الشهير "ما لنا لنا، وما لكم لنا ولكم"، والثانية تتطلع إلى قلب النظام بالكامل)، لايبقى سوى الرهان على خروج قيادات من هذين "الجيشين" تعترف باستحالة تحقيق نصر كامل على الطرف الأخر، وتتحرك لانتاج توازن سياسي وطني جديد بين كل مقومات النسيج السوري، استناداً إلى وفاق دولي ربما تكون ولادته قريبة بين أميركا وروسيا.
داخل الطائفة العلوية، يبدو أن هذا التحرك بدأ بالفعل (*). يبقى أن يحد أمر مماثل في الطائفة السنّية. وإذا ما حدث ذلك، قد يكون العنف السوري المُعارض الراهن من قبيل "الضارة النافعة".
______________

تحليلات أخرى عن المعارضة المسلحة السورية في:
1- واشنطن بوست:
Syria rebels gaining ground, strength
2- نيويورك تايمز:

More Unrest Around Syria, in Hot Spots Old and New

3- مؤسسة دراسات الحرب الأميركية:
(*)- راجع "نيويورك تايمز:

Assad’s Response to Syria Unrest Leaves His Own Sect Divided

http://www.nytimes.com/2012/06/10/world/middleeast/syrian-alawites-divided-by-assads-response-to-unrest.html?hp




السبت، 9 يونيو 2012

سيناريو جديد في سورية: الإنقلاب أو الحرب




هدف الغرب والجامعة العربية (وربما روسيا أيضاً) بات واضحاً: إخراج عائلة الأسد من السلطة كمقدمة لحل سياسي في سورية.
لكن كيف؟
بما أن الحل العسكري الغربي على النمط الليبي مستبعد، بسبب كلٍ من الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، والأزمة الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي الذي لم يستفق بعد من أكلاف حربي أفغانستان وليبيا؛ وأيضاً بسبب الفيتو الروسي- الصيني في مجلس الأمن الجاهز في كل حين لمنع مثل هذا الحل، فقد بدأت القوى الإقليمية- الدولية تتجه نحو المقاربة المثلثة التالية:
1- الاستعاضة عن التدخل العسكري الغربي بالضغط العسكري السوري المعارض، عبر تسليح وتمويل وتدريب قوى المعارضة السورية بهدف استنزاف النظام "ديموغرافيا". وهذه الخطوة بدأت بالفعل بإشراف السعودية وقطر وبتسهيل من تركيا (أساساً)على حدودها مع سورية. (الأردن يتعرّض إلى ضغوط خيليجية لفتح حدوده على نحة مماثل).
2- العمل على توفير ملاذات مدنية آمنة على الحدود السورية، خاصة مع تركيا، لتشجيع مزيد من الانشقاقات في النظام، بدعم وتمويل أوروبيين.
3- استخدام ورقتي الضغط العسكري الداخلي والدعم الخارجي لملاذات المدنيين لبلورة حل دبلوماسي بين الدول الكبرى، خاصة بين روسيا وأميركا. وهو أمر سيكون ممكناً إذا ما اقتنعت موسكو بأن عائلة الأسد أصبحت عبئاً، لارصيداً، استراتيجياً عليها، وبأن تسوية اليوم قد تكون أفضل لها من تسوية غداً تنهار فيها سورية نفسها وتغرق هي (أي روسيا) في أتون حرب أهلية سنيّة- علوية قد ييدو معها مأزقها السابق في أفغانستان مجرد ألعاب أطفال.
هي يمكن لهذه المقاربة المثلثة فرص نجاح؟
الأرجح. وهي قد تكون سريعة إذا ما نفذت روسيا انقلاب قصر عسكرياً في دمشق، كما توقّع "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي قبل أيام، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع الجنرالات العلويين الذين تخرجوا من أكاديمياتها العسكرية.
 لكن إذا ما تنجح هذه المقاربة بفعل التعقيدات الهائلة الناجمة عن تدويل الأزمة السورية، فسورية ستكون مقبلة على حرب أهلية طويلة الأمد سيكون فيها الرهان في الداخل السوري ليس على القوة العسكرية بل على القوة الديمغرافية.
_____________
معلومات أخرى عن هذه المقاربة المثلثة في الافتتاحية التالية لـ"فاينانشال تايمز" (8-6- 2012):


Removing Assad
As the crisis in Syria worsens, the pressure for military intervention mounts. But the
debate is dangerously polarized into a false choice between doing nothing and a major
western intervention.
In reality, there are other options. They involve a combination of humanitarian
assistance to the victims of the crisis, aid to the Syrian opposition and pressure on
Bashar al-Assad’s government.
These combined efforts should have two clear goals in
mind. The first is to minimize the bloodshed. The second
is to create a political process that can lead to the re-establishment of a legitimate
government in Syria. These two goals are related – but they are not the same thing. In
the long run a political process is the only way to stop a civil war. But any workable
political solution to the Syrian conflict probably has to involve the departure of the
Assad clan. That, in turn, involves some military pressure in the here and now.
The mistake is to believe that this pressure has to come from the west. Given the fact
that the US and its European allies are still extricating themselves from bloody and
costly conflicts in Afghanistan and Iraq – and are facing major economic difficulties at
home – they are rightly reluctant to get involved in another military intervention in the
Muslim world.
The Syrian opposition is already providing the crucial military pressure on the Assad
regime. Despite the recent horrifying massacres of civilians by pro-government militias,
the opposition is gaining in military effectiveness. It is already being provided with
weaponry by outsiders – particularly the Gulf states. Regional powers such as Turkey
and Saudi Arabia should continue to take the lead in the effort to lever out the Assads.
Their efforts should be diplomatic and humanitarian, as
well as military. Without a UN Security Council resolution
which would be blocked by Russia and China – a
resolution by the UN General Assembly might provide
some important international legitimacy for efforts to oust
Mr Assad. Given the uneasy relationship between the US
and the General Assembly, the regional powers are best
placed to lead this diplomatic effort. Similarly, any haven
for Syrian refugees – which might also act as a magnet for
defectors from the Assad regime – should be hosted and
organised by Turkey. Western powers could play a
supporting economic and logistical role.
The obvious danger, if Syria’s neighbours increase their support for the opposition, is
that they will stoke a civil war that becomes a wider regional conflict. That is where the
western powers do have a crucial role. They must work to create the diplomatic and
political context that – combined with pressure on the ground – will lead to a negotiated
political transition in Syria, and an end to the bloodshed..

