للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العولمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العولمة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 8 يناير 2013

الانهيارات المحتملة في دول الربيع العربي: فتِّش عن العولمة

- I -
كاريكاتور عربي في غوغل غاب عنه المصدر
" الإندماج في الإقتصاد العالمي هو تحد لكل من يجرؤ على " شراء "  العولمة وقبول مخاطرها التي تشمل خسائر الإستثمارات؛ توسَع الفجوة في المداخيل؛ تناقص القدرة على المنافسة؛ تلوث البيئة، وسيطرة النزعة الإستهلاكية. لكن في المقابل، العزلة وإستمرار الامر الواقع غير مقبولين، إذ ان المصير الأسوأ للدول من العولمة هو ألا تمَسها بالعولمة " . 
هكذا يرى البروفسور أنوش إحتشامي، رئيس قسم الحكومة والشوؤن الدولية في جامعة دورهام البريطاانية، إلى مستقبل العولمة في المنطقة العربية ومستقبل المنطقة في العولمة: مصير مشترك، وتفاعل حتمي لا مفر منه، طالما أن تدويل الأنتاج( الذي هو أس العولمة الناجم عن ثورة المعلومات والإتصالات)  هو أيضاً امر حتمي لا مفر منه. وهذا سيحدث على رغم كل التطورات السياسية والامنية التي جرت وتجري في حقبة الربيع العربي.
لكن أي إندماج؟ اي عولمة؟
- II -


ثمة سيناريوهان هنا:
الأول، هو ما يجري الأن على أرض الواقع: إستفراد قوى العولمة ومؤسساتها وهياكلها بكل دولة عربية على حدة، وربطها مباشرة إما بإسرائيل، أو بأوروبا، او بالولايات المتحدة..
خذوا، مثلاً ما يحدث الأن في مصر، حيث يضع صندوق النقد الدولي شروطاً قاسية للغاية على النظام المصري الجديد (رفع الدعم عن السلع الرئيسة، زيادة الضرائب، وفتح السوق المصري أمام مصالح شركات العملاقة متعدية الجنسيات.. الخ)، في مقابل منحها قرضاً بقيمة 4،5 مليار دولار وفتح أبواب الاستثمارات الأجنبية فيها. وبالطبع، إعادة الهيكلة هذه لابد وأن تؤدي حتماً إلى انفجارات إجتماعية لاحدود لها في بلد يعيش 40 مليوناً من مواطنيه تحت خط الفقر (أقل من دولارين في اليوم).
الاردن نموذج آخر للربط الاول( مع إسرائيل). وهذا يتم عبر إتفاقات التجارة الحرة والمشاريع المشتركة، التي تحظى بتسهيلات كبرى من الولايات المتحدة مثل تسهيل الدخول إلى أسواقها وتقليص الرسوم على الصادرات. هذا علاوة على أن الأردن يواجه شروط إعادة هيكلة مماثلة للهيكلة المصرية، الأمر الذي أسفر عن الاحتقان الانتفاضات الشعبية الراهنة.
المغرب العربي وبعض دول المشرق نموذج عن الإرتباط الثاني ( مع اوروبا) من خلال مشروع الشراكة الأوروبية – المتوسطية، فيما منطقة الخليج هي النموذج الثالث الذي تلعب فيه الإتفاقات الثنائية مع أميركا الدور الاول.
في كل هذه الحالات، تبدو المخاطر أكبر بكثير من الفرص بالنسبة الدول العربية. فهذه الأخيرة تجد نفسها مجبرة على تكييف إقتصاداتها بشكل منفرد مع متطلبات الشركات الأجنبية لا مع حاجات شعوبها المحلية؛ وتواجه صناعاتها الناشئة تحديات الموت السريع؛ وتسود لدى شرائح مجتمعها نزعة الإستهلاك الشديد، المترافق مع فجوات كبيرة في المداخيل بين الكثرة الفقيرة والقلة فاحشة الثراء المستفيدة من العولمة.
ثم هناك بالطبع التهديدات للهوية العربية. فما هو مطلوب في هذه المرحلة من إدماج المنطقة في الإقتصاد العالمي، لا يقل عن كونه دعوة إلى تدمير الهوية العربية، وإستبدالها إما بالهوية الشرق اوسطية او بالهويات الفرعية القاتلة المذهبية والطائفية والعشائرية.
السيناريو الثاني، هو تحقيق الإندماج الإقتصادي العربي قبل دمج المنطقة بالعولمة، أسوة بما جرى في أوروبا وأميركا الشمالية وجنوب شرق آسيا. هذا السيناريو لم ير النور بعد، على رغم إقرار اتفاقياته منذ نيف و60 عاما.
قد يقال هنا أن الغرب لن يسمح للعرب وهم في ذروة تدهورهم بما لم يسمح به لهم وهم في ذروة قوتهم: التوحُّد . لكن هذا ليس صحيحاً بالضرورة. فالتوَحد الان، وهو إقتصادي- تجاري بالدرجة الاولى، يخدم تماماً مصالح الغرب، فيما كان مشروع التوَحد العربي في الخمسينيات والستينيات سياسي- إستراتيجي يشَكل بالفعل تهديداً للمصالح الغربية.
- III -

