للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسرائيل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسرائيل. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 مارس 2013

أي "تفاهم" تركي- إسرائيلي مُحتمل في سورية؟


- I -
فيما كانت كل الأنظار متجّهة نحو القمة العربية في الدوحة لمعرفة المنحى الجديد الذي سستسير إليه الأمور في بلاد الشام في ضوء منح المعارضة مقعد سورية في الجامعة العربية، كان ثمة أحداث جلل أخرى من وراء الستار تتوالى فصولاً وتنبىء بانقلاب جذري في موازين القوى في الشرق الأوسط.
أردوغان- نتنياهو: أي نقاهمات؟ (الصورتان من غوغل


نقطة إنطلاق هذه الأحداث: المصالحة التركية- الإسرائيلية المفاجئة، والتي كان الدافع إليها دافعان: أحدهما ضمني والآخر علني.
الدافع الضمني جاء بحفز من الولايات المتحدة التي أرادت (خلال جولة الرئيس أوباما الشرق أوسطية الأخيرة) أن تدفع أنقرة وتل أبيب إلى التفاهم، بدل التنافس، كي يشكلا معاً "وكالة إقليمية مشتركة" للباكس أميركانا في المنطقة. وهذا بالطبع في ضوء الاستراتيجية الأميركية الجديدة القاضية بـ"الاستدارة شرقاً" ( Pivot) نحو منطقة آسيا- الباسيفيك، التي تتطلّب تقليص الألتزامات الأميركية في باقي أنحاء العالم.
والدافع العلني هو الأحداث المتدهورة بسرعة في سورية، والتي ستتطلب من أنقرة وتل أبيب تنسيقاً سريعاً لمنع تداعياتها على أمنهما القومي.
والواقع أن الأولوية السورية في جدول أعمال المصالحة التركية- الإسرائيلية كانت واضحة في تحليلات معظم المصادر الغربية. وهذه عينات منها:
- فايننشال تايمز: "كان من الصعب التغلب على العدواة الشخصية الكبيرة بين نتنياهو وأردوغان، لكن حالة السيولة الراهنة في الشرق الأوسط دفعتهما إلى إظهار مرونة فاجأت الكثيرين. وبالتالي، المصالحة بينهما ستمهد الطريق أمام تعاون أكبر بينهما في سورية المجاورة".
- روس ويلسون، السفير الاميركي السابق لدى أنقرة:" أردوغان أحد أكثر الشخصيات السياسية براغماتية. فهو قد يتخذ مواقف صلبة إن لم يكن متطرفة، ومع ذلك فهو لايتردد في القيام بخطوات من شأنها ترقية مصالح تركيا. وهذا ما فعله بمصالحته نتنياهو: إنه أزال مشكلة كبيرة تعترض العلاقات الأميركية- التركية وكانت تعيق قدرة الرئيس أوباما على التعاطي بحصافة مع أنقرة. أردوغان الآن  بات في موقع يمكنه من توسيع بنود لائحة احتمالاته في سورية".
- نيويورك تايمز: نجاح أوباما في إعادة الحرارة إلى العلاقات التركية- الإسرائيلية سيساعد منطقة متضعضعة على مواجهة الحرب الأهلية السورية. فإسرائيل وسورية لدرهما مروحة واسعة من المصالح المشتركة الأمنية والاقتصادية وكلتاهما مهتمتان بما يتكشف من أوضاع في سورية.
- II -
لكن، على أي صيغة يمكن أن يرسي عليها التفاهم التركي - الإسرائيلي حيال سورية، والتي ستحظى (في حال إقرارها) بالدعم والمباركة الأميركيين؟
ينبغي التوضيح، أولاً، إلى أننا لن نرى في الغالب أي إشارة علنية إلى مثل هذه الصيغة في وسائل الإعلام، بسبب الحساسية التي تثيرها أي مشاركة إسرائيلية في تطورات الشرق الأوسط. كل ما سيجري سيحدث سراً، تماماً مثل التفاهمات التي أبرمتها تل أبيب مع الرئيس حافظ الأسد (المعروفة باسم "الخطوط الحمر") العام 1976والتي تم بموجبها تقاسم النفوذ بين إسرائيل وسورية في لبنان.
الأمر نفسه متوقّع الآن بين أنقرة وتل أبيب، لكن هذه المرة في سورية.
كيف؟
حسنا. يجب أن نتذكّر هنا التصريح الشهير الذي أطلقه رامي مخلوف في بداية الثورة السورية، والذي أعلن فيه أن "أمن النظام السوري وإسرائيل مترابطان". كما يجب أن نتذكّر أن التفاهمات السرية بين أركان النظام السوري وبين السلطات الإسرائيلية وفّرت "سلاماً بارداً" في مرتفعات الجولان المحتلة دام نيفاً وأربعين سنة.
وهذا يعني أن إسرائيل لديها أقنية اتصال عديدة مع معظم أركان النظام السوري الراهن، خاصة وأنها شكّلت طيلة السنتين الماضيتين شبكة الحماية الأساسية للنظام من خلال نفوذها الكبير على الإدارة والكونغرس الأميركيين.
أكثر من ذلك، إذا ماقررت النخبة العلوية الحاكمة إقامة دويلة خاصة بها في المناطق الساحلية، فالأرجح أن ترفض إيران دعم هذا المشروع لاعتبارات الأمن القومي الخاصة بها، وأيضاً لاعتبارات إديولوجية إسلامية. وكذا الأمر بالنسبة إلى تركيا وبقية دول المنطقة. وهذا ماسيترك إسرائيل بصفتها الضامن الوحيد لهذه الدويلة.
في الجانب التركي، بات واضحاً أن أنقرة أصبحت اللاعب الأساسي في أوساط الأغلبية السنّية السورية لاعتبارات شتى حدودية ولوجستية وإقليمية- دولية. وهي قادرة من هذا الموقع على توفير الغطاء لأي تفاهمات مع تل أبيب حول مستقبل النظام السوري.
- III -