____________________________________________________________________



الاثنين، 4 يونيو 2012

"أنا الشعب" في خطاب الرئيس الأسد


من يقرأ بتمعُّن خطاب الرئيس السوري بشار الأسد الأخير أمام مجلس الشعب، يذهل بالكم الهائل من الإشارات إلى تعبير "الشعب"  (وبدرجة أقل "الجماهير"):
- فالشعب "تمكّن من استيعاب حجم وأبعاد المخطط الذي رُسم لسورية والمنطقة، وواجهه بتصميم ووعي وطني كبيرين.
- والشعب "احتقر ونبذ إلى غير رجعة من وضع جسده في الداخل وعقله في الخارج، ونحن في حاجة إلى أن نتعلّم من الشعب الذي تمكّن من فك رموز المؤامرة منذ بداياتها (...) ومن حل شيفرة التزوير مستنداً إلى حسّ شعبي لايخطيء.
- والشعب "نزل بالملايين إلى الشوارع ليعبِّر عن رفضه التدخل الخارجي والمساس بوحدة الوطن والأرض والنسيج الاجتماعي، كما عبّر عن نفسه في الانتخابات الأخيرة.
- أي عمل سياسي نقوم به يجب أن يرتكز على الأسس التي حددتها "الجماهير" (...) ومنها الحوار الوطني. ولذا (مخاطباً النواب) يجب عليكم التعلُّم من الشعب بدل أن تعلموه، فهو الأكثر ثقافة ومعرفة والأصوب رؤية. سيروا وراءه كي لاتضلوا طريق الوطنية. تعلموا من إحساسه الفطري كيف توضع الأولويات.
- الشعب السوري ذكي، وهو يمتلك حضارة منذ آلاف السنين تدفعه إلى ألا يقلِّد بشكل ببغائي كل ما يأتيه من الخارج.
هذا غيض مما فاض به خطاب الرئيس الأسد حيال مفهوم الشعب. ولو أن الكلام يمكن أن يؤخذ على عواهنه، لتوجّب اعتبار قائله فيلسوفاً من فلاسفة السيادة الشعبية في القرن الثامن عشر الأوروبي، الذين أسبغوا هم أيضاً على الشعب سمات القداسة وصفات منبع الشرعية.
لكن الأمر ليس على هذا النحو بالطبع في الخطاب البعثي القديم والحديث. فالشعب، أو الجماهير، هي مادة هلامية يمكن أن يشكّلها الرئيس، أو الزعيم، أو القائد المعلّم كيفما يشاء، ووفق مصالحه السياسية الآنية. إنها هيولى موجودة بالقوة، ولاتتجسد بالفعل إلا في شخص الرئيس أو الزعيم. وحين يحدث ذلك، تقفز فوراً شعارات "الأبدية": "حافظ الأسد زعيمنا إلى الأبد". والآن: " بشار الأسد رئيسنا إلى الأبد". وقبلهما "أبدية" صدام حسين ومعمر القذافي وحسني مبارك.
المفاجأة الكبرى في حديث الأسد عن "الشعب"، والتي يمكن تلمسها بوضوح في كل ثنايا الخطاب، هي أنه يؤمن بالفعل وبعمق بكل ما يسرده ويقوله عن الشعب. فهو حسم أمر هذا الشعب بشكل نهائي حين اعتبر أن "الجماهير" برمتها أدركت المؤامرة، وتجسّدت التاريخ، وعرفت الطريق بحسّها العريق، فباتت هي القائد الذي يجب أن يتبعه الجميع.
لكن، ما المعايير الذي استخدمها الرئيس الأسد كي يعرف أن الشعب اكتشف، وجسّد، وخط الطريق؟ ثم: من هو هذا الشعب حقا؟ هل هو تلك الكتلة المتجانسة والمطلقة التي تقف بكل جوارحها وراء النظام الحالي؟ وإذا ما كان الأمر على هذا النحو، ماقصة الملايين الذين تظاهروا، ولازالوا، وقضى منهم حتى الآن أكثر من 15 ألفا وجرح واعتقل وهجِّر مئات الآلاف؟ وما قصة الملايين الآخرين الذين "يتظاهرون" سراً داخل متاجرهم ومنازلهم وجامعاتهم؟
الجواب في الخطاب واضح: الشعب يريد الرئيس. وبالتالي، الرئيس هو الشعب. هو روح الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة. ولذا، حين يكتشف الرئيس إلى الأبد المؤامرة والطريق، يكون الشعب هو الذي اكتشفهما.
إنه المنطق نفسه الذي تعثّر به غابرييل غارسيا ماركيز في "خريف البطريرك"، حيث تؤدي عزلة "الجنرال الأبدي" إلى رؤيته للأحداث كما يريدها هو لا كما تتجسد في الواقع. وهو المنطق نفسه أيضاً الذي حدا بالعقيد معمر القذافي إلى دعوة "الشعب" إلى النزول بالملايين للدفاع عن "روح الجماهير" وقائدها السرمدي عشية سقوطه المروِّع.
هل تنتهي القصة هنا؟
كلا. ثمة الوجه الأخر لفلسفة "الشعب" الميتافيزيقية هذه. فإذا كانت الجماهير العبقرية تقف بقوة وحزم إلى جانب النظام والرئيس، فهذا يحتّم أن يكون المعارضون، كل المعارضين لهما، أرهابيين، أو قتلة، أو مجرمين. هذه تستدعي تلك.
وحينها تنغلق الدائرة، ويصبح أي حديث عن أي حل سياسي خارج مايراه النظام دعماً للإرهاب، أو كما قال الرئيس الأسد في خطابه: "من يدعو إلى الحل السياسي عليه أن يطرح العلاقة بينه وبين الإرهاب".
حينها، لايبقى سوى العنف حلاً وحيداً للأزمة السورية. العنف العاري بالتحديد.

الأربعاء، 30 مايو 2012

روسيا بدأت تعد لانقلاب عسكري ضد الرئيس بشار الأسد

A Syrian Turning Point for Russia?
Interviewee: Mona Yacoubian, Senior Advisor, Middle East, Stimson Center
Author: Bernard Gwertzman, Consulting Editor, CFR.org
May 29, 2012