الان، وطالما الامر على هذا النحو، لماذا لا تسارع الدول العربية لتحسين عملية إدماجها بشكل جماعي في الإقتصاد العالمي، بدل تعريض نفسها لمخاطر جمة بشكل إفرادي؟
سؤال ربما يبدو في غير وقته الآن، بسبب الضعف الشديد والانهيارات التي تضرب معظم البلدان العربية. لكنه سيفرض نفسه بعد حين، حين تشعر كل دولة عربية بأنها غير قادرة  على السباحة بمفردها في بحر عالمي متلاطم.
لكن، وحتى ذلك الحين، ستبقى الدول العربية هي الأسماك الصغيرة، في بحيرة متعولمة تعج بكل أصناف أسماك القرش  المفترسة والحيتان العملاقة.


                                                                                سعد

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

كتب جديدة: التاريخ لم ينته، والحروب آتية





مستقبليات 




- I -
حين إحتفل  الغرب بإنتصاره في الحرب الباردة ، بدت صورة العالم زاهية. فالاقتصاد الجديد وحصص السلام، وعدت بنمو إقتصادي متواصل. والولايات المتحدة أصبحت الدولة العظمى التي يتوقع ان تنتهج سياسات خيرة وحميدة إزاء الدول الاخرى.
- الحروب الشاملة آتية؟  الصورة من غوغل

بيد أن كل شيء تغيّر الان. فالاسواق تهاوت. والاقتصاد الجديد أثبت أنه هش. ويتعين على الاستراتيجيين أن يسألوا أنفسهم: ماذا ستعني كل هذه التطورات بالنسبة للأقتصاد والاعمال؟. هل هذه مجرد مرحلة من سوء الحظ، أم انها تتعلق بتغيير جذري؟ أي نوع من العالم نعيش فيه حاليا؟.
معظم النظريات الاستراتيجية حول هذه الاسئلة تعود الى حقب الصراع السوفياتي- الاميركي . وهي تتمحور حول خمسة إفتراضات .
الاول يقول أن النمو الاقتصادي هو القاعدة وأن  دورات الركود هي الاستثناءات .
والثاني ، أن إنتاج الموارد الطبيعية سيستمر. وأي  يحدث نقص في مورد ما،  سيقود الى إستبداله بمورد آخر تبدعه التطورات التكنولوجية.
والثالث، هو أن الشركات التي يملكها حاملو الاسهم، ستبقى الشكل المهيمن على التنظيم الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، ستعمل هذه الشركات في سوق حرة، في إطار قيود القانون والحكم الصالح.
والرابع، أن مصدرا مهما للنمو بالنسبة  للكثير من الشركات، سيتمثل في بيع خدمات على النمط الغربي للأجزاء الاخرى من العالم .
والخامس، أن النماذج الغربية لرأسمالية السوق الحرة والانتخابات الديموقراطية ستنتشر بالتدريج في كل انحاء العالم .

- II -
هذه الافتراضات ثبتت صحتها بالنسبة إلى معظم الدول الغربية، وخاصة الشركات الاميركية، طيلة الفترة بين 1945 و2000. وقد توّج فرانسيس فوكوياما هذه النزعة التفاؤلية الغربية بنظريته حول " نهاية التاريخ والانسان الاخير" ( 1992 ) . بيد أن رؤية فوكوياما تبدو الان متطرفة الى درجة الغلو في تفاؤلها.
وقد صدر مؤخراً كتب عدة تثبت وجود هذا الغلو .
فكتاب هاتون (العالم الذي نعيش فيه) ، على سبيل المثال ، ينحو باللائمة للمشاكل الراهنة في العالم على سيطرة اليمين على السياسات الاميركية. وهو يشدد على أن على الخلافات في منظومة القيم بين الولايات المتحدة وبين الدول الأوروبية لاتزال تهيمن فيها إيديولوجية تشكلت في عصر الانوار. بيد أن مثل هذه الايديولوجية لم تعد مناسبة الان لتلبية حاجات عالم متنوع ومتعدد الثقافة. والحل الذي يقدمه هاتون ، مثلا ، لبريطانيا، هو ان تلتحق عن كثب بأوروبا لتشكل قوة بديلة في العالم لموازنة الهيمنة الثقافية والاقتصادية والسياسية الاميركية .
ويدعم المؤلف فكرته بالعديد من الامثلة والحقائق والارقام. وهو على حق حين يقول أن لبريطانيا قواسم  مشتركة كثيرة مع اوروبا. لكنه يبدو متفائلا أكثر من اللازم حين يعرب عن إعتقاده بأن إندماج المملكة المتحدة بأوروبا سيحل المشاكل الاوسع.
الكتاب الثاني، وهو لهرتز (الصمت يسيطر) يرى المشكلة في الحرية المطلقة التي تتمتع بها الشركات الكبرى. وهو يقول إن هذه الشركات تسيطر الان على 25 في المئة من أرصدة العالم، وقد هيمنت بصمت على الحكومات التي أصبحت ألعوبة في يدها . فهي (الشركات) باتت ربة عمل السياسيين ومصدر أموالهم. وهي متحركة جغرافيا ولذلك تختار القوانين التي تعجبها أو تلائمها .الاغنياء يصبحون أكثر غنى، والفقراء أكثر فقراً. ومدى تعمق الكراهية للرأسمالية الجديدة تكشف عنه التظاهرات الحاشدة التي تجري بين الفينة والاخرى ضد العولمة. اما الأرهاب فليس سوى رأس جبل جليد المعارضة المختفية تحت السطح .
وتحبذ  المؤلفة هيرتز تغيير المسار لتجنب خسارة هوية الفرد والهوية القومية على يد ديناصورات الاقتصاد. وهي تتقدم بجملة إقتراحات لوضع الشركات العملاقة قيد السيطرة. وعلى سبيل المثال، الشركات الأم يجب أن تكون مسؤولة عن سلوكيات وممارسات فروعها في سائر أنحاء العالم .والعمال والمجتمعات يجب أن تعطى المدخل الى صندوق المساعدات القانونية. يجب تأسيس منظمة إجتماعية عالمية لموازنة الانحياز الى السوق الحر الذي تقوم به منظمة التجارة العالمة . ديون العالم الثالث يجب أن تشطب لتخفيف المشاكل التي تتعرض لها .
وتصف هيرتز بالتفصيل المشاكل التي تسببت بها إقتصادات السوق غير المقيدة، وتحذر من أن الامر الواقع الراهن لايمكن أن يستمر .
الكتاب الثالث لليغران ( عالم مفتوح : الحقيقة حول العولمة ) يشذ عن الكتب السابقة، من حيث تركيزه على أن الميكانيزمات الراهنة لحكم العالم أثبتت نجاحها، ويمكن أن تصبح أفضل مع بعض التعديلات .
ويشير ليغران، الذي عمل في منطمة التجارة العالمية، أن العولمة ليست شيئا جديدا. وهو يقدم تاريخا موجزا لها ، ويثبت ان كل نتائجها كانت إيحابية .ويطل المؤلف على الشركات متعددة الجنسيات على انها " عمالقة بأرجل من طين " ولا تشكل سوى خطرا خياليا على الحكومات . كما يقول أن المؤسسات الراهنة لحكم العالم لا تزال ناجحة من دون حاجة الى تغييرات بنيوية في مؤسساتها ، ويدعو الى مزيد من التحرير لأسواق المال .
الكتاب الرابع لسكروتون ( الغرب والباقون ) يركز على أسباب احداث 11 أيلول/سبتمبر . وهو يحلل العلاقة بين العالم الغربي والاصولية الاسلامية ، مشيرا الى أن الغرب ، على عكس ما فعل في الصين والهند ، قسم العالم الاسلامي بحدود إصطناعية. هذا إضافة الى أن المنطقة الاسلامية ستجد من الصعب عليها قبول القيم المادية الغربية بسبب تعلقها  بالقيم الروحية، الامر الذي سيعني دوما وجد فجوة بين الاسواق الحرة الاميركية وبين القيم الاسلامية .
الكتاب الخامس لغراي ( الفجر الكاذب ) يقول أن الصراع بين الرأسمالية والشيوعية كان في الحقيقة نزاعاً بن أيديولوجيتين متنافستين للثقافة الاوروبية  نفسها: التنوير . وهو يوافق على أن مستقبل العالم سيكون رأسماليا، لكنه يرى بروز العديد من الرأسماليات بدون أن يكون بينها قواسم مشتركة كثيرة .وبالتالي ، من الخطأ محاولة فرض الرأسمالية الاميركية في كل مكان .
غراي ليس متفائلا بالمستقبل ، ويخشى ان تنتهي المرحلة الذهبية الراهنة بحروب شاملة.
والأرجح أنه على حق.
______
لمن يستزيد:
 (Hugh Macmillan : strategic planning society- newsletter- 2009 )

الجمعة، 16 نوفمبر 2012

هل تنجح العولمة بـ"إبتلاع" الأديان؟


عولمة الدين (الحلقة الثالثة والأخيرة)
I
الأديان الرئيسة في العالم تندفع، إذاً، للإفادة من العولمة. لكن  هذه الأخيرة كما قلنا بالأمس لن تقف مكتوفة الأيدي. ولأنها تُمسك بكل صنابير الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، ستعمل أيضاً على محاولة تجيير الانقلابات الدينية والثقافية في العالم لصالحها.
النموذج الأول لهذه المحاولة كان توجّه الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان لاستيعاب ما بات يسمى
" الثورة الاصولية المسيحية " الثالثة، ووضعها في خدمة العولمة. ولم يكن صدفة بالطبع أن يكون ريغان "المؤمن الذي ولد من جديد على يد الروح القُدُس"، هو نفسه بطل الرأسمالية المتوحشة الجديدة التي عملت على نسف دور الدولة في الاقتصاد والامن الاجتماعي.
والآن تنكرر في الولايات المتحدة الدعوات إلى توجهات ريغانية مماثلة. وعلى سبيل المثال، جادل العالم السياسي الأمريكي وولتر رسل ميد مؤخراً بأن "الصعود العالمي الجديد للمسيحية يجب أن يكون أمراً طيباً للسياسة الخارجية الأميركية، لأن المسيحية "هي أكثر الأديان موالاة لأمريكا"، على حد قوله.

II
بيد أن توماس بارنيت، أبرز مفكري البنتاغون، كان أوضح من ذلك بكثير، حين دعا إلى استخدام القوة العسكرية لتصفية المتمردين دينياً- وثقافياً واقتصادياًواجتماعياً على العولمة. يقول: "أي  دولة او منطقة تكون فاعلة (أي مرضي عنها من قِبَل العولمة) إذا ما كانت تتفاعل مع مضمون التدفقات الفكرية والإعلامية والمالية التي تتأتى من خلال إدماجها ما هو قومي بما هو إقتصاد عالمي. وأي دولة او منطقة تكون فاعلة حين تسعى الى تنسيق " قواعد حكمها الداخلي" مع الحكم العالمي الصاعد للديموقراطية، وحكم القانون ، والأسواق الحرة ( مثلاً عبر الانضمام الى منظمة التجارة العالمية ). وبالتالي ، إذا فشلت دولة ما في الانضمام الى العولمة، او رفضت الكثير من تدفقاتها الثقافية، فإنها ستجد في النهاية القوات الأميركية على أراضيها.
ومن خلال مسحه لـ140 عملية عسكرية اميركية في فترة التسعينيات، يكتشف بارنيت أن القوات الأميركية ذهبت بالتحديد الى الدول الواقعة خارج مركز العولمة التي يسميها " الفجوة غير المندمجة"، وهي: حوض الكاريبي ، إفريقيا ، البلقان ، القوقاز ، آسيا الوسطى ، الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا والكثير من جنوب شرق آسيا.
III
سلاح السيطرة العسكرية  (control) هام بالتأكيد. لكن يبقى أن سلاح الهيمنة(Hegemony)  يبقى هو الأهم. والعولمة النيوليبرالية تعوّل عليه عبر اعتمادها على الفرد المستهلك الاقتصادي، وليس المواطن المنتج للثقافة، كوسيلة لهذه الهيمنة. وهي تضع هذا الفرد في عزلة مقيتة يفرضها الاختصاص والاندفاع إلى تحقيق قدرات مميزة، حتى وهو يتبنى عقيدة دينية مطلقة أو يتقوقع في هويات دينية يعتقد أنها مغلقة في وجه العولمة.
معركة العولمة لاستيعاب الأنماط الجديدة من الصعود الديني لاتزال في بداياتها الأولى. وهي تحقق نجاحات واضحة في بعض المناطق (الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية) وصعوبات وعراقيل في مناطق أخرى( الشرق الأوسط الإسلامي). لكن طموحها الأكبر لايزال هو هو: توحيد العالم في قرية واحدة، ولاحقاً في حكومة واحدة، عبر تفتيته أولاً إلى ذرات (أفراد) صغيرة تعتمد في بقائها وازدهارها على ثورة التكنولوجيا والمعلومات التي تُوفّرها الشركات الكبرى متعددة الجنسيات. فهل تنجح؟
ربما!

                                                                                      سعد