أين دور الدول العربية في إطار هذا التموضع الاستراتيجي التركي- الإسرائيلي؟
الدور موجود بالطبع، خاصة وأن السعودية وقطر هما الممولتان الرئيستان للمعارضة المسلحة السورية. لكن الدور العربي سيتقزم إلى حد كبير إذا ماتبلور التفاهم التركي- الإسرائيلي في صيغة محددة لتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط بإشراف أميركي، وإذا ما نجح هذا التفاهم في إرساء أطر "حل مشترك" للأزمة السورية.
إذ حينها سيكون الدور العربي مجرد رجع صدى لما يجري في كواليس أنقرة وأبيب، ومعهما حليفهما القديم الجديد: الأردن.

سعد محيو






الأحد، 24 مارس 2013

تركيا وإسرائيل نحو تقرير مصير نظام الأسد



- I -
في 20-3 -2013، عاكس موقع "اليوم،غدا" كل التوقعات حول افتقاد جولة الرئيس الأميركي أوباما الشرق أوسطية إلى أي مضمون أو نتائج  سياسية متوقعة، وأورد التالي:
\أردوغان ونتنياهو: وكالة اقليمية مشتركة؟(الصورة من غوغل

"مهما كانت نتائج جولة أوباما سلبية في مايتعلق بالتسوية الفلسطينية- الإسرائيلية والصراع العربي- الإسرائيلي العام، إلا أنها لابد أن تتضمن حيثيات استراتيجية حول مستقبل التحالف الأميركي- الإسرائيلي، خاصة في ضوء منحى "الاتجاه شرقاً نحو آسيا/الباسيفيك( Pivot) الذي تبنته إدارة أوباما، والذي سيتطلب تقليص الأعباء الأميركية في الشرق الأوسط وزيادة مساهمات حلفائها الإقليميين فيها، خاصة تركيا والسعودية، إلى جانب إسرائيل.
"بكلمات أوضح، سيكون على جدول أعمال مباحثات أوباما- نتنياهو مسألة تحديد الدور الإسرائيلي في هذا التوجّه الجديد، سواء في إطار العلاقات مع تركيا الأطلسية أو في سياق السياسات إزاء إيران.
"في النقطة الأولى، يتوقّع أن يضغط أوباما لإصلاح ذات البين بين أنقرة وتل أبيب، لأن التنسيق بين هذين الطرفين سيكون ضرورياً للغاية على المدى القريب لملء أي فراغ قد تتركه الاستدارة الأميركية نحو أسيا".
- II -