The massacre near Houla in northern Syria, in which more than a hundred people reportedly were killed, may turn out to be "a catalyzing moment in the Syrian uprising," says Syria expert Mona Yacoubian. "What's most important is that this event may begin to turn Russia significantly away from Syria," she says, even though Russia in February had blocked firm international action against Syria. "The Russians are making the same calculus that many of us watching Syria are making, that Syria could be heading into a very nasty sectarian civil war," which would be contrary to Russia's interests in the region, Yacoubian says. She also notes that the Syrian opposition continues to be fractured, and that it has not attracted the country's many minority groups. As for the United States, Yacoubian says that so far, concerns about the dangers of military action continue to dominate Syrian policy.
The Houla massacre has touched off a worldwide reaction, with UN peace envoy Kofi Annan returning to Syria to save his peace plan and meeting with President Bashar al-Assad May 29. Is Houla a turning point in the long Syrian uprising and conflict?
It could well be that the Houla massacre becomes a catalyzing moment. It was a horrific episode, and indeed the figures I've seen suggest that nearly fifty children were killed. UN reports say many people were shot at point-blank range. The reports suggest the Syrian government was largely responsible for the violence. This would certainly constitute perhaps the most flagrant violation yet of the Annan plan. So we are seeing very significant international reaction to what's happened in Syria. And numerous countries in Europe and of course the United States and Australia are expelling their most senior Syrian diplomats in protest. But what's most important is that this event may begin to turn Russia significantly away from Syria. That's what we're going to need to watch closely in the coming days.
Talk about the Russian attitude about Syria. Russia and China vetoed the rather strong UN resolution in February, but since then, they've supported various resolutions short of ousting Assad.
The Russians and Chinese have now supported three UN Security Council resolutions, including most recently on Sunday [May 27] a press statement. The Russians have been strong allies of the Syrian government for decades and have been leery of the transitions taking place in the Arab world. They were very upset about the NATO involvement in Libya; they claim that they felt they were somehow duped into supporting a UN resolution. I think that's debatable.
The most important failing of the Syria opposition to date has been its inability to attract significant elements of Syria's minorities, again whether it's the Christians, the Alawites, and the Kurds.
But what we've seen in Syria is a slow but sure evolution of Russia's position. The Russians are making the same calculus many of us watching Syria are making, that Syria could be heading into a very nasty sectarian civil war. From Russia's perspective, that would be a very bad outcome with respect to their interests in the Middle East. Syria in many ways remains the last bastion of Russia's influence in the Arab world. Many have noted the warm water port in Tartous, which is an important asset for Russia. Of course the Russians have also invested billions in economic projects, in military support and so forth. As the Russians come to the realization that the situation in Syria is deteriorating badly, and that they stand to lose these assets, this may provoke a shift in their strategic position away from Bashar al-Assad and those immediately around him. They're certainly not interested in wholesale regime change, and that remains their position.
In the best of all worlds, if Moscow could tell the Syrians what to do, what would they tell them?
In the best of all worlds, if they had total control over the situation in Syria--which they don't--they would leverage their military relations to essentially have the military in concert with the Russians. [They would] basically tell Bashar al-Assad and those immediately around him that his time is up. What the Russians would perhaps like to see is some sort of an engineered coup that would maintain the structure of power in Syria, but would essentially get rid of Bashar al-Assad and those immediately around him.
Does Bashar al-Assad control the army? What is his relationship to the army?
He has very strong control over particular divisions in the army; the Fourth Division and Republican Guard, for example, is under the control of his brother Maher, but ultimately the question is: Are there senior elements of Alawite background in the military who also make the decision and calculus that the country is essentially heading into an abyss? Frankly, we don't know a lot about relations between Bashar al-Assad, his immediate family, and this sort of clan that surrounds him, and the broader, senior Alawite officer corps. That is a fairly opaque area even in the best of times, and certainly more so now.
Who do you think should be the next president?
We are far from that at this point. But going forward in a post-Assad Syria, it will be essential that all minorities have a place in the country and in the power structure. I wouldn't presume to name specific names, but in a post-Assad Syria, there's got to be a place for the Sunnis--which constitute a majority, or a plurality of the country--but there also must be strong guarantees for the Alawites, the Christians, the Druze, the Kurds, [and] the many minorities that make up Syria's complex populations.
Talk about the U.S. position.
The United States has been watching Syria with tremendous concern. To date, the policy has been one largely of pushing for significant diplomatic and economic pressure. Various people in the Obama administration have talked about the dangers of military intervention. Even Chairman of the Joint Chiefs Martin Dempsey, who did talk about potentially the need for military intervention if the humanitarian situation deteriorates significantly, also warned about the fact that once one unleashes military power, the dynamics are extraordinarily unpredictable. That concern continues to guide U.S. policy on Syria.
That said, there are also voices, certainly on the Hill, and perhaps within the executive branch, increasingly pushing for arming the opposition, as one option--or certainly not the U.S. directly arming the opposition, but turning a blind eye, perhaps, while others in the region, namely Saudi Arabia and Qatar, provide arms. At this point, the U.S. is providing humanitarian assistance; they're providing non-lethal assistance to the opposition--telecommunication equipment and that sort of thing. But that is the extent of U.S. support for the Syrian opposition.
In the last several days we've had the resignation of the head of the Syrian National Council. There really is no unified opposition, is there?
No, and that's been, throughout the Syrian uprising, one of the key problems with why the situation in Syria has gone the way it's gone. The opposition has been unable to unify, either outside of the country or inside the country. And this is for a host of reasons. In many ways, the opposition itself reflects the enormous complexity of the Syrian population. Outside of Syria there have been charges that the opposition has been riven with political rivalries and ideological differences, and that it remains very much out of touch with those inside the country.
The Russians are increasingly alarmed by what is happening inside Syria; they are increasingly concerned about the behavior of the Assad regime, not because they have any particular attachment to democratic ideals, but because of their need to preserve their interests in Syria.
But the most important failing of the Syria opposition to date has been its inability to attract significant elements of Syria's minorities, again whether it's the Christians, the Alawites, and the Kurds. These are critical elements of the Syrian population, without whose support it's difficult to imagine that the uprising would be successful. And so unfortunately we are seeing the opposition continue to be plagued by differences. Meanwhile we are watching a continued deterioration of the situation on the ground, greater radicalization of elements, concerns that jihadist elements may be beginning to make inroads into Syria. This has been, unfortunately, a critical sort of downside, if you will, of how the uprising has evolved.
Do you think al-Qaeda in Iraq is in Syria?
There are sporadic reports of jihadist elements being involved in certain attacks [and] some of the suicide bombings that have taken place, and there have been a number of them since September of last year. There is a new, somewhat shadowy organization called the Nusra Front, which has taken responsibility for some of the attacks. Their connection to al-Qaeda in Iraq or al-Qaeda more broadly is undetermined. It's a murky, shadowy situation. But unfortunately, the conditions on the ground inside Syria are going to be increasingly propitious for radicalized Sunni jihadist elements to take advantage of the chaos. We may see more of that in the coming weeks and months.
Can Kofi Annan work something out?
Odds are pretty high against him. Much is going to depend, again, on what happens with Russia, and by extension China. Can the international community be galvanized to take even more intensive steps against the Syrian regime, first finding it in violation of the Annan plan? Then the key question is: What are the next steps? If Russia comes around and in fact disavows Bashar al-Assad, that may be a significant turning point in this conflict.
Has that happened yet?
Not yet. We're watching closely to see. There will be a meeting between Russian President Vladimir Putin and his French counterpart on Friday. The Russians are increasingly alarmed by what is happening inside Syria; they are increasingly concerned about the behavior of the Assad regime, not because they have any particular attachment to democratic ideals, but because of their need to preserve their interests in Syria. And so we may see, as I said at the outset of our discussion, that the Houla massacre really becomes a catalyst for a shift in Russia's position. That could significantly alter the situation inside Syria.


الثلاثاء، 22 مايو 2012

"كوندومينيوم " روسي- أميركي في سورية؟


هل لازال الصراع السوري، سورياً؟
السؤال، لوهلة، قد يبدو غريباً لا بل حتى مؤلما. فالشبان اليافعون من كل الطوائف والنحل الذين تُسفح ورودهم قبل أن تتتفتح لتشهد نور الحياة، والأطفال والنسوة الذين يجندلهم التعصُّب الأعمى بكل تلاوينه الدينية و"المالية" والأنوية (من الأنا)، والأمهات الثكلى اللائي تتحوّل حياتهن بعد فقدان أولادهم إلى جحيم نفسي ووجودي مقيم، كل هؤلاء قد يجعلون من هذا السؤال غريباً ومرلماً في آن.
لكن، إذا مانحيّنا مؤقتاً هذا الجانب الإنساني- "المثالي"، سنجد أن الأزمة المحلية السورية لم تعد بالفعل محلية بدفع من عاملين إثنين:
الأول، عجز المعارضة طيلة سنة ونصف السنة لا عن إحداث شقوق في النظام ناهيك عن اسقاطه وحسب، بل أيضاً عن استدراج تدخُّل دولي على النمط الليبي.
والثاني، عجز النظام عن استعادة السيطرة على مناطق شاسعة من البلاد، وعدم قدرته في الوقت نفسه على إدخال إصلاحات سياسية حقيقية قمينة وحدها بنقل البلاد من الحالة السلطوية- الديكتاتورية إلى الحالية الديمقراطية أو على الأقل شبه السلطوية.
هذا العجز المتبادل، الذي يذكّر إلى حد بعيد بالطريق الاستقطابي- العصبوي المسدود الذي وصل إليه لبنان عشية الحرب الأهلية 1975 (حين ساد شعار لدى كل الطوائف قوامه:"ما لنا لنا، وما لكم لنا ولكم")، والذي أخرج الأزمة السورية عملياً عن سكّتها السورية، وقفذ بها بالكامل تقريباً إلى أحضان "حروب الآخرين" على أرض بلاد الشام.
هذه النقلة خطيرة بالطبع بما فيها الكفاية، لكنها تاريخياً لم تكن الوحيدة. فسورية (بالتاء المربوطة لتمييزها عن "سوريا" التي تضم كل الهلال الخصيب) كانت في معظم تاريخها الحديث ساحة صراع بين الدول الإقليمية والدولية. فهذا الكيان إما أن يكون امبراطورية، على غرار الإمبراطورية الأموية و"امبراطورية" حافظ الأسد، أو يكون كويكباً تائهاً يدور في فلك القوى الرئيس المتصارعة في الشرق الأوسط.
مؤشرات هذه النقلة خارجياً كثيرة: تدخُّل مجلس الأمن ودخول المراقبين الدوليين لـ"الفصل" بين الدولة وشعبها (...)؛ تسليم النظام رأسه كلياً لقرارات موسكو؛ وضع مسالة تغيير النظام السوري (ولأول مرة) على كل شاشات الرادارات الأوروبية والأميركية.
لكن المؤشر الأهم له نفحة محلية: الجهود المضنية التي يبذلها النظام السوري لتصوير الأزمة على أنها صراع بين مفهوم الدولة وبين مفهوم الإرهاب، بهدف كسب ود الأطراف الدولية المعنية، خاصة منها الأميركية التي كانت أجهزة مخابراتها (كما يقال) على صلة  وثيقة تاريخياً طيلة نيف وسبعة عقود مع مختلف مؤسسات حزب البعث العربي الاشتراكي.
وهذا الجهد يتقاطع مع جهد مماثل آخر تبذله المعارضة السورية لاقناع المجتمع الدولي بأن أسلم طريقة لمنع تحوُّل سورية إلى بؤرة "جهادية" هي التدخل الخارجي لاسقاط النظام.
الأزمة السورية، إذاً، تلبننت (من لبنان) وتعرقنت (من العراق) ، بمعنى أنها تدوُّلت (من تدويل). لكنن ما سمات هذا التدويل، وأي مصير يتنظر سورية على يديه؟

روسيا وأميركا
كل شيء بات يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة أو لاقدرة الولايات المتحدة والاتحاد الروسي على التوصُّل إلى صفقة ما حيال بلاد الشام. لكن حتى الآن، لايبدو هذا هدفاً داني القطاف.
فموسكو، ومع أنها بدأت تُطلق في السر شكاوي مريرة من "لاعقلانية" السلطة الحاكمة في دمشق، لاتزال تراهن  لا على  قوة النظام بل على ضعف المعارضة، وتحتضن هي الأخرى دعاوي النظام حول مسألة الجهاد والإرهاب والتخريب المسلّح.
وواشنطن، بدورها، تبدو في وضع مريح وغير متعجّل. فالنظام السوري يتآكل سياسياً واقتصادياً يوماً بعد يوم، ويجر معه روسيا إلى مواقع حرجة على المستوى الدولي.
فضلاً عن ذلك، الطرفان يستخدمان "الورقة السورية" لخدمة أوراق أخرى.
 فموسكو تريد من واشنطن وقف التدخل في الشؤون الداخلية الروسية (عبر دعم جماعات المعارضة)، وحلاً لمسألة الدرع الصاروخي في أوروبا الذي تعتبره تهديداً لقدراتها الباليستية النووية، واعترافاً أميركاً بنفوذها في آسيا الوسطى.
وواشنطن تبدو مستعدة لتكريس نفوذ موسكو التاريخي والعسكري في سورية، وحتى أيضاً في بعض مناطق آسيا الوسطى. كما ألمح الرئيس أوباما إلى أنه قد يكون مستعداً للبحث عن تسوية ما للدرع الصاروخي. لكن الإدارة الأميركية تريد قبل منح كل هذه "العطايا" أن يعود الرئيس بوتين إلى سابق عهده في مماشاة السياسات الخارجية الأميركية.
حتى الآن، لاتلوح في الأفق بوادر صفقة كبرى من هذا النوع ما بين موسكو وواشنطن. لكن غيابها لايعني استحالتها، خاصة إذا ما تذكّرنا الصفقات الضخمة التي أبرمتها موسكو السوفييتية مع واشنطن الرأسمالية منذ اتفاق يالطا لاقتسام أوروبا بين الطرفين بعد الحرب العالمية الثانية إلى معاهدة هلسنكي حول التعاون الأوروبي واتفاقات الحد من الأسلحة النووية. والأن، موسكو ليست شيوعية بل رأسمالية. وهي عضو في منظمة التجارة العالمية، درة تاج النظام الرأسمالي العالمي. ولذا، الصفقات قد تكون واردة في كل حين، ومنها بالطبع الصفقة المحتملة حول سوريا، وإن بعد حين.
في مثل هذه الصفقة المحتملة، سيبرز إلى الوجود مايمكن أن يكون أول كوندومينيوم (حكم مشترك) روسي- أميركي غداة الحرب العالمية الباردة، تدير بموجبه موسكو جل شؤون البلاد، وتحصل منه واشنطن على وضع حد للتحالف الاستراتيجي السوري- الإيراني وللدعم المطلق السوري لحزب الله في لبنان. وهذا في الواقع جل ما تطمح إليه إدارة أوباما في هذه المرحلة.
لكن، وكما أسلفنا، يتعيّن قبل التوصل إلى صفقة الكوندومينيوم هذه أن يتمكّن بوتين وأوباما من إصلاح ذات البين بينهما. وهذا مالايبدو أن بوتين مستعجل على تحقيقه. فهو أتصل الأسبوع الماضي بزميله الأميركي ليعتذر عم حضور قمة الثماني الكبار، متحججاً بأنه منشغل بتشكيل الحكومة الجديدة. لكن السبب الحقيقي هو أن الرئيس الروسي يتطلع إلى العمل على إقامة نظام عالمي جديد مع الصين ودول مجموعة العشرين، يكون هو مدخله (لا مجموعة الثماني التي باتت ضعيفة نسبياً) إلى استعادة بعض أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق.
بيد أن بوتين قد لايكون قادراً في الواقع على إدارة الظهر تماما لأوباما في العديد من المواضيع التي تمس مباشرة الأمن القومي الروسي. وعلى سبيل المثال، إذا مامُنيت السياسة الأميركية في أفغانستان بالفشل التام وعادت طالبان إلى السلطة، فستدفع روسيا ثمن تفاقم تهريب الهيروين إلى أراضيها. وإذا ما بقي الرئيس بشار الأسد في السلطة، رغم أنف الجامعة العربية وأوروبا وأميركا، فسيكون على روسيا مواجهة مضاعفات غير مريحة قط في الشرق الأوسط وحتى في الأمم المتحدة والعالم، حيث ستبدو أنها تدعم التطرف السلطوي. ثم: إذا ما حصلت إيران على القنبلة النووية، فسيكون على موسكو أن تشعر بالقلق  من جراء التهديد "الإسلامي" الذي سيبرز على حدودها الجنوبية.
هذا عن روسيا وأميركا. أما عن إيران وأميركا، فالشائعات التي تترافق مع "المفاوضات الإيجابية" الحالية بين الطرفين، لاتستبعد هي أيضاً صفقة ما حول سوريا ولبنان، في حال حصل النظام الإسلامي الإيراني على ضمانات لبقائه وعلى اعتراف ببعض أدواره في الشرق الأوسط.
بيد أن هذه الشائعات، التي لطالما ترددت هي نفسها على مدى العقود الثلاثة الماضية، لاتزال كما هي: أي مجرد شائعات، خاصة وأن لكل من أوباما وأيه الله خامنئي مصلحة  (أكثر من أي شيء آخر) في تمرير ماتبقى من وقت قبل الانتخابات الأميركية بأكثر قدر من الهدوء.
وعلى أي حال، وحتى لو توصلت واشنطن وطهران إلى تفاهمات ما حيال سورية، فهذا الاتفاق لن تكون له قيمة ما لم يندرج أولاً في صفقة روسية- أميركية.
رقعة الشطرنج
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
أمراً واحداً: سورية تحوّلت إلى رقعة شطرنج عملاقة، يعتقد كل طرف داخلي فيها أنها اللاعب الأهم، في حين أن الجميع تحوّلوا في الواقع إلى بيادق في أيدي القوى الدولية. وفي حال لم يتمكّن الرخّان الأميركي والروسي من إبرام صفقة تعادل في هذه اللعبة، فإن الرقعة (أو الساحة) السورية مرشحة للتمدد لتشمل لبنان والعراق وربما أيضاً الأردن وتركيا والسعودية وقطر. وحينها سيدفع الجميع الأثمان الفادحة (ماعدا إسرائيل بالطبع).
قد يبدو هذا الاستنتاج مُغرقاً في انحيازه لأولوية العوامل الخارجية الدولية على العوامل الداخلية المحلية في الأزمة السورية. لكن مثل هذا الانطباع يتبدد حين نتذكّر القاعدة الذهبية التي برزت خلال الحرب العالمية الباردة وبعدها: كل حرب أهلية تبدأ محلية في البداية، لكنها سرعان ما تصبح إقليمية ودولية إذا ما وصلت الأزمة إلى طريق مسدود.
وسورية الآن، من أسف، في طريق مسدود.



الخميس، 12 أبريل 2012

العرب والديناصورات والثورة الفرنسية


العرب والديناصورات والثورة الفرنسية

بالطبع، لم يحن الوقت للتحضير لكتابة تاريخ الثورات المدنية- المواطنية الراهنة في مصر وتونس وليبيا واليمن وبقية السرب العربي. فالتاريخ لايزال قيد الولادة، والآن.
كما لم يحن الوقت أيضاً للتفكير بكيفية ولادة معجزة النهوض العربي الحالي، من أسفل قعر وصلته الأمة في تاريخها المديد. فالمعجزة لما تكتمل فصولاً بعد.
ومع ذلك، يمكن للمرء، مع جهد عصبي مكثّف بالتأكيد، أن يُطلّ برأسه قليلاً فوق الجماهير الملاينية في ميدان التحرير ليلقِ نظرة سريعة على مستقبل عربي بات في متناول اليد. وهو إذا مافعل، قد يكتشف التالي:
الوضع في مصر والعالم العربي لايزال مشحوناً بعنف إلى درجة الانفجار. بيد أن هذا في الواقع أمر طبيعي للغاية في الثورات التاريخية، حين يكون من الصعب على القديم الاعتراف بانتهاء دوره، ويكون من الأصعب على الجديد استيلاد العالم الجديد من رحم القديم.
المسألة هنا تتعلق ليس فقط بالمصالح، بل كذلك بالعادات. فحين يعتاد الحكام على نمط مُعيّن من ممارسة الحكم يتّسم بالسلطة التامة لهم وبالخضوع التام للمحكومين( كما كان الأمر أيام الفراعنة، والرومان، والمماليك، والانكشارية)، لايكون من السهل عليهم (الحكام) أن يُصدقوا بأن المحكومين يمكن أن يثوروا حقاً، وأن يتحوّلوا حقاً من "رعايا" إلى مواطنين.
وحين يكسر المحكومون، هم أيضاً، عادات الخوف والاستكانة، والخنوع، ويدفعون ثمن ذلك نقداً وعداً من دمائهم وعرقهم ودموعهم، يصبح من المستحيل عليهم العودة إلى هذه العادات السابقة وتتوقد في نفوسهم عواطف الغضب والثورة والتمرد.
أوروبا القروسطية مرّت في هذه المرحلة، حين كان ملوك الحكم الالهي المطلق يتصرفون ببلادهم كمقاطعات تُشرى وتُباع، وحين كانوا يعاملون مواطنيهم كسلع تُشرى وتباع أيضاً. ولم تنته هذه "العادة" الاطلاقية سوى بثورات اجتماعية عنيفة اجتاحت العديد من الدول الأوروبية، والتي كان على رأسها الثورة الفرنسية العام 1789 التي رفعت شعار "الحرية، المساواة، الإخاء".
أمريكا اللاتينية أيضاً مرّت في الهزيع الأخير من القرن العشرين بثورات من هذا النوع، ليس ضد الملوك المطلقين بل الجنرالات المطلقين، ورفعت هي الأخرى شعارات الحرية السياسية والمساواة الاجتماعية.
المنطقة العربية تعيش الآن أجواء هذه الثورة الفرنسية وتلك الثورات الأمريكية اللاتينية، لا مناخات الثورة الإسلامية الأيرانية ولا قسمات البلشفية الاشتراكية الشيوعية. فهي تثور ضد السلطة المطلقة للاشكال المُحدثة من  لويس السادس عشر والملكة أنطوانيت، وتتوق إلى الحرية والخبز والمساواة. وهي تفعل ذلك بأيدي فتيتها وشبانها الذين يرسمون الآن خطاً فاصلاً وعريضاً على الرمال بين عادات وتقاليد الجيل القديم وبين رغبات وتطلعات الجيل الجديد.
أجل. الجو مشحون للغاية حقاً في مصر وبقية الوطن العربي، وقد يكون مفتوحاً على احتمالات متفجّرة وخطيرة، خاصة إذا ما واصل العالم القديم رفض الاعتراف بدنو أجله وانتهاء دوره.
 بيد أن هذه طبيعة الثورات في التاريخ. وربما هذه أيضاً ضرورة للتاريخ الجديد نفسه الذي قد يحتاج أيضاً إلى "تدمير خلاّق" قبل استيلاد الخلق الجديد.
وعلى أي حال، لولا أن كارثة كبرى حلّت بالديناصورات قبل 60 مليون سنة حين سقط على رؤوسها نيزك هائل أدى إلى هلاكها، لما كان بإمكان الجنس البشري أن ينمو ويتطور ويبني حضارته الجديدة على الأرض.

الخميس، 5 أبريل 2012

لماذا تتعثر المعارضة السورية




الأمر أشبه بالمأساة التي تولد من رحم مأساة:
فيما تشهد سورية أخطر أزمة وجودية، وإنسانية، وأخلاقية، في تاريخها الحديث، تعيش المعارضة السورية القديمة والجديدة أزمة لاتقل خطورة، تتمثّل في الشقاقات والانشقاقات والنزاعات التي تذكّر بالصيادين الذين يبيعون جلد الدب قبل اصطياده، أو بالبيزنطيين الذين تناحروا حول جنس الملائكة فيما الأعداء يطوّقونهم من كل حدب وصوب.
لماذا هذه المأساة الثانية، التي لم يبق طرف إقليمي ودولي لم يتدخل وعلى أعلى المستويات مطالباً بوضع حد لها، (وكان آخرها مؤتمرات اسطنبول وباقي العواصم الأوروبية)، تتواصل فصولا؟ ما أسبابها؟ ما دوافعها؟ وإلى أين من هنا؟
سنأتي إلى كل هذه الأسئلة بعد قليل. لكن قبل ذلك، وقفة سريعة أمام تاريخ هذه المعارضة منذ العام 2000.

ولادات واخفاقات
في أعقاب الانتقال السريع للسلطة إلى الرئيس بشار الأسد العام 2000، بادر مفكرون ورجال أعمال بقيادة رجل الأعمال الدمشقي وعضو مجلس الشعب رياض سيف، إلى عقد لقاءات أسبوعية في منزل هذا الأخير بمنطقة صحنايا في دمشق. أطلق على هذا التجمع اسم "منتدى الحوار الديمقراطي" الذي تحوّل لاحقاً إلى "حزب السلم الديمقراطي". وبعدها كرّت سبحة المنتديات، فوصل عددها العام 2001 إلى 21 منتدى في أنحاء سورية كافة. وفي أيلول/سبتمبر العام 2000 أصدر 99 مثقفاً سورياً بياناً طالبوا فيه بإطلاق كل السجناء السياسيين وسجناء الضمير وإعادة المنفيين، وإرساء دولة القانون، وإطلاق الحريات، والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية وحرية التنظيم والصحافة والتعبير. ثم أصدر ناشطون في لجان إحياء المجتمع المدني "بيان الألف" الداعي هو أيضاً إلى إطلاق الحريات، وتلاه العام 2003 وثيقة معارضة تدعو إلى مؤتمر وطني عام لدرأ أخطار الغزو الأميركي للعراق على سوريا. هذا فضلاً عن دعوات ومبادرات ووثائق كثيفة أخرى كان منها محاضرة بعنوان "نحو عقد وطني جديد" قدّمها برهان غليون في أيلول"سبتمبر 2001.
هذه الطفرة، التي عرفت بـ"ربيع دمشق، كانت اليقظة الأولى لمعارضة المجتمع المدني الذي ثابر على سبات شتوي مقيم منذ فرض قانون الطواريء العام 1963. بيد أن هذا الربيع كان في عمر الورود، حيث تحرّكت أجهزة الأمن الـ15 أو الـ17 القابضة على زمام السلطة الفعلية في البلاد (بكونها "شبه طبقة" حاكمة وفق المفهوم الغرامشي) والتي لم تكن موافقة أصلاً على السماح بنشوء المنتديات، لقمع هذه الظاهرة، فتم اعتقال كوادر ربيع دمشق وزجوا في السجون  أو أبعدوا إلى المنافي.
المرحلة الثانية انطلقت بعد "إعلان دمشق" الذي صدر في 16 تشرين الأول/أوكتوبر 2005، وشكّل آنذاك إطار إجماع واسع لحركة المعارضة السورية. شارك في هذا الإعلان العديد من التيارات السياسية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، وأكراد، ومثقفين وناشطين ومعتقلين سياسيين سابقين. وقد شكّل هذا التجمع نقلة نوعية مقارنة  بربيع المنتديات، من حيث أنه انتقل من المطالبة بالحريات والتعددية والديمقراطية، إلى طرح مبادرات سياسية محددة للمرة الأولى.
فأعضاء الإعلان أعربوا بجلاء عن خشيتهم من أن يتكرر سيناريو الغزو الأميركي للعراق في سوريا، ودعا  رئيس الأمانة العامة لإئتلاف إعلان دمشق رياض سيف إلى توفير "شبكة أمان" للبلاد تفادياً للأسوأ. هذا فيما كان الزعيم المعارض رياض الترك يقترح استقالة رئيس الجمهورية على أن يحل مكانه رئيس مجلس الشعب، وأن يتولى الجيش ضبط الأمن في البلاد، وأن تتعاون الحكومة الجديدة مع المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري.
لكن، ومرة أخرى، أنقضت أجهزة الأمن على أركان "إعلان دمشق"، فتحوّل هذا الربيع الجديد إلى خريف آخر، وعادت حركة المعارضة إلى التبعثر والشتات.
أما المرحلة الثالثة، التي نعيش الآن، فقد كانت متميزة للغاية. إذ هي لم تنطلق من منابر النخب المثقفة ولا من حناجر المعارضين السياسيين، بل هي ولدت على يد حركات شعبية بدأت في درعا وانتشرت كالنار في الهشيم في معظم أنحاء البلاد. وقد تطلّب الأمر وقتاً غير قصير (بمعايير زمن الثورات) قبل أن تستلحق المعارضات الداخلية والخارجية نفسها للانضمام إلى هذه الانتقاضة ولتعلن العمل من أجلها أو النطق باسمها.
لكن، وعلى عكس ماجرى في المرحلتين الأولى والثانية من يقظة المعارضة، حيث ساد شبه إجماع على نقاط عامة بين المعارضين، ابلتيت معارضة المرحلة الثالثة منذ لحظة ولادتها بأمراض الشيخوخة: الترهّل، الفوضى، والصراعات الفردية والإديولوجية والمصلحية. وهذا ضرب حتى المجلس الوطني السوري الذي كان يفترض به أن يكون مظلة فضفاضة قادرة على أن تلم في ثناياها كل أطياف وألوان المعارضة.

