للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الله. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الله. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 30 نوفمبر 2012

بين الله والعلم.. وآلهة الإغريق


- I -
ماذا إذا؟
هل حان الوقت كي يُعلن الفلاسفة الماديون، انتصارهم النهائي على الفلاسفة المثاليين ومعهم الأديان السماوية وغير السماوية كافة؟

الصراع مستمر بين المادة والروح. لكن أين المادة؟- اللوحة من غوغل

هذا مايعتقده كلٌ من كريغ فينتور وفرانسيس كريك، اللذان أشرفا على تطوير أول حياة اصطناعية غير موجودة في الطبيعة من مواد كيمائية صرف. فالأول قال أن "البكتيريا التي تم تركيبها ونجحت في التكاثر كمادة حية لتصبح بالبلايين، ستغيّر نظرتنا إلى الوجود ونظرياتنا حول الحياة، وقد تكون لها منافع بيئية واقتصادية كاسحة" . والثاني، الذي سبق له أن رفض التعليم في جامعة كامبردج إذا ما كان فيها كنيسة، كرّس كل نشاطه العلمي لإثبات مادية الوجود عبر هذه التجربة.
حسناً. الانتصار العلمي واضح هنا ولايحتاج إلى إثبات. وكذا الأمر إذا ما ثبّت أن هذا النوع الاصطناعي من البكتيريا، أو غيرها من الأنواع التي سيتم تطويرها، ستكون قادرة على تحويل التلوّث إلى طاقة، وعلى امتصاص ثاني أوكسيد الكربون من الجو لصنع الوقود الحيوي وحتى الأدوية.
وكل هذا بالطبع إذا لم "تفلت" البكتيريا الجديدة من المختبر لتتكاثر في الطبيعة بشكل مُرَضِي، فتقضي على الحياة على الأرض كما نعرفها.

- II -
الآن، وبعد قول كل شيء عن الانجاز، نأتي إلى الإعجاز.
فما عقّب به  بعض المُعلقين على هذا الحدث بأنه سيحوّل البشر إلى آلهة إغريق حقيقيين، لا أساس له من الصحة. فلا البشر سيصبحون آلهة، ولا الفكر المادي سينتصر.
وهذا لمبرر مُقنع: ففينتور وكريك وبقية العلماء العشرين الذين شاركوا في هذا المشروع الذي كلّف 40 مليون دولار على مدى عشر سنين، لم يستخدموا أربع قوارير من المواد الكيمائية وحسب بل أيضاً (لابل أولاً وأساساً)  شيفرة المعلومات الموجودة في الخريطة الجينية الوراثية.
فمن أين جاءت هذه المعلومات؟
إنها حتماً ليس عنديات العلماء، كما انها حتماً ليس من الأمور العادية في الطبيعة. ففرص تكوّن هذه الخريطة عشوائياً او بالصدفة يكاد يكون مستحيلاً.
لقد اعترف العالِم فينتر بأن "الحياة هي أساساً عملية معلومات". بيد أن هذه المعلومات التي تُخلق عبرها المادة ليست هي نفسها مادية، ولاتخضع إلى قوانين الطبيعة. ثم أن كوناً من دون معلومات لايستطيع الوجود، وبالطبع من المستحيل أن يكون فيه علماء كفينتور وكريغ.
هذه نقطة.
وثمة نقطة أخرى لاتُقل أهمية.
في الوقت الذي يُصِر فيه العلماء الماديون على عدم وجود تخطيط إلهي، لازالوا يُطلّون على هذا الموضوع من زاوية تاريخية قديمة، حين كان القدماء يتخيلون الله إما صنماً أو قمراً أو في أحسن الاحوال متجسداً في صورة رجل جليل له ذقن بيضاء طويلة ويقطن في غرفة في السماء. هذا في حين أن العديد من الفلاسفة وكل المتصوفة، من شوبنهور، واسبينوزا، الإيليين، وبروفو، وأفلوطين، وأفلاطون، والصوفيين الإسلاميين، والفيديين والبوذيين،  ثبتّوا فكرة انتشار  الوعي في كل الكون: من أصغر نواة ذرة إلى أضخم المجرات، مروراً بالطبع بكل أشكال الحياة البيولوجية وغير البيولوجية. وهذا الوعي في نهاية المطاف ليس سوى "معلومات" غير مادية.