لماذا تذكُّر هذه  الملاحظة الآن؟
ليس حتماً للاحتفاء بإصابة هدف تحليلي على نحو دقيق، بل للإشارة إلى أن جولة أوباما الشرق أوسطية، بما تضمنته من مصالحة بين تركيا وإسرائيل بإشرافه، كانت فعلاً بمثابة انقلاب استراتيجي، ومن الطراز الرفيع أيضاً، ستكون له آثار ضخمة على مستقبل التوازنات الإقليمية في المنطقة.
أولى وأهم هذه الآثار، وقف التنافس بين هاتين القوتين الإقليميتين على مواقع النفوذ في نظام الشرق الاوسط، ثم الانتقال من هناك لتشكلا معاً "الوكالة الإقليمية المشتركة" الجديدة للمصالح الأستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة.
وهذا سيكون حقاً تطوراً جللاً حيال في موازين القوى الشرق أوسطية، خاصة إذا ما نجحت واشنطن لاحقاً في وضع أسس وقواعد وآفاق التحالف التركي- الإسرائيلي الجديد أو المتجدد.
الساحة الاولى والرئيس المتوقعة لعمل هذا التحالف، ستكون في سورية.
لماذا سورية؟
لأنها حالياً البؤرة المتفجرة الأخطر في الشرق الأوسط، ولأن كلاً من تركيا وإسرائيل تملكان نفوذاً ضخماً، كل من جهتها، على طوائف سورية معيّنة، الأمر الذي يمكنهما (إذا ما اتفقتا) على لعب دور رئيس في تحديد مصير ومآل الأزمة السورية الراهنة. ولكي لايبقى كلامنا هذا مجرد تكهنات في الهواء، فلنقرأ معاً ما تقوله المصادر الغربية حيال هذه النقطة:
- فايننشال تايمز: "كان من الصعب التغلب على العدواة الشخصية الكبيرة بين نتنياهو وأردوغان، لكن حالة السيولة الراهنة في الشرق الأوسط دفعتهما إلى إظهار مرونة فاجأت الكثيرين. وبالتالي، المصالحة بينهما ستمهد الطريق أمام تعاون أكبر بينهما في سورية المجاورة".
- روس ويلسون، السفير الاميركي السابق لدى أنقرة:" أردوغان أحد أكثر الشخصيات السياسية براغماتية. فهو قد يتخذ مواقف صلبة إن لم يكن متطرفة، ومع ذلك فهو لايتردد في القيام بخطوات من شأنها ترقية مصالح تركيا. وهذا ما فعله بمصالحته نتنياهو: إنه أزال مشكلة كبيرة تعترض العلاقات الأميركية- التركية وكانت تعيق قدرة الرئيس أوباما على التعاطي بحصافة مع أنقرة. أردوغان الآن  بات في موقع يمكنه من توسيع بنود لائحة احتمالاته في سورية".
- نيويورك تايمز: نجاح أوباما في إعادة الحرارة إلى العلاقات التركية- الإسرائيلية سيساعد منطقة متضعضعة على مواجهة الحرب الأهلية السورية. فإسرائيل وسورية لدرهما مروحة واسعة من المصالح المشتركة الأمنية والاقتصادية وكلتاهما مهتمتان بما يتكشف من أوضاع في سورية.
- III -

سورية، إذا، ستكون المحطة الاولى التي سيسير نحوها القطار المشترك التركي- الإسرائيلي الذي دشّن أوباما انطلاق رحلاته قبل أيام.
وهذا سيغيّر الكثير من قواعد اللعبة في بلاد الشام، خاصة إذا ما توصلت أنقرة وتل أبيب إلى تفاهمات ما على مرحلة ما بعد الأسد. وهذا لم يعد أمراً صعباً الآن، بعد أن اقتنع نتنياهو على مايبدو بأن مواصلة الدفاع عن نظام الأسد في دوائر القرار الأميركي لم يعد مجدياً بسبب فشل هذا الأخير في احتواء الثورة ضده.
هل اتضحت الآن ملامح وأبعاد الانقلاب الاستراتيجي الكبير الذي حققته جولة أوباما الشرق أوسