للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اوباما. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اوباما. إظهار كافة الرسائل

السبت، 27 سبتمبر 2014

أميركا وروسيا نحو "تدويل" الصراع السنّي- الشيعي



- I -
تساءلنا بالأمس (اليوم، غدا- 26-9-2014): ماذا أيضاً في جعبة الولايات المتحدة في حربها الجديدة في الشرق الأوسط؟وكيف سترد روسيا والصين وإيران على مايمكن أن يُعتبر بحق هجوماً جيوسياسياً أميركياً جديدا، ومن الطراز الأول كذلك؟
واشنطن تدرك تماماً أن حربها الجوية على الدولة الإسلامية، لن تكون بأي حال قادرة على إلحاق الهزيمة بها، ولا حتى احتوائها. لا بل قد يكون العكس هو الصحيح، إذا ما أدت لافعالية هذه الغارات من فوق إلى تعزيز معنويات مقاتلي وأنصار داعش من تحت، تماماً، كما أن حماس وحزب الله يعتبران عدم اندثارهما في وجه آلة الدمار الإسرائيلية انتصاراً في حد ذاته.
وثمة دليل أخر: على رغم مرور أكثر من شهر على الغارات الجوية (في العراق) وأسبوع على غارات سورية، لم يتوقف تقدُّم داعش في بعض المناطق، مثل بلدة عين عرب الكردية السورية، وبعض مناطق الرمادي وحتى في قرى لاتبعد سوى 50 كيلومتراً من بغداد.
هذا لايعني بالطبع أن داعش غير متضررة، مادياً، من هذا القصف. فمنشآتها النفطية التي تدر عليها أكثر من 30 مليون دولار شهرياً دُمٍّر معظمها، وكذا الأمر بالنسبة إلى مستودعات السلاح والمؤن ومراكز القيادة والتوجيه. والأهم أن الغارات عرقلت عملية بناء مؤسسات الدولة التي كانت تقوم بها المنظمة، بسبب اضطرار قادتها ووحداتها إلى الاختباء.
- II -

ومع ذلك، ومرة أخرى، الغارات لن تكون كافية لا لاحتواء داعش ولا بالطبع لإلحاق الهزيمة بها.
ولأن المخططين الأميركيين يدركون ذلك، فهم مضطرون لأن يبرموا تحالفات قوية ومتينة مع القواعد السنّية العراقية والسورية وفي باقي أنحاء المنطقة، طالما أن الشيعة والعلويين والأكراد لم يستطعوا تدمير داعش. وقد كان أحد المؤشرات الفاقعة على هذا الاتجاه، مشاركة  دول سنّية فقط، خليجية والأردن، مباشرة في الحرب الجوية، وما سيليها حتماً من تحركات قريبا اميركية- خليجية مكثفة نحو سنّة العراق وسورية.
جاء في تقرير حديث لـ"مؤسسة دراسة الحرب" الأميركية:
    "إن جوهر التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة في العراق وسورية هي مشكلة تمكين الطائفة السنّية العربية الممتدة من بغداد إلى دمشق ومن تركيا إلى الأردن من إلحاق الهزيمة بمشتقات القاعدة والمنظمات المنشقة عنها، خاصة وأن هذه المنظمات المتطرفة تتعمد التمركز في المناطق ذات الغالبية السنّية".
مواجهة هذا "التحدي" ستعني في العراق تشكيل ميليشيا سنّية سيتراوح عددها بين 150 إلى 250 ألف عنصر تحت مسمى الحرس الوطني، الذي سيكون تابعاً اسمياً للحكومة المركزية في بغداد، لكنه سيتحوّل فعلياً إلى سلطة حكم ذاتي قوية في المحافظات السنّية. وهذه ستكون نقطة اختلاف مركزية عن تجربة ميليشيات الصحوات في عامي 2007- 2008. فهذه الأخيرة شكّلت استناداً إلى سياسة فرّق تسد بين القبائل السنيّة، في حين يفترض أن كل القبائل السنّية أو معظمها ستُقبل الآن على الانضمام إلى حرس وطني تدربه وتسلحه الولايات المتحدة وتموّله دول الخليج (كما حدث أيضاً مع الصحوات).
في سورية، لاتبدو الصورة واضحة على هذا النحو. لكن ثمة أحاديث أيضاً عن جهود تبذلها السعودية والأردن، بما لهما من امتدادات مجتمعية في سورية بدعم من الولايات المتحدة، لإنشاء صحوات عشائرية سورية، جنباً إلى جنب مع زيادة تدريب القوات الخاصة السنيّة (عددها الآن تحت التدريب نحو 4000) التابعة لبقايا الجيش الحر.
في الأردن ولبنان، اللذين كانا الأهداف التالية في برنامج تمدد داعش قبل الغارات،  سيتم التركيز على تعزيز قدرات الدولة في كلا البلدين، مع تمكين القوى السنّية المعتدلة عبر المال (وحتى عبر السلاح إذا ما تطلب الأمر)، ودفعها إلى مواجهة الحركات المتنشددة، خاصة في الشمال اللبناني والجنوب الأردني.
بيد أن الحلقة الأقوى في " الخطة السنّية" الأميركية ستكون بالطبع تركيا. فإذا ما أُعطيت هذه الأخيرة  ماتطلبه من واشنطن، خاصة تغطية طموحها بإقامة مناطق عازلة داخل الأراضي السورية والعراقية، وبالتالي إطلاق يدها في تشكيل المستقبل السياسي لمنطقة الهلال الخصيب، فإنها ستكون أكثر من مستعدة لوضع الثقل السنّي التركي الكثيف في المعركة ضد الدولة الإسلامية والقاعدة.
- III -
حين تكون الولايات المتحدة بالدف السني ضاربة، فماذا يمكن أن يُنتظر من إيران وروسيا أن تفعل غير تعزيز مواقع الشيعة في مواجهة هذا التحالف الاميركي- السني الجديد، خاصة وأن مثل هذا التحالف سيوجّه نصاله في نهاية المطاف إلى حلفائهما الرئيسيين: الأسد في دمشق، والقوى الشيعية الحاكمة في بغداد.  
وهذا يعني أنهما ستعمدان إلى تعزيز الميليشيات الشيعية الحالية في العراق، والميليشيات الأقلاوية العلوية والمسيحية والشيعية في سورية، إضافة بالطبع إلى حزب الله، بعد أن فشل الجيشان النظاميان العراقي والسوري في القيام بمهمة انهاء التمرد السنّي.
والحصيلة؟
إنها واضحة، أو يفترض ذلك: تدويل الصراع السنّي- الشيعي، وتحويله إلى أداة رئيس في الصراعات الدولية الراهنة التي عادت (كما أشرنا بالأمس) إلى حقبة الصدامات الجيو- سياسية التي كانت سائدة قبل الحرب الباردة.
وهذا سيكون بمثابة حريق إقليمي كبير جديد أكثر هولاً، كما سنرى في حلقة ثالثة من هذه المقالات.
سعد محيو

الأحد، 9 يونيو 2013

أوباما "الاستنكافي" يقترب من "الهاوية"

   
- I -
باراك أوباما يبدو هذه الأيام كفارس منفرد يحاصر وحده قلعة محصنة. وهو يقاوم منذ سنتين كل الضغوط الهائلة التي تمارس عليه للتدخل في الأزمة السورية، من الداخل كما من الحلفاء في الخارج.

ففي سابقة برزت قبل أشهر، أسقط الرئيس الأميركي اقتراحاً مشتركاً وقّعه وزيرا الخارجية والدفاع ومدير "السي. أي. آي"(أي عملياً كل جهاز الأمن القومي الأميركي) يدعو إلى دعم المعارضة المسلحة السورية. وبعدها بقليل، كان يدحرج رأس اقتراح آخر من جنرالات البنتاغون لإقامة منظمة عازلة وحظر طيران في جنوب سورية أو شمالها.
وحتى حين خرق الرئيس السوري الأسد "الخط الأحمر" الذي رسمه أوباما بخط يده من خلال استخدام الأسلحة الكيمائية، لم يعمد هذا الأخير سوى إلى المراوغة وطلب "الأدلة الدامغة" على ذلك. ثم أنه توّج كل هذه التراجعات بسكوته على الإهانة التي تعرّض إليها وزير خارجيته كيري، حين جعله الرئيس بوتين ينتظر ثلاث ساعات قبل أن يلتقيه ويوافق معه على مؤتمر دولي للسلام في سورية بشروط روسية شبه كاملة.
وفي الوقت نفسه، كان أوبما يضرب عرض الحائط بكل المناشدات، وحتى"الاستغاثات"، التي انطلقت من حناجر العديد من الأنظمة العربية الحليفة له وتركيا، على الأقل لمجابهة التدخلات الإيرانية الفاقعة في سورية.
- II -
ما هذا الذي يجري؟ ما تفسيره أو تبريره؟
الاجتهادات هنا تكاد لاتُحصى.
فالبعض يقول إن أوباما سئم من حروب جورج بوش في الشرق الأوسط، إلى درجة أصابته بحساسية شخصية من فكرة أي تدخل عسكري جديد، في وقت سحب فيه قواته برمتها من العراق ويتأهب لسحب من تبقى من وحدات في أفغانستان العام 2014. أما تدخله المتأخر في ليبيا، فقد قام به مكرهاً، بعد أن تبيّن أن حلفاءه الفرنسيين والبريطانيين يتعثرون على نحو خطر في عملياتهم العسكرية ضد قوات العقيد معمر القذافي.
والبعض الأخر يُنحي باللائمة على كلٍ من الأزمة الاقتصادية الاميركية (التي دفعت أوباما إلى رفع شعار "بناء الأمة الأميركية" أولاً) واستراتيجية التوجه شرقاً (Pivot ) نحو آسيا- الباسيفيك، لتفسير سياسة النأي بالنفس الأميركية في سورية.
وثمة طرف ثالث يقول أن أوباما مرتاح لموقف اللاموقف هذا، طالما أن إسرائيل لاتزال تدعم بقاء نظام الرئيس الأسد في السلطة. إذ أن هذا الموقف الإسرائيلي يحيّد عنه سهام الكونغرس الأميركي الذي يدين بالولاء الكامل لأي موقف يتخذه اللوبي اليهودي- الإسرائيلي.
وماذا أيضا؟
هناك من يرى أن أوباما لايريد أن يخوض حرباً باردة أو ساخنة مع روسيا في سورية، لأنه يحتاج إليها في معركته ضد الإرهاب، وكذلك لأنه لايريد أن يرمي بوتين في أحضان الصين بالكامل.
كلٌ من هذه المبررات يمتلك شيئاً من المنطق. لكن الحصيلة في خاتمة المطاف واحدة: أوباما يطلق في كل الاتجاهات إشارات خطرة توحي بأن الولايات المتحدة في حالة انحسار حقيقي، ليس فقط في الشرق الأوسط بل في كل أنحاء العالم، بما في ذلك حتى في آسيا/ الباسيفيك التي يفترض أن الولايات المتحدة تركّز جل مواردها فيها الآن.
فالانكفاء الأميركي في سورية جعل إيران جريئة للغاية إلى درجة زج نخبة وحداتها العسكرية، من مقاتلي حزب الله إلى ضباط وخبراء الحرس الثوري، في معارك علنية ومباشرة إلى جانب النظام السوري، من دون أن تخشى ردة فعل أميركية وأطلسية.
وروسيا اشتمت هي الأخرى رائحة الدم الأميركية، فضربت عرض الحائط بكل المناشدات الأميركية بوقف تسليح النظام السوري، وأعلنت انها ستزوده أيضاً بصواريخ أرض- جو "أس-300 المتطورة، موحية بذلك هي الأخرى بأن باتت متأكدة بأن النمر الأميركي فقد الكثير من مخالبه وأنيابه.
وحتى الصين، التي لم تدعم الموقف الروسي ضد الغرب في مجلس الأمن حيال سورية سوى من باب الابتزاز لواشنطن، رأت في التراجع الأميركي في الشرق الأوسط مناسبة لها للتقدم في العديد من نقاط الصراع الجيو سياسي مع الدول الحليفة أو الصديقة لأميركا في الباسيفيك.
وليس من الضروري بالطبع التذكير بأن الدول العربية وتركيا الحليفة للولايات المتحدة بدأت بالتفكير الآن بما تعنيه هذه السلوكيات الأميركية بالنسبة إلى أمنها القومي الخاص. وليس مستغرباً بعد ذلك أن نسمع عما قريب  أن بعضها ربما يبدأ الاستدارة شرقاً هو الأخر، بحثاً عن الأمن والأمان في كنف دول كبرى أخرى مستعدة لتوفيرهما.
ماذا يعني كل ذلك؟
إنه يعني، ببساطة، أن سياسات الفارس الأميركي المنفرد أوباما، بدأت تأكل من هيبة القوى العظمى الوحيدة في العالم. وهذا لن يؤثر فقط في نهاية المطاف على المواقع الاستراتيجية الأميركية في العالم، بل أيضاً على مصالح واشنطن الاقتصادية والتجارية.
لماذا؟
لأنه منذ أن توقفت الولايات المتحدة قبل عقدين أو ثلاثة عن كونها الموتور الاقتصادي والصناعي الأول في العالم في ظل العولمة، بات دورها كشرطي العالم المحافظ على أمنه هو الضمانة الوحيدة لتدفق الاستثمارات الخارجية عليها وللحفاظ على موقع الدولار كعملة الاحتياط الأولى.
وبالتالي، إذا ماواصل هذا الشرطي استنكافه عن القيام بالدور المنوط بها، لن يتأخر الوقت قبل أن  يبدأ الدولار، ومعه موقع أميركا كدولة عظمى، رحلته إلى الهاوية.
- III -
هل تعيين أوباما لسوزان رايس "المُتفجٍّرة" (كما توصف) مديرة لمجلس الأمن القومي الأميركي، مؤشر على أن أوباما بدأ يدرك مخاطر سياسته الاستنكافية هذه؟

(غدا نتابع)
سعد محيو

الأربعاء، 20 مارس 2013

هل ثمة مفاجآت يحملها "الحاج" أوباما؟



- I -
هل صحيح أن جولة الرئيس الأميركي أوباما التي بدأت اليوم في الشرق الأوسط "لاطعم لها ولارائحة"، عدا تلاوين "الحج" إلى الأراضي المقدسة؟
  " الحاج أوباما" في إسرائيل: ماذا وراء الأكمة؟ (الصورة من غوغل"

هذا الرأي رائج بكثافة، ليس فقط في إسرائيل والضفة الغربية والأردن التي سيزورها أوباما، بل حتى في الداخل الأميركي الذي يعتبر (على رغم التأييد الكاسح لإسرائيل فيه) أن الأولويات الداخلية الأميركية أهم حتى خطب ود اليهود الإسرائيلييين.
ومما قد يفاقم من انطباع "اللاطعم واللارائحة"، أن الرئيس الأميركي سيمضي قدراً جيداً من الوقت في زيارات سياحية تشمل قبر تيودور هيرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، والمتحف المتضمن وثائق البحر الميت، وجامعة إسرائيلية حيث سيلقي خطاباً هناك (وليس أمام الكنيست).
وتعتقد فايننشال تايمز أن جولة أوباما ستركّز بالدرجة الأولى على فتح أقنية إتصال وتواصل مع اليهود الإسرائيليين الذي يعتقد معظمهم أنه "لايحب  الدولة العبرية"، إلى درجة أن 10 في المئة منهم فقط رحبوا بزيارته.
- II -

حسنا. كل ذلك صحيح.
لكن، ومهما كانت نتائج هذه الزيارة سلبية في مايتعلق بالتسوية الفلسطينية- الإسرائيلية والصراع العربي- الإسرائيلي العام، إلا أنها لابد أن تتضمن حيثيات استراتيجية حول مستقبل التحالف الأميركي- الإسرائيلي، خاصة في ضوء منحى "الاتجاه شرقاً نحو آسيا/الباسيفيك( Pivot) الذي تبنته إدارة أوباما، والذي سيتطلب تقليص الأعباء الأميركية في الشرق الأوسط وزيادة مساهمات حلفائها الإقليميين فيها، خاصة تركيا والسعودية، إلى جانب إسرائيل.
بكلمات أوضح، سيكون على جدول أعمال مباحثات أوباما- نتنياهو مسألة تحديد الدور الإسرائيلي في هذا التوجّه الجديد، سواء في إطار العلاقات مع تركيا الأطلسية أو في سياق السياسات إزاء إيران.
في النقطة الأولى، يتوقّع أن يضغط أوباما لإصلاح ذات البين بين أنقرة وتل أبيب، لأن التنسيق بين هذين الطرفين سيكون ضرورياً للغاية على المدى القريب لملء أي فراغ قد تتركه الاستدارة الأميركية نحو أسيا.
أما في النقطة الثانية، فسيكون على أوباما إقناع نتنياهو بأنه مايريده هذا الأخير حرباً، وهو ضعضعة النظام الإيراني ووقف برنامجه للتسلح النووي، يمكن تحقيقه سلماً عبر الخنق الاقتصادي والتدمير الاستراتيجي لمواقع نفوذه في المنطقة العربية.
وهنا ستطل الأزمة السورية برأسها، بصفتها إحدى الوسائل الرئيسة لـ"إعادة الذئب" الإيراني إلى داخل حدوده حيث قد يختنق بأنفاسه (وفق تعبير ميترنيخ عن نابليون). لكن عملية الاقناع ستكون هنا معكوسة: إذ يتوقع أن يواصل نتنياهو رفض إسقاط نظام الأسد بعد أن أمضيا معاً 40 سنة في سرير زوجي ناجح، وأن تشديد رامي مخلوف على ترابط أمن إسرائيل بأمن النظام السوري الراهن لايزال صحيحا؛ فيما سيحاجج أوباما بأن الضرورات الإيرانية من وراء إطاحة الأسد تفوق المحظورات الإسرائيلية الخاصة بخسارة حليف غير معلن ولكن موثوق،.

- III -
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنها تعني، بوضوح، أن جولة أوباما الشرق أوسطية لن تقتصر فقط على العلاقات العامة، والجولات السياحية، والزخارف الإعلامية، بل ستكون لها أبعاد استراتيجية ستظهر نتائجها في وقت قريب.
لا بل أكثر: التركيز المتوقّع للرئيس الأميركي على وقوف بلاده إلى جانب الإسرائيليين في تصديهم لمخاوفهم الأمنية الجديدة في المنطقة، سيكون في الواقع تمهيداً سايكولوجياً لما هو استراتيجي: إعادة رسم خريطة النظام الإقليمي الشرق أوسطي، في إطار سياسة الاستدارة شرقا.
وفي مثل هذه الخريطة، ينتظر أن يبقى دور إسرائيل بارزاً، وواضحاً، وكبيرا.

سعد محيو

الخميس، 21 فبراير 2013

أوباما والخليج: انقلاب "باسيفيكي- إديولوجي" (الحلقة 4 والأخيرة)



للتواصل المباشر مع الكاتب:

saad-mehio@hotmail.com

-I -
تساءلنا بالأمس(الحلقة الثالثة من "الاستراتيجية الأميركية"): هل ثمة تأثيرات لسياسة "الاستدارة" الأميركية(Pivot ) نحو آسيا على توجهات واشنطن في الشرق الأوسط؟
 مرسي وكلينتون: حلف أميركي مع "إسلام سياسي جديد" (الصورة من غوغل




والجواب:  نعم، حتما.
فالولايات المتحدة تعتبر أصلاً أن منح الأولوية في سياستها الخارجية لمنطقة آسيا-الباسيفيك، فرضت سحب كل قواتها من العراق وأفغانستان وإغلاق ملف الحرب فيهما التي استنزفت الخزينة الأميركيةبمبلغ تجاوز التريليوني دولار.
وبالطبع، حين تقرر واشنطن الانسحاب من هاتين الحربين ونقل الموارد منهما إلى منطقة الباسيفيك، لايتوقعن منها أن تنغمس في وقت قريب في حروب أو نزاعات أخرى في الشرق الأوسط، إلا إذا ما تطلّب الأمن القومي ذلك أو تعرَّض وجود إسرائيل إلى تهديد خطير.
وهذا بالتحديد، على أي حال، ما فعلته إدارة أوباما خلال السنتين الماضيتين:
-  فهي لم تلعب في حرب إسقاط القذافي سوى دور داعم لفرنسا وبريطانيا. لا بل لم تتدخل عسكرياً هناك، إلا بعد أن بدا واضحاً أن حليفتيها غير قادرتين على حسم الأمور بمفردهما.
- وهي رفضت التدخل ضد الجهاديين الإسلاميين في مالي، وقذفت العبء كله على الطرف الذي له أكبر المصالح في الموارد الطبيعية لمنطقة الساحل الإفريقية: فرنسا.
- ثم أنها (الإدارة) قاومت كل الضغوط التي مارستها عليها كل المؤسسات الأميركية تقريباً، من البنتاغون إلى السي.أي. آي ووزارة الخارجية، لتزويد بعض أطراف المعارضة السورية بالأسلحة المتطورة، خوفاً من أن يقودها ذلك إلى التورط بالتدريج في الأزمة السورية.
-II -

باراك أوباما بعد العراق وأفغانستان، يفعل تماماً مافعله ريتشارد نيكسون بعد فيتنام، حين عمد هذا الأخير إلى تقليص الالتزامات الأمنية- العسكرية الأميركية المباشرة في العديد من بقاع العالم و"لزّمها" إلى قوى إقليمية موالية للولايات المتحدة شاه إيران وإسرائيل في الشرق الأوسط، والبرازيل في أميركا اللاتينية، وتركيا في البلقان وآسيا الوسطى، وحلف الأطلسي في أوروبا، وجنوب إفريقيا والمغرب في القارة السمراء.
والأن يُتوقع أن يفعل أوباما الأمر نفسه في الشرق الأوسط، الذي كان محور الاهتمامات المركزية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة العام 1991. فهو سيعتمد أكثر فأكثر على تركيا في منطقتي الشرق الإسلامي (الدول العربية ودول آسيا الوسطى)؛ وسيكون مهتماً أكثر من أي وقت مضى بدمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية الشرق أوسطية من خلال دفعها إلى التحالف مع الدول العربية و(مجدداً) مع تركيا؛ وسيواصل العمل على "تفليس" إيران وتجويعها بهدف دفعها في نهاية المطاف إلى الجثو على ركبيتها، أو التعرُّض إلى الانفجار من داخلها.
وكل ذلك بهدف تقليص الأعباء الأميركية في هذه المنطقة، ونقل الموارد الضخمة التي خصصت لها في السابق إلى منطقة آسيا- الباسيفيك.
-III -
بالطبع، هذا لايعني أن أميركا ستدير الظهر للشرق الأوسط. فطالما أن هناك قطرة نفط واحدة هناك، ستبقى هذه المنطقة، كأمن قومي أميركي، على رأس الأولويات الأميركية، بسبب الدور الكبير للنفط في تحديد من سيكون الأقدر على الإمساك بقارة أوراسيا من عنقها.(ومن يمسك بهذه القارة يحكم العالم).
وبالمثل، طالما أن إسرائيل باقية على خريطة الشرق الأوسط، ستكون إي إدارة أميركية ملزمة بالاهتمام بهذه المنطقة لاعتبارات محلية أميركية، واستراتيجية عامة، وأمنية.
لكن هذه الاستمرارية في الاهتمام لن تعني أنه لن يكون هناك تلاويين جديدة في السياسة الأميركية الشرق أوسطية، خاصة في مايتعلق بمنطقة الخليج العربي.
فعلى رغم أن أميركا ستبقى اللاعب الإقليمي الرئيس في الخليج، إلا أنها ستكون حريصة على ألا تتوسع مظلتها الأمنية ضد الخصوم الخارجيين الذين يهددون دول المنطقة لتصبح تورطاً غير مرغوب فيه في النزاعات الداخلية التي قد تنشب في هذه الدول.
البحرين نموذج أوّلي على هذا التطور. فعلى رغم أن واشنطن لم تقف علناً إلى جانب الانتفاضة الشعبية البحريينية، إلا أنها لم تقف أيضاً إلى جانب الحل الأمني- المخابراتي الذي تبنَّته الحكومتان البحرينية والسعودية، وواصلت المطالبة بحل سياسي للأزمة. وهذا موقف لم يكن متصوراً من جانب واشنطن.
هذه نقطة.
وثمة نقطة أخرى لاتقل أهمية. أميركا بعد أحداث 11 سبتمبر لم تعد أميركا ماقبلها. فقد انهارت عملياً (وإن ليس علنا) الصفقة التاريخية بين الإسلام السياسي السعودي وبين الولايات المتحدة التي أبرمها الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز، مع انهيار برجي مركز التجاري العالمي، وحلّت مكانها رغبة أميركية في تشجيع ودعم إسلامي ليبرالي (على النمط التركي والإندونيسي) في كل أنحاء الشرق الأوسط، إضافة إلى رغبة أخرى في تحويل طاقة الجهاديين من الحروب ضد الغرب إلى حروب أهلية داخلية إسلامية.
وبالتالي، في حال برزت حركات إسلامية ليبرالية أو معتدلة في السعودية وباقي دول الخليج،(كما في دول الربيع العربي) وبدأت حملة شعبية للمطالبة يإصلاح النظام، لن تكون واشنطن في وارد معارضتها، إن لم نقل إنها قد تفكّر في دعمها على حساب تحالفاتها القديمة.
هنا، وفي هذه النقطة بالتحديد، نلمح التقاطع بين سياسة الاستدارة نحو آسيا- الباسيفيك التي تتضمن، كما ألمعنا، تقليص النفقات والالتزامات الأميركية في الشرق الأوسط، وبين الرغبة الاميركية في "إسلام سياسي جديد" يقوم هو بالتصدي للإرهاب الجهادي، وينجح في خلق الاستقرار السياسي والإديولوجي في هذه المنطقة الحساسة.
إنها، بكلمات أخرى، وكالة إقليمية جديدة في هذه المنطقة، شبيهة إلى حد بعيد بوكالات نيكسون الإقليمية السابقة. الإسلام السياسي هنا هو نفسه، لكن ألوانه وتفصيله اختلفت.
لكن في التفاصيل يكمن "الشيطان"، كما يقال!
سعد محيو


الخميس، 8 نوفمبر 2012

أوباما "سيجبن" في إسرائيل وإيران، و"يتشجّع" في سورية



 - أوباما- بوتين: بانتظار الصفقة السورية - الصورة من غوغل



العوامل الموضوعية لن تساعد أوباما في إيران وفلسطين وبقية الشرق الأوسط، سوى ربما في سورية.


- I -
حين أراد ديفيد أغناتيوس، الكاتب الأميركي (في واشنطن بوست، 8-11-2012)، تقديم النصح إلى الرئيس أوباما بعد فوزه بولاية ثانية، لم يجد في السياسة الخارجية سوى قضايا الشرق الأوسط كوسيلة لتحقيق الانجازات التي وضعها كلها في إطار "الصفقات":
صفقة مع إيران لإخضاع برنامجها النووي إلى المراقبة بهدف تجنُّب الحرب؛ صفقة في أفغانستان تساعد على تخطي الحرب الأهلية بعد مغادرة القوات الأميركية لهذه البلاد العصية على السيطرة العام 2004؛ صفقة لتحقيق انتقال سياسي في سورية، عبر تنظيم المعارضة السورية كي تصبح قوية بما فيه الكفاية لتقوم بالمساومات، ثم منح فلاديمير بوتين جائزة نوبل للسلام لمساعدته على تحقيق التسوية؛ وصفقة لإقامة دولة فلسطينية تحقق أمن إسرائيل وتعطي العالم العربي فرصة للمضي قدماً في عملية التحديث والدمقرطة.
أغناتيوس، المقرَّب من دوائر البنتاغون الأميركي، يريد من أوباما أن يكون "شجاعاً ومقداما" في ولايته الثانية للقيام بهذه "الصفقات"، بعد أن أثبت في ولايته الأولى أنه يفتقد إلى الحسم والكفاءة الاستراتيجية ويميل إلى التفاعل مع الأحداث بدل خلق الحدث، وإلى تجنُّب الخسارة بدل العمل على الربح.
لكن، هل أوباما في هذا الوارد؟.

- II -
ربما. فالرؤساء الأميركيون في ولايتهم الثانية يكونون متحررين عادة من الضغوط الانتخابية الخاصة بإعادة انتخابهم التي تمارسها مختلف لوبيات الضغط. لكن، مع ذلك، أي رئيس لايستطيع أن يتحرّك إلا في إطار ظروف موضوعية تساعده على تحقيق الانجازات في السياسة الخارجية.
فنيكسون وكيسينجر، على سبيل المثال، لم يكن في مقدورهما تحقيق الاختراق التاريخي مع الصين، لو لم تكن هذه الأخيرة جاهزة للقطيعة النهائية مع الاتحاد السوفيتي. والرئيس كارتر لم يكن لينجح في استيلاد السلام المصري- الإسرائيلي لولا وجود الرئيس أنور السادات في قصر الرئاسة الناصري.
هذه المعطيات غير متوافرة الآن في كلٍ من إيران وإسرائيل.
 فالأولى يسيطر عليها هذه الأيام صقور الحرس الثوري الذين "يعتاشون" اقتصادياً على شعارات التصعيد ضد أميركا، ولايبدون أي استعداد لإبرام صفقات تؤدي إلى وقف البرنامج النووي الذي يشرفون عليه، وإلى الحد من مصالحهم الاقتصادية الضخمة.
فضلاً عن ذلك، أميركا لن تقبل بأي صفقة كبرى مع إيران، لاتتضمن ليس فقط الحد من برنامجها النووي، بل أولاً وأساساً وقف طموحاتها الإقليمية في المنطقة العربية و"تناسي" رغباتها في محو إسرائيل من الخريطة، مقابل إعادة دمجها في النظام العالمي. وهذه أثمان فادحة لايبدو أن إيران مستعدة لدفعها. ليس بعد على الأقل.
والثانية (إسرائيل)، التي يسيطر عليه صقور الليكود، ليست جاهزة هي الأخرى لأي صفقة "كارترية" جديدة تؤدي إلى ولادة دولة فلسطينية، فيما هي تشعر بسعادة غامرة لقيام دويليتين فلسطينيتين متصارعين في كلٍ من غزة والضفة.
الصفقة الوحيدة التي يمكن أن ينجح فيها أوباما- 2 قد تتوافر في الوضع السوري، والتي يجب أن تتم بالطبع مع روسيا. إذ ثمة فرص قوية بإمكان إبرام مثل هذه الصفقة لجملة عوامل أهمها أن واشنطن لاتريد طرد النفوذ الروسي من سورية، بل المشاركة فيه في حد أدنى يتلخّص في جعل "سورية الجديدة" تبتعد عن إيران (من دون أن تقطع العلاقة معها)، وتقترب من المحور الأميركي- التركي- السعودي ( من دون أن تندمج فيه).
بالطبع، رأس بشار الأسد يجب أن يسقط حتماً في مثل هذه الصفقة. كما يتعيّن إعادة تنظيم الجيش السوري، من خلال "تنظيف" الفرقتين الرابعة والحرس الجمهوري من القيادات التي أشرفت على المذابح، ودمج قطاعات الجيش الحر في الجيش النظامي. وهذا أمر تستطيع روسيا القيام بها بسبب نفوذها الكبير على كبار الضباط العلويين، ولأن الجيش السوري من دون واردات السلاح السوري سيكون أشبه بفرقة موسيقية من دون أدوات موسيقية.
- III -
كما هو واضح، المسألة لاعلاقة لها بشجاعة أوباما أو جبنه في الشرق الأوسط، ، بل بالمصالح المتضاربة وطبيعة موازين القوى المحلية والإقليمية المتناقضة، كما بمآل الأزمات الاقتصادية الطاحنة في الداخل الأميركي.
وكما اعتاد نيقولو ماكيافيلي أن يقول:"النجاح نصفه موهبة، لكن نصفه الثاني يعتمد برمته على الحظ".
وأوباما يحتاج هذه الأيام إلى حقنات كبيرة من الحظ في الشرق الأوسط.

سعد


الاثنين، 5 نوفمبر 2012

الأميركيون يختارون غداً بين حدود القوة أو "جنونها"





- I -
قبل ساعات من توجّه عشرات ملايين الأميركيين إلى أقلام الاقتراع، كانت كل معطيات الحملة الانتخابية تصب في حصيلة واحدة: لم ينجح أي من أوباما ورومني لا في طرح أفكار خلاقة وطموحة حول كيفية "إعادة بعث" أميركا، ولا في إقناع الناخبين بأنهما يملكان خريطة طريق واضحة لمواجهة التحديات الجسام التي تعترض الولايات المتحدة.
رومني وأوباما: بين غورباتشوف وبريجنيف( الصورة من غوغل

 وهذا ربما يفسٍّر أسباب الفارق الضئيل بينهما في استطلاعات الرأي.
ومع ذلك، البون شاسع بالفعل بين هذين المتنافسين الكاريزميين اللذين أتيا من مجموعات أقلية كانت مقموعة بشدة حتى السنوات الأخيرة (طائفة المورمون والزنوج).
فأوباما جاء إلى السلطة ثم مارسها وهو معترفاً بتراجع مكانة أميركا الاقتصادية والاستراتيجية في الداخل الأميركي كما في العالم. وقد حاول حصر الخسائر عبر تقليص دور أميركا الدولي (الانسحاب من العراق وأفغانستان، ومهادنة الروس والصينيين، ومغازلة العالم الإسلامي)، وعبر محاولة انعاش الاقتصاد الانتاجي في الداخل من خلال سياسات كينزية تركزت على دور كبير للحكومة في عملية الانقاذ الاقتصادي (ضج زهاء تريليون دولار في صناعة السيارات ومشاريع البنى التحتية وضم 30 مليون أميركي إلى شبكة الأمان الصحي والاجتماعي".
في المقابل، كان رومني والصقور الجمهوريون (الذين يسيطرون الآن على الحزب) يندفعون إلى معارضة كل هذه الخطوات، التي وصفها بعضهم بأنها "اشتراكية"، ويتعهدون بإحياء الريغانية مع كل عتادها الرافض لكل ٍ من تدخُّل الحكومة، ولفرض الضرائب على الأغنياء، ولخطط الضمان الصحي والاجتماعي.
وعلى صعيد الدفاع والسياسة الخارجية، كان رومني يرفض أيضاً الاعتراف بحدود القوة الأميركية، ويتعهد بزيادة ميزانية البنتاغون برقم فلكي يبلغ الخُمس، ويصف روسيا والصين بأنهما "عدوان جيوسياسيان". وهذه بوضوح عودة فاقعة إلى سياسة جنون القوة التي مارسها جورج بوش الابن حتى الثمالة.
لكن، هل رومني وقوميو الحزب الجمهوري ومحافظوه الجدد قادرون على العودة إلى جنون القوة هذا؟
- II -
معطيات الاقتصاد الأميركي لاتوحي بذلك البتة. فالدين العام الأميركي تجاوز الـ16 تريليون دولار. ومعدلات البطالة لاتزال مرتفعة جدا. وفي أول السنة الجديدة 2013 سيكون هناك استحقاق كبير أطلق عليه جيمس بيكر تسمية "قنبلة الدين الموقوتة" ووصفه آخرون بأنه "حافة الهاوية المالية"، والتي فشل الجمهوريون والديمقراطيون طيلة الأشهر الماضية في الاتفاق على تسوية كبرى إزاءها.
وهذا يعني أن رومني سيغامر، في حال فوزه، ليس فقط بتعميق الهوة الطبقية المتفاقمة أصلاً بين الأميركيين، بل أيضاً بخوض مغامرات خارجية قد تدفع الولايات المتحدة إلى حافة خطر الإفلاس الحقيقي، وربما تقوّض الدولار كعملة احتياط عالمي.
لا بل ذهب زبغنيو بريجنيسكي إلى أبعد من ذلك. فهو حذَّر مؤخراً من أنه بدأت تبرز تشابهات عدة بين الاتحاد السوفييتي في السنوات الأخيرة قبل سقوطه وبين أميركا في أوائل القرن الحادي والعشرين.
فالاتحاد السوفييتي، كما أميركا الآن، أُصيب بالشلل السياسي وعجز عن القيام بإعادة نظر جدّية في توجهاته. وهو أفلس نفسه من خلال انخراطه في سباق تسلُّح قاتل مع الولايات المتحدة، ثم بخوض حرب دامت عقداً في أفغانستان استنزفته إلى حد كبير. وكان طبيعياً بعد ذلك أن يعجز عن منافسة الولايات المتحدة اقتصادياً وتكنولوجياً، وأن تتدهور مستويات معيشة شعبه، وصولاً في خاتمة المطاف إلى الانهيار. وكل هذه العوامل، برأي بريجينسكي، موجودة الآن في أميركا.
- III -
أوباما وعى هذه الحقيقة وأعلن مرات عديدة خلال السنتين الأخيرتين بأنه يقبل دوراً أميركياً أكثر تواضعاً في العالم، مركزاً بدلاً من ذلك على العمل لبث الروح في الاقتصاد الانتاجي وفي قطاع الغاز الطبيعي والطاقة الخضراء الذي قد يحقق لبلاده في وقت غير بعيد الاكتفاء الذاتي.
أما رومني وصحبه من المحافظين الجدد، فلازالوا يديرون الظهر لهذه المعطيات، ويصرّون على مواصلة ارتكاب الاخطاء السوفتييتية القاتلة المذكورة أعلاه، والتي أطلق عليها الكاتب بول كينيدي تعبير" التمدد الاستراتيجي الزائد".
والحصيلة؟
إنها واضحة: إذا ما كان أوباما هو "غورباتشوف أميركا"، كما يتهمه بعض الجمهوريين الآن، فأن رومني هو "بريجنيف الأميركي". والفارق بين الإثنين شاسع. فعلى رغم أن غورباتشوف فشل في انقاذ الاتحاد السوفتيتي، إلأ أنه حاول على الأقل ومدد قليلاً عمر النظام. هذا في حين أن سياسات بريجنيف كانت السبب في جمود وركود الاقتصاد والمجتمع والسياسة في الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أسفر في النهاية عن انهيار كل الصرح السوفيتي برمته.
الأميركيون سيجدون أنفسهم غداً أمام هذين الخيارين غير المُغريين. لكن عليهم أن يختاروا في نهاية المطاف بين حدود القوة التي قد توفٍّر لهم فرصاً إنقاذية ما وفترة سماح زمنية أطول، وبين جنون القوة الذي سيسرّع بشكل قياسي من دفع الولايات المتحدة إلى أحضان المصائر السوفييتية.

سعد