- III -

أجل. العلم يحقق كل يوم انجازات كاسحة. لكن العلم من دون فلسفة الوجود، هو وصفة للقفز نحو المجهول. فالعلم، كما يقول ويل ديورانت، يعطينا معرفة، فيما الفلسفة وحدها تعطينا الحكمة. العلم يعلمنا كيف نشفي وكيف نقتل، فهو يخفض من نسبة الوفيات، لكنه أيضاً يقتل بالجملة في الحرب.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية قد تكون أهم: من قال أصلاً أن المادة والحياة (أو الروح) أمران متناقضان؟ لا بل من قال أن المادة نفسها موجودة حقا؟ الفيزياء الحديثة تقول الآن أن المادة ليست أكثر من موجات احتمالية لاتننثق إلى الوجود إلا حين تتم "مشاهدتها". وفيلسوف العلم برتراند رسل قال أنه
"لولا الهوى والعادة، لقلت أن هذا العالم غير موجود".
كل هذا يجب أن يعني أمراً واحدا: كلما تقَّدم العلم، كلما تعيّن على العلماء أن يتواضعوا أمام لغز الوجود. وهذا لايعني إعلان العجز أو وقف طموحات المعرفة، بل هو على العكس يدفع إلى المزيد من المعرفة والتطويرات، ولكن من دون ذلك الاعتقاد المتهور والنرجسي بأن الإنسان (المحدود بأبعاده الثلاثة والمحصور عقله في جمجمته) هو مركز الكون.                                                                                                                   سعد  


الجمعة، 16 نوفمبر 2012

هل تنجح العولمة بـ"إبتلاع" الأديان؟


عولمة الدين (الحلقة الثالثة والأخيرة)
I
الأديان الرئيسة في العالم تندفع، إذاً، للإفادة من العولمة. لكن  هذه الأخيرة كما قلنا بالأمس لن تقف مكتوفة الأيدي. ولأنها تُمسك بكل صنابير الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، ستعمل أيضاً على محاولة تجيير الانقلابات الدينية والثقافية في العالم لصالحها.
النموذج الأول لهذه المحاولة كان توجّه الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان لاستيعاب ما بات يسمى
" الثورة الاصولية المسيحية " الثالثة، ووضعها في خدمة العولمة. ولم يكن صدفة بالطبع أن يكون ريغان "المؤمن الذي ولد من جديد على يد الروح القُدُس"، هو نفسه بطل الرأسمالية المتوحشة الجديدة التي عملت على نسف دور الدولة في الاقتصاد والامن الاجتماعي.
والآن تنكرر في الولايات المتحدة الدعوات إلى توجهات ريغانية مماثلة. وعلى سبيل المثال، جادل العالم السياسي الأمريكي وولتر رسل ميد مؤخراً بأن "الصعود العالمي الجديد للمسيحية يجب أن يكون أمراً طيباً للسياسة الخارجية الأميركية، لأن المسيحية "هي أكثر الأديان موالاة لأمريكا"، على حد قوله.

II
بيد أن توماس بارنيت، أبرز مفكري البنتاغون، كان أوضح من ذلك بكثير، حين دعا إلى استخدام القوة العسكرية لتصفية المتمردين دينياً- وثقافياً واقتصادياًواجتماعياً على العولمة. يقول: "أي  دولة او منطقة تكون فاعلة (أي مرضي عنها من قِبَل العولمة) إذا ما كانت تتفاعل مع مضمون التدفقات الفكرية والإعلامية والمالية التي تتأتى من خلال إدماجها ما هو قومي بما هو إقتصاد عالمي. وأي دولة او منطقة تكون فاعلة حين تسعى الى تنسيق " قواعد حكمها الداخلي" مع الحكم العالمي الصاعد للديموقراطية، وحكم القانون ، والأسواق الحرة ( مثلاً عبر الانضمام الى منظمة التجارة العالمية ). وبالتالي ، إذا فشلت دولة ما في الانضمام الى العولمة، او رفضت الكثير من تدفقاتها الثقافية، فإنها ستجد في النهاية القوات الأميركية على أراضيها.
ومن خلال مسحه لـ140 عملية عسكرية اميركية في فترة التسعينيات، يكتشف بارنيت أن القوات الأميركية ذهبت بالتحديد الى الدول الواقعة خارج مركز العولمة التي يسميها " الفجوة غير المندمجة"، وهي: حوض الكاريبي ، إفريقيا ، البلقان ، القوقاز ، آسيا الوسطى ، الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا والكثير من جنوب شرق آسيا.
III
سلاح السيطرة العسكرية  (control) هام بالتأكيد. لكن يبقى أن سلاح الهيمنة(Hegemony)  يبقى هو الأهم. والعولمة النيوليبرالية تعوّل عليه عبر اعتمادها على الفرد المستهلك الاقتصادي، وليس المواطن المنتج للثقافة، كوسيلة لهذه الهيمنة. وهي تضع هذا الفرد في عزلة مقيتة يفرضها الاختصاص والاندفاع إلى تحقيق قدرات مميزة، حتى وهو يتبنى عقيدة دينية مطلقة أو يتقوقع في هويات دينية يعتقد أنها مغلقة في وجه العولمة.
معركة العولمة لاستيعاب الأنماط الجديدة من الصعود الديني لاتزال في بداياتها الأولى. وهي تحقق نجاحات واضحة في بعض المناطق (الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية) وصعوبات وعراقيل في مناطق أخرى( الشرق الأوسط الإسلامي). لكن طموحها الأكبر لايزال هو هو: توحيد العالم في قرية واحدة، ولاحقاً في حكومة واحدة، عبر تفتيته أولاً إلى ذرات (أفراد) صغيرة تعتمد في بقائها وازدهارها على ثورة التكنولوجيا والمعلومات التي تُوفّرها الشركات الكبرى متعددة الجنسيات. فهل تنجح؟
ربما!

                                                                                      سعد





الخميس، 15 نوفمبر 2012

الدين والعولمة و"الجهل المقدّس" (الحلقة-2)

ما دور الديمغرافيا والعولمة في صعود الاديان؟ - الصورة من غوغل-

في الحلقة الأولى من موضوع "الدين والعولمة" في هذه المدونة (13-11-2012)، والذي عرضنا فيه لكتاب أوليفيه روا" الجهل المقدس" (*) تساءلنا عن العوامل التي  تؤثّر على صعود الأديان مجدداً في إطار العولمة، بفعل ضغوط هذه الأخيرة المستمرة على النسيج الاجتماعي- الثقافي في كل دول العالم. وسنحاول الإجابة اليوم:


- I -
يبدو أن ثمة ثلاثة عوامل تسهِّل صعود الأديان في ظل العولمة:
الأول، هو العامل الديموغرافي (السكاني) الذي تلعب فيه الأديان دوراً كبيرا. فعدد سكان الشمال الأوروبي الغني بلغ 32 في المئة من سكان العالم العام 1900 ثم 25 في المئة العام 1970 و18 في المئة العام 2000، ويتوقع أن يصبح 10 في المئة العام 2050. هذا في حين أن الجنوب كان يشهد انفجاراً ديموغرافياً لأن الناس المتدينين فيه الذين يشكّلون الغالبية يميلون إلى إنجاب الأطفال أكثر من العلمانيين.
العامل الثاني، هو التمدين( من مدن) المتزايد لسكان العالم. وبما أن الأديان تاريخياً هي ظاهرة مدينية، يتوقع أن يؤدي بروز المدن العملاقة سكانياً في دول الجنوب إلى مزيد من الصعود الديني، خاصة في صفوف الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
العامل الثالث هو"فك الارتباط" بشكل متزايد بين الغرب وبين المسيحية. فهذه الأخيرة هي في الأصل دين شرقي اكتسح العالم القديم انطلاقاً من فلسطين، وهي لم تُعتبر ديانة غربية أو أوروبية إلا بعد ظهور الإسلام وانتشاره. بيد أنها الآن تعود إلى جذورها القديمة حيث باتت تسيطر عليها شعوب وثقافات الجنوب في أميركا اللاتينية وبعض مناطق شرق آسيا.
ويعتقد سكوت توماس، المحاضر في جامعة لندن، أن كل هذه العوامل منغرسة في العولمة التي تعمل على بناء عالم أكثر توحدّاً وأكثر تفتيتاً في آن. ذلك أن الهويات الدينية العالمية والمحلية باتت تصبح أكثر ارتباطاً لأن العولمة بدأت تُغيّر طبيعة الأديان ودورها في الشؤون الدولية.
كيف؟
عبر تسهيل العولمة انفصال الدين عن الثقافات الوطنية والقوميات (كما أشرنا في الحلقة الأولى). فكما أن العولمة تقفز فوق الحدود القومية وتقلّص إلى حد كبير من صلاحيات ودور الدولة- الأمة، تقوم الظواهر الدينية الجديدة المتعولمة بلعب الدور نفسه، فتتجاوز هي الأخرى حدود الدولة القومية وقيودها.
- II -
فضلاً عن ذلك، تنشط العولمة لجعل الأديان أكثر تعددية، وبالتالي تُصعّب على المؤسسات الدينية الكبرى التقليدية التي مارسات في السابق الاحتكار اللاهوتي، كالكنيسة الكاثوليكية في الغرب والأورثوذكسية في الشرق الأوروبي والهندوكية في جنوب آسيا، مواصلة مثل هذا الاحتكار. وهنا يأتي دور ثورة الاتصالات والمعلومات التي باتت تجعل الأديان مسألة اختيار فردي سواء حيال الطقوس أو حتى المعتقدات.
ثم أن العولمة أزالت الحدود الفاصلة بين المنظمات الدينية في البلدان الأم وبين الجاليات في المهجر. وهذا ما أعطى هذه الأخيرة دوراً كبيراً ومتزايداً في كلٍ من العلاقات الدولية والأمن العالمي.
ويُلخّص سكوت توماس وجهة نظره حول تأثير العولمة على الأديان كالتالي: " إن نوعاً جديداً من العالم قيد الصنع الآن. والدول والشعوب والجماعات الدينية في الجنوب هي التي تصنعه. الأديان الكبرى في العالم تفيد كلها من هذه الفرص التي أتاحتها العولمة، وهي تنشط الآن لتغيير نمط رسالتها بهدف الوصول إلى جمهور عالمي جديد".
-III -
خلاصة صحيحة؟.
الأدق أن يقال أنها نصف صحيحة. فكما أن الأديان الرئيسة في العالم تندفع للإفادة من العولمة، لن تقف هذه الأخيرة مكتوفة الأيدي. ولأنها تُمسك بكل صنابير الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، ستعمل أيضاً على محاولة تجيير الانقلابات الدينية والثقافية في العالم لصالحها.
لكن كيف؟

                                                                                        سعد
(*) Olivier Roy: Holy Ignorance: when religion and culture part ways. Colombia press, 2010)





الجمعة، 21 سبتمبر 2012

بحثاً عن الله






- I -
 قبل سنتين، وبالتحديد في 27 شباط/فبراير 2010، انطلق مكوك الفضاء الأمريكي "إينديفير" حاملاً على ظهره جهازا كلّف صنعه بليون ونصف البليون دولار وجهود مُضنية لعشرات العقول العلمية على مدى 16 سنة.
 الصوفية والعلم: تطابق مذهل - الرسم من غوغل 

الجهاز، ويُدعى "مقياس الطيف المغناطيسي ألفا"(Alpha magnetic spectrometer) يزن ثمانية أطنان ويتكوّن من خليط معقّد من قطع المغناطيس والأشرطة الدقيقة والحديد والألمنيوم والسيليكون والالكترونيات. وهو يعتبر أكثر مشاريع الفضاء طموحاً حتى الآن. ولاعجب، إذ هو يسعى إلى الغوص في عمق الفضاء بحثاً عن "المادة الداكنة"(Dark matter).
هذه المادة، كما هو معروف، لاتزال السر المكنون الأكبر في الكون الذي استعصى على فهم العلماء. وهي لاتُسمى كذلك، أي داكنة، إلا بسبب جهل البشر أو "قصر نظرهم"، إذ هم لايعرفون منها وفيها سوى قوة الجاذبية التي تُمارسها على المادة المعروفة في الكون، أو سوى اشعاعاتها المبعثرة في الكون.
ووفقاً للملاحظات العلمية لحركة المجرات ولعلم الانفجار العظيم الكوني، يتكوّن الفضاء من 6،4 في المئة فقط من المادة العادية التي نعرف، و23 في المئة من المادة الداكنة، في ما الـ72 في المئة الباقية تُنسب إلى الطاقة الداكنة. وهذه الأرقام تعني أن المادة والطاقة الداكنين تشكّلان معظم مكونات الكون.
وعلى رغم أنه تم إثبات وجود المادة الداكنة، إلا أن تركيبتها لايزال سراً دفينا، والحديث عنها ليس أكثر من تكهنات. فالنظريات الأولى حولها، والتي انطلقت منذ عشرينيات القرن العشرين، افترضت أنها مواد ضخمة خفية كالثقوب السوداء، أو النجوم النيوترونية، أو النجوم القزمة البيضاء. بيد أن الابحاث اللاحقة دلّت على أن مابين 85 إلى 90 في المئة من مادة الكون الداكنة، لاتتفاعل مع القوى الكهرومغناطيسية، ولاتتكوّن من الالكترونات والبروتونات والنيوترونات العادية، ولذلك فهي يمكن أن تمر في كل لحظة عبر أجسادنا وعبر كل الكرة الأرضية ملايين المرات في الثانية من دون أن نشعر بها.

- II -
إذا مانجح مقياس الطيف المغناطسي في سبر غور هذه المادة، عبر "إلقاء القبض" على بعض الجزيئيات فائقة الطاقة التي تحلُق عبر الفضاء وتُعرف باسم الأشعة الداكنة الكونية، فإن العلماء سيكونون على قاب قوسين من معرفة البنية الحقيقية للكون وسبب كون هذه المادة الداكنة داكنة (على الأقل بالنسبة إلى العقل البشري).
يقول الكاتب العلمي دنيس أوفرباي ("نيويورك تايمز"): "قد تعتقد أن ماتعلمته في المدرسة الثانوية بأن الكون يتألف من ذرات وجزيئيات وبروتونات ونجوم ومجرات، هو كل الحقيقة. بيد أن العقود القليلة الماضية أقنعت علماء الفضاء (وإن لم يكونوا سعداء بمثل هذا الاقتناع) أن هذا الاعتقاد مجرد قشرة سطحية تُخفي تحتها عالماً خفياً وضخماً هو المادة الداكنة التي تُحدد جاذبيتها كل هندسة الكون المرئي".

- III -
 الإنسان بدأ يقترب من هذا العالم الضخم والخفي. وفي حال اكتشف فيه قوانين طبيعية مختلفة تماماً عن قوانين الفيزياء التي نعرف (وهذا هو الأرجح)، سيكون عليه العودة إلى نقطة الصفر المعرفية ثانية، كما فعل حين أبلغه كوبرنيقوس قبل 500 سنة بأن الأرض تدور حول الشمس، لا العكس.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك الفرضيات الفيزيائية الحديثة حول وجود عدد لامتناه من الأكوان المتوازية، (التي توجد فيها "نسخ" منك ومني فيها!)، واحتمال كون الوجود المادي برمته مجرد وهم، والكون ذو الأبعاد الـ11، فقد نصل إلى الاستنتاج بأننا فعلاً نعيش في لغز داخل لغز.
لكن، هل يعني ذلك أن قدرتنا على معرفة الحقيقة النهائية أمر مستحيل؟
كلا. لكن هنا يجب أن نتوقف عن التفكير (أي استخدام العقل)، واللجوء إلى الحدس الذي مكَّن كبار المتصوفة من قماشة إبن عربي وجلال الدين الرومي وأبي يزيد البسطامي، وفلاسفة من طراز هيراقليطس ولاو تزو وبوذا، من تجاوز خدع الحواس والغوص في أعمق أعماق الوجود، بما في ذلك ليس فقط سر الأسرار فيه، أي المادة الداكنة، بل على الأرجح أيضاً الغوص في تجليات الله تعالى في وحدة الوجود.
والآن، ومع بدء التطابق الكبير والمذهل بين رؤى المتصوفة والفلاسفة وبين اكتشافات فيزباء الكم الحديثة حول وحدة الوجود، ووهم الكثرة والتعدد، ووجود الكل في الجزء والجزء في الكل (الهولوغرام)، قد نكون بالفعل على قاب قوسين أو أدنى من تلمُّس ولو ملمح طفيف من ملامح "الحقيقة النهائية".


                                                                                        سعد



الخميس، 5 يوليو 2012

هل ظهر "جُسَيم الله" في سويسرا?



سعد محيو
يقوم كاهن مسيحي بطرد الجُسيم هيغز- بوزون Higgs-Boson من كنيسته.
يقول له الجُسيم: لاتستطيع ان تطردني أو تتخلّص مني.
يسأله الكاهن: لماذا؟
يرد الجُسيم: لأنه من دوني، لا أنت ولا الكون برمته ستكونان موجودين. فأنا الذي أعطي كل مكونات الذرات وكل الأشياء كتلتها.

                                لوحة خيالية لاصطدام الجسيمات في مسرعِّ سيرن(عن الانترنت)
هذه النكتة سرت كالنار في الهشيم أمس واليوم في العالم، بعد أن أعلن 6000 عالم من 34 دولة أنهم اكتشفوا أخيراً الجُسيم هيغز- بوزون، أو مايُطلق عليه "جُسيم الله" لأنه قد يكون مصدر كل الكتل التي تتكوّن منها المادة المعروفة في الكون، بعد بحث متصل دام نيفاً وخمسين سنة.