لماذا؟
لماذا حدث ماحدث؟
الاسباب تبدو وفيرة:
أولاً، لعنة الجغرافيا.
فالمعارضة الخارجية التي تم لم شعثها بصعوبة، جاءت من أصقاع أوروبية وأميركية وخليجية متباينة ترعرعت في أحضانها طيلة نيف وأربعة عقود بحماية (أو بشروط) الدولة المُضيفة. وهذا أمر طبيعي عاينته قبل المعارضة السورية حركات المقاومة الفلسطينية، التي وجدت نفسها هي الأخرى مضطرة للتأقلم مع شروط أو مطالب البيئات الجغرافية الحاضنة التي كانت في الغالب متصارعة أو متناقضة.
الخارج هنا يخترق الداخل (مع استثناءات بالطبع)، مالياً ومصلحياً وحتى فكرياً، الأمر الذي ترك، ولايزال يترك، بصمات واضحة على فصائل المعارضة التي قيل أن عددها بات يناهز المائة فصيل بين صغير الحجم وكبيره.
قد يقال هنا أن قادة الحزب البلشفي الروسي، وفي مقدمهم فلاديمير لينين، كانوا هم أيضاً في الخارج، لكنهم لم يتأثروا بهذا الخارج. وهذا صحيح. بيد أن الفرق أن رأس حزب البلاشفة كان في أوروبا، لكن جسمه كان في الداخل الروسي. وهذا شرط لم يتحقق للمعارضة السورية في الخارج التي يفتقر معظمها (باستثناء الأخوان المسلمين) إلى جسم في الداخل.
ثانياً: التباينات الفكرية والاستراتيجية بين قوى المعارضة.
إضافة إلى الخلافات التاريخية بين العلمانيين والإسلاميين، طال الشقاق مفهوم الهوية الوطنية السورية نفسها. فقسم من المعارضين لم يعد، بعد تردد، يمانع في حدوث تدخل عسكري أجنبي لإسقاط النظام على النمط الليبي، معتبراً أن الغاية الديمقراطية الداخلية تبرر الوسيلة العنفية الخارجية. هذا في حين أن القسم الآخر يصف هذا التوجّه بأنه يشكّل خطراً موصوفاً على الهوية الوطنية السورية وحتى على مصير الوطن السوري نفسه.
ومن هذا الشقاق الكبير، نبع شقاق آخر مرتبط به يتعلّق بمسألة عسكرة الانتفاضة، أدى إلى قسمة المعارضين في الخارج كما في الداخل.
ثالثاً، وهنا ربما العامل الأهم، الدور الخطير الذي لعبه النظام طيلة نيف و40 سنة في تصحير المجتمع المدني السوري، وتذريره (من ذرة)، وإحلال مفاهيم العنف والخوف وسحق الهوية الشخصية مكان حكم القانون والتضامن الاجتماعي وكرامة الإنسان والإعلاء من شأن قيمة الفرد. في إطار هذا السلوك، تحوّل الإنسان السوري (وفق تعبير المفكر السوري الراحل ياسين الحافظ ) إلى دودة، فيما هو في الغرب صقر.
وقد انعكس هذا على الحياة العامة، فتبخرّت السياسة، بما هي وسيلة حضارية لتسوية تناقضات المجتمع، وسقطت معها كل أدوات عملها: من الأحزاب والهيئات الطبقية والمهنية المستقلة، إلى مؤسسات وتنظيمات المجتمع المدني. وهذا طال حتى حزب البعث نفسه، الذي حوّلته أجهزة الأمن من حزب حاكم إلى هيكل عظمي (ماعدا كوادره المستفيدة من عطايا النظام وصفقاته الاقتصادية) لايُكسى حفنات من اللحم إلا خلال الأزمات المصيرية (كما الآن)
هل كان في الإمكان، في مثل هذه الظروف الطاحنة، أن تولد معارضة سويّة تقدّم حلولاً متسقة لأزمة الوطن السوري؟
هذا أمر صعب، إن لم يكن مستحيلا. إذ يتطلب الأمر أن تقوم المعارضة أولاً ببناء نفسها قبل أن يكون في مستطاعها بناء الوطن. ولكي تفعل، سيتعيّن عليها بداية أن تعيد الاعتبار للسياسة كمفهوم، ومنهج، وسيرورة حياة.
وكما قال مسؤول تركي عن حق مؤخرا ("فاينانشال تايمز" 26 آذار/مارس2012): " لم يكن هناك في سورية أي نوع من المعارضة الحقيقية طيلة السنوات الثمانين الماضية، ولذا اعتقد أن جميع المعارضين السوريين هم الآن في حالة تعلُّم".

إلى أين؟
هل تعني كل هذه المعطيات أننا نبرر سقطات المعارضة السورية الراهنة؟
بالطبع لا، خاصة إذا ماوضعنا في الاعتبار أن سورية تقترب من دخول مرحلة تاريخية حاسمة: فإما أن يحدث فيها انقلاب عسكري يقوم هو بالإشراف على المرحلة الانتقالية (برعاية روسية- أميركية مشتركة هذه المرة) أو أنها ستنزلق إلى حالة فوضى قد تكون أخطر حتى من الحرب الأهلية.
وفي كلا الحالين، استمرار تشرذم المعارضة وصراعاتها على النحو الراهن، لن يكون بعد الآن مجرد "حالة مؤسفة"، بل سيصبح هو مسؤولاً هو أيضاً عن انفجار الصراعات الطائفية والعشائرية والإثنية في البلاد؛ تلك الصراعات التي ترقص الآن بجنون على إيقاع التدخلات الإقليمية والدولية وفق الطراز اللبناني.
لقد قال الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي لجمال عبد الناصر وهو يسلِّمه مقاليد السلطة السورية العام 1958: "إني لاأحسدك على تسلُّم الحكم في بلد يعتبر كل مواطن فيه أنه رئيس جمهورية".
والآن، إذا ما كانت هذه الروحية الأنوية لاتزال سائدة في أوساط المعارضة السورية، فإن المأساة الراهنة للشعب السوري ستستولد ليس فقط مأساة واحدة، بل سلسلة مآس.

سعد محيو- بيروت





الاثنين، 26 مارس 2012

هل يخطف خريف التطرف الديني الربيع العربي؟



الارتباك  لايزال عظيماً في الغرب حول طبيعة الثورات العربية.
وهنا لانقصد فقط التناقض المُضحك للمواقف الرسمية الأمريكية إزاء ماجرى ويجري في المنطقة سوريا إلى البحرين، بل أيضاً التضارب في الاجتهادات الفكرية التي تغشى هذه اللحظات مراكز الأبحاث والأعلام الأيركية.
فكما أن هيلاري كلينتون تكون يوماً مُحافظة ومطمئنة لـ"الاستقرار" في  بعض الدول العربية وفي اليوم التالي "ثورية" وداعية تغيير وانتفاضة إصلاحية، كذلك تحار مراكز أبحاث عملاقة كمجلس العلاقات الخارجية، وبروكينغز، وهارفارد وغيرها، في تفسير أسباب وطبيعة الثورات المدنية – المُواطَنِية الراهنة في الوطن العربي.
فثمة من يثق بأن مايجري هو انتفاضة عربية شاملة لاستقبال الموجة الثالثة من الثورة الديموقراطية العالمية، وإن متأخرة 20 سنة. وبالتالي، مانراه الآن ليس أمراً مفاجئاً أو مستغرباً بل هو امتداد طبيعي لثورات أوروبا الشرقية العام 1989 ولانتفاضات أمريكا اللاتينية العام 1999.
في المقلب الآخر، ينتصب من لايزال لايثق ولا يؤمن بامكان دخول العرب العصر الديموقراطي. ومن يُمثّل هؤلاء في الولايات المتحدة هم أنفسهم من مثّلهم في أوائل التسعينيات، حين تم اختراع "العدو الإسلامي" كي يحل مكان العدو الشيوعي في الغرب: الحركة الصهيونية وغلاة اليهود والمحافظين الأميركيين اليمينيين.
هذا الفريق يعترف بأن ثمة انتفاضة عربية حقيقية، لكنه متأكد بأنها سرعان ما ستتعرض إلى الخطف والسبي على يد الأصوليين الإسلاميين الذين سيقيمون أنظمة حكم ثيولوجية (دينية) تكون أسوأ في استبدادها من الحكومات السلطوية الراهنة.  وهنا، بدلاً من أن تعيش المنطقة الموجة الثالثة من الديموقراطية ، فإنها بالأحرى تشهد أرهاصات ما قبل استيلاء رجال الدين على ثورة 1979 الإيرانية المدنية.
النجم الفكري والنظري لهذه المدرسة لم يعد، كما كان الأمر في التسعينيات، برنارد لويس( "ماذا ذهب خطأ في الإسلام") أوصموئيل هانتيغتون ("صدام الحضارات") أو فؤاد عجمي (" نهاية الامة العربية")، بل مُفكّر يهودي بلغاري هو الياس كانيتي (1905-1994).
كانيتي هذا نشر العام 1960 كتاباً بعنوان "الجمهور والجبروت"(Crowds and Power). المؤلَفْ مثير بالفعل لأنه موسوعي في تحليله لظاهرة الجمهور وعلاقته بمرض ارتياب الحكّام. وهو يرى، على سبيل المثال، أن البيئة الطبيعية هي التي تعلّم الإنسان كيف يتصرّف كجمهور. وهكذا، فإن الألمان يتصرفون كأشجار بلادهم الكثيفة والشامخة، والعرب كرمال الصحراء، والهولنديين كأمواج البحر، والمغول كالريح.
"الجمهور والجبروت" أثار، ولايزال، الكثير من اللغط حول مدى مصداقيته العلمية، حيث اتهمه الكثيرون بأن يخلط بين العلم والشعر( كانيتي حاز على جائزة نوبل للآداب). لكن الصهيونيين واليمينيين الأميركيين (ومن أسف بعض العرب) يستخدمون بعض مقولاته الآن لقذف الثورات العربية الراهنة بالعشوائية وحتى بالغوغائية التي ستقود إلى استبداد جديد. أبرز هذه المقولات:
" المؤمنون يتوسلون جبروت الله لأن قوتهم وحدها لاتكفيهم، إذا هي بعيدة للغاية وتتركهم أحرار أكثر مما ينبغي. إن حالة التوقع الدائم للقيادة تجعلهم يستسلمون للسلطة منذ نعومة أظفارهم".
كيف فسّر اليمينيون هذه الفقرة؟
بسيطة: بالقول أن العرب لن يحصلوا على الحرية والديموقراطية، لأنهم لازالوا يرضخون لمن هو فوق في السلطة، سواء أكان أباً أو مديراً أو ناظراً أو رئيس دولة.
هل ثمة صدقية ما في هذا "الاجتهاد الجديد"؟ وهل الثورات العربية الراهنة ستكون في نهاية المطاف تكراراً مملاً لتاريخ استبدادي أكثر مللا؟
لا. قطعاً لا.
فمن يتقوّل بذلك، لما يتلقط بعد كُنه وجوهر ما يقوم به المواطن العربي هذه الأيام. إنه بالأحرى يستخدم أدوات تحليل عتيقة وباتت عقيمة، هي نفسها بالمناسبة أدوات الفكر الاستشراقي في الغرب التي نزع عنها إدوارد سعيد ببراعة كل أوراق التوت العلمية التي كانت تتلطى وراءها.
مايجري الآن لايقل عن كونه ثورة بنيوية ضخمة لم يسبق لها مثيل في التاريخ العربي، تطال كل بنية الإنسان العربي. وهذه بعض قسماتها والأدلة.
مايفعله الشباب المصري الآن، على سبيل المثال، يكسر تقاليد عمرها سبعة آلاف سنة اصطلح على تسميتها "الثقافة الفرعونية". وهذه استندت، كما هو معروف، إلى علاقة السيّد والعبد؛ الفرعون ذو السلطات الالهية والرعية ذات الصلاحيات المعدومة؛ السلطان الذي يأمر والعامة التي تطيع.
هذه المعادلة تتساقط أمام أعيننا مباشرة. وعلى يد مَنْ؟ ليس حفنة من الضباط الأحرار، ولا حتى نخبة بورجوازية مثقفة كتلك التي قادها سعد زغلول، بل على يد المواطن العادي الذي يقف الآن في وجه تمثال أبو الهول للمرة الأولى في التاريخ ليقول له: لا.
ومايفعله الشباب في العديد من البلدان العربية هو معلم بارز آخر في هذه الثورة. فهو كسر حاجز الخوف التاريخي الذي لطالما ميّز العلاقة بين الحكام والمحكومين في المنطقة، وبدأ يُحل مكانه رويداً رويداً مفهوم العقد الاجتماعي والقانوني بين الطرفين، حيث الأوائل يحكمون  برضى الأخيرين وشروطهم لا بالقوة والغلبة.
وهذا أسقط معادلة أخرى عاشت وازدهرت نيفاً و1350 عاماً، قوامها أنه من الأفضل أن يعيش المواطنون العرب عشر سنوات في ظل الاستبداد (كرعايا) على أن يبيتوا ليلة واحدة في ظل الفوضى. هذا ما عُرف في التاريخ العربي بنظرية الحاكم العادل المستبد، وهذا ما أنتج على مدار القرون كل أنواع الحكم السلطوية والديكتاتورية.
كيف وصل الجيل الجديد العربي إلى هذا الانقلاب الهائل في المفاهيم السياسية والاجتماعية؟
عبر المبرر نفسه الذي يُسقطه عنهم المستشرقون وحلفاؤهم السلطويون العرب: قدرة المجتمعات العربية على التغيّر والتطور، أسوة بكل المجتمعات الأخرى في العالم.  فما سُمّي في الغرب "الاستثناء العربي، لتبرير الادعاء بأن الديموقراطية لن تحدث في الوطن العربي، يتبيّن بجلاء الآن أنه كان استثناء في عقول أصحابه وحسب، وأن المواطن العربي أثبت، وسيثبت أكثر، أنه الأكثر استئهالاً وتأهيلاً لثورة الحداثة والعصرنة والديموقراطية.
هكذا كان حال المواطن العربي إبّان العصر العباسي، حين كان يقود العالم من أذنه نحو ثورات الطب والفلك والكيمياء وعلم الحياة والحرية الفكرية. وهكذا سيكون حاله الآن بعد أن يستكمل هويته الحديثة الجديدة وشخصيته المتطورة.
ومن لايُصدق، ما عليه سوى الاستماع إلى هدير هتافات الشباب في كل أنحاء الوطن العربي، الذي بدأ يتحوّل بالفعل إلى "ميدان تحرير" واحد، ليس فقط ضد الاستبداد السلطوي، بل أيضاً ضد أي استبداد حتى ولو كان يتلحّف بغلالات الدين.
                                _________________________