حين "يتكلّم هيغز
الاكتشاف تم في مقر المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) في سويسرا، التي تدير مسرّعاً للجزيئيات هو الأضخم في العالم، يتضمن عمله دفع البروتونات والنيوترونات في المسرّع (طوله 17 ميلاً) في إتجاهات معاكسة بسرعة تقارب سرعة الضوء، وبطاقة تبلغ 7 تريليون فولت. وحين تصطدم هذه ببعضها البعض توّلد حرارة تفوق آلاف المرات حرارة الشمس بما يشبه "الانفجار العظيم"، الأمر الذي سيمكّن العلماء من "رؤية" الحياة الداخلية للذرات، وفي مقدمها "جُسيم الله" في التريليون الأول من  الثانية الاولى للحظة الخلق.
هيغز- بوزون، الذي تنبأ بوجوده الفيزيائي النظري بيتر هيغز العام 1964 (الذي انفجر بالبكاء حين أعلن عن الاكتشاف)، أساسي للغاية في الكون لأنه في غيابه لايوجد شيء. إذ يعتقد أن هذا الجُسيم يخلق نوعاً من حقل القوة الذي يخترق كل الفضاء ويضخ الكتلة Mass  إلى الجسيمات الأخرى، مايجعل من الممكن وجود المادة والجاذبية.
يقول جو ليكن، وهو فيزيائي نظري في سيرن،:" نعرف أن الجُسيم هيغز- بوزون هو مركز كل شيء، ولهذا يدعونه "هباءة الله". فهو "يتكلّم" مع كل الجسيمات بطريقة أساسية". وحين تتفاعل الجسيمات الأخرى التي تشكّل مادة الكون- البروتونات، النيوترونات، الإلكترونات، وغيرها- مع حقل الهيغز، تتحصّل على سمة تُعرف بـ"الكتلة". وبالتالي فهو كالماء الذي يسبح فيه كل الكون.

أسئلة وجودية
الآن، وقد تأكد تقريباً أن هذا الجُسيم موجود بالفعل، ربما يكون الوقت قد حان لمحاولة الإجابة على بعض الأسئلة الوجودية الكبرى:
-       لماذا هناك فروقات بين المادة والمادة المضادة؟
-       هل هناك أبعاد أخرى في الكون غير الأبعاد الأربعة ، كما تقول نظرية الأوتار الفائقة التي تتحدث عن وجود 11 بعداً أو أكثر؟ (وبالتالي، هل هناك أكوان عدة موازية لأكواننا)
-       ما طبيعة المادة الداكنة والطاقة الداكنة؟
-       لماذا الجاذبية أضعف من القوى الثلاث الأساسية الأخرى في الطبيعة وهي الطاقة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية القوية.
لن نكون نحن القراء العاديين غير المتخصصين في الفيزياء في وارد فهم  التفاصيل العلمية لهذه الأسئلة- المفاهيم. لكن، سيكون في وسعنا متابعة نتائجها النهائية، خاصة تلك التي تتعلق بنظريتين كلتيهما مشتقتان من  فيزياء الكم.
الاولى تقول أن الكون لايخرج إلى الشكل المحدد لوجوده، إلا إذا ما شاهده مراقب خارجي هو في حالتنا الراهنة الجنس البشري. بكلمات أوضح: الوعي البشري يلعب دوراً كبيراً في شكل الوجود، وهو ما تم إثباته في المختبرات حين تبّين أن فوتون الضوء يتصّرف كجزيء صلب إذا ما تمت مراقبته، وكموجة إذا لم يراقب. وهذا ما دفع زميل أينشتاين الفيزيائي جون ويلر إلى القول بأن الكون" هو مجرد "غيمة إحتمالات"، وأن الوعي الإنساني ، إضافة إلى تدخلات مادية خارجية أخرى، هو الذي يحدد أياً من هذه الإحتمالات سيتحّول إلى حقيقة.
الثانية تتحدث عن وجود لا كون واحد، بل عن نسخ لا متناهية من الأكوان المصفوفة بعضها إلى جانب بعض أو فوق بعضها البعض بدون أن يؤثر أحدها على الأخر، وإن كان الشبه كبير بينها.
مسّرع الجزئيات في جنيف سيكون قادراً على إضاءة بعض جوانب هذه الأسرار الغريبة خلال الأشهر القليلة المقبلة، بشرط أن يسير كل شيء على ما يرام، كما وعدنا العلماء الأوروبيون.

أين حجر الأساس؟
لكن، مهلا.
ربما يكون علماء سيرن حققوا بالفعل انجازاً علمياً ضخماً في مجال الفيزياء ماتحت الذرية، لكنهم لايعرفون بعد ممَ يتكوّن الجُسيم هيغز- بوزون، وهل هو مادة أم طاقة. وهذا ليس تفصيلاً بسيطا: إذ أن كل محاولات العلماء، من نيوتن إلى أينشتاين، لمحاولة العثور على "حجر أساس" مادي للكون، باءت بالفشل، حيث تبيّن أن الكون يتشكّل من حقول طاقة عملاقة تتفاعل في ما بينها في وحدة كاملة متسقة، لاوجود فيها للعناصر المادية الفردية المستقلة عن بعضها البعض.
الوجود، بكلمات أخرى، "فكرة " عملاقة" لا آلة عملاقة. و"جُسيم الله"، في حال تأكد نهائياً وجوده، قد يكون هو نفسه تأكيد لهذه الفرضية، لأن ماعثر عليه العلماء ليس الوجود المادي نفسه لهذا الجسيم، بل حقل طاقته الذي يتضمن الجزء في الكل والكل في الجزء.
كم كان الشاعر وليام بليك مُحقًا  حين قال:
كي تشاهد العالم في حبّة رمل،
والسماء مُجسَّدة في زهرة بريّة
إقبض على اللانهاية في راحة يدك
ومعها الأبدية في لحظة واحدة

 _______________________________________________________________

                                                                               

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

ماذا قال لي "الإله" عمر البشير؟






في عدد اليوم
26-6-2012
www.saadmehio.com
__________
1- مقال: ماذا قال لي "الإله" عمر البشير؟
2- كاركاتير(الرئيس بشار الأسد).
3- تحليلان  عن سياسة واشنطن تجاه الرئيس المصري مرسي

_______________
ماذا قال لي "الإله" عمر البشير؟
سعد محيو
المشهد مذهل بالفعل، لابل هو سوريالي:



رئيس بعد رئيس في المنطقة العربية، يعرب عن ثقته المطلقة بأن بلاده لن تشهد أي لون من ألوان الربيع العربي، لا الآن ولا غدا.
البداية كانت مع الرئيس حسني مبارك، الذي أكد جازماً أن بلاده مصر ليست تونس. ثم تلاه الرئيس بشار الأسد الذي كان واثق الخطوة يمشي ملكاً وهو يبلغ "وول ستريت جورنال" أن سوريا لن تشهد اضطرابات، لأن شعبها" راضٍ تماماً عن سياسات نظامه". أما العقيد الراحل معمر القذافي، فكان أقل ثقة لكن أكثر حسماً. فهو لم يستبعد تمدد الربيع إلى ليبيا، لكنه حذّر الليبيين من أنه "سيجتاح غرف نومهم" إذا ما فكّروا بتكرار نموذجي تونس ومصر.
والآن جاء دور عمر البشير، الذي تعلّم على مايبدو من  أخطاء التقدير التي وقع فيها زملاؤه في نادي الرؤساء السلطويين العرب في حسبة أيام الربيع، فاستنبط فكرة أخرى: هذا الفصل لن يأتِ إلى السودان لأنه تكرر فيه مرتين في السابق، خلال الانتفاضتين الشعبيتين عامي 1964 و1985.
لقد تسنى لكاتب هذه السطور لقاء الرئيس البشير مرتين: المرة الأولى في 8 تموز/يوليو 1989، أي بعد انقلابه العسكري بثمانية أيام الذي تربّع فيه منذ ذلك الحين على عرش السلطة. والثاني في شباط/فبراير 2007 خلال مهمة صحافية أخرى.
في اللقاء الأول، بدا لي الرجل شخصية مُحببة ومُهذبة ومُتواضعة، تُنصت باهتمام اكثر مما تتكلم، وتتعلّم أكثر مما تُعلِّم، وتحمل كبار الآمال بسودان متحرر من الفساد والمحسوبيات. سودان يسير على طريق التنمية والتطور، والوحدة الوطنية، والتعددية الديمقراطية.
صحيح أن الرئيس الجديد اظهر سذاجة سياسية فائقة حين نجحتُ في استثارة انفعاله، فانتصب واقفاً وهو يصرخ أنه "لايمانع في انفصال الجنوب" (وهذا كان العنوان الرئيس لصحيفة "الخليج" التي كنت أعمل بها، والذي تصدّر أولى الأخبار العالمية آنذاك). لكنها مع ذلك سذاجة كانت تنم عن بساطة وطيبة.
في اللقاء الثاني، عاينت مشهداً مناقضاً تماما: عمر البشير لم يعد ير شيئاً من حوله. ولايعرف مع من يتكلم ولا يريد أن يعرف. الأصوات من حوله بدت وكأنها في كوكب وهو في كوكب أخر. عمر البشير لم يعد ير سوى عمر البشير.
وحين سألته عن خططه لتلبية مطالب الشعب والمعارضة، قال جملة كررها بشكل مذهل بشار الأسد بعده بسنوات:" وهل أنا موظّف لدى الجماهير"؟.
لقد حدثت "النقلة- اللعنة" التي تُصيب كل من عَلِقَ في شبكة عنكبوت السلطة المطلقة: تضخّم الأنا (Ego ) الذي جعل الفراعنة يؤمنون أنهم آلهة، وملوك أوروبا أنهم سدنة الحق الإلهي. تلك الأنا التي دفعت معمر القذافي إلى أن يظن حتى اللحظة الأخيرة أن "الملايين"، التي بات يختصرها في ذاته المقدسة، ستنتفض للدفاع عن قادئها الأبدي؛ والتي جعلت بشار الأسد يعتقد بأن وراء كل طفل في درعا مؤامرة في أنقرة.
الامبرطور يوليوس قيصر أدرك الألعاب المدمِّرة للأنا الأنانية في الإنسان، فعيّن أحد الفلاسفة مساعداً له بوظيفة وحيدة يتيمة: كلما كان يوليوس يجوب شوارع روما احتفالاً بنصر عسكري جديد له، كان الفيلسوف يجلس وراءه في العربة ويهمس في أذنه: تذكّر يا يوليوس أنك بشر لا إله. تذكّر أنك بشر لا إله".
بعد نحو 23 سنة في السلطة المطلقة،  انضم عمر البشير إلى ركب أشباه الآلهة، وأسقط عنه كل قسمات التواضع، وملامح الطيبة والأثرة، وحب الصالح العام. رجل الدولة أصبح هو الدولة. وقائد الأمة أصبح هو الأمة. لم يعد هناك إلى جانب البشير وحوله سوى البشير. ولولا هبوط الأديان السماوية على الأرض التي حصرت الألوهة في مطلق واحد، لكانت المنطقة العربية تعج الآن بكل أصناف الآلهة وأنواعها.
المشهد مذهل بالفعل، لا بل سوريالي.
لكنه مشهد بدأت تتساقط ألوانه وخطوطه قطعة قطعة. إنه مشهد آيل إلى الاندثار.
والبداية الحقيقية لهذه النهاية لم تكن في تونس، بل في مصر التي انطلقت منها فرعونية الألوهة، والتي تقوم أرض الكنانة اليوم بدفنها مع كل بهارجها وثقافتها ومفاهيمها.
السودان لن يكون استثناء في هذه القاعدة التي تجتاح كل المنطقة. هذا أكيد. لكن، هل تكون البحرين والكويت والسعودية وبقية بلدان الخليج هي هذا الاستثناء، كما يقال لنا الآن؟
                                                                        (غدا نتابع)
                        _____________________________
كاركاتير


                    ________________________________________

يتنبأون، يتكهنون، يتوقعون

كيف تقرأ واشنطن فوز مرسي برئاسة مصر؟
"مجلس العلاقات الخارجية" هو مركز الأبحاث الأميركي الذي يوصف بأنه "صانع الرؤساء" والخطوط العامة للسياسة الخارجية الأميركية.
هنا مقالان نشرا اليوم في موقع المجلس، يتطرقان إلى معنى وأبعاد فوز الدكتور محمد مرسي بالرئاسة في مصر، وإلى طبيعة الأطلالة الأميركية على الديناميكات الجديدة في الحياة السياسية المصرية، خاصة منها العلاقات بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجماعة الأخوان المسلمين:  

1- What Morsi's Win Means for Egypt
________________

2- Egypt’s Military Adopts Turkish Model to Retain Power Over Morsi

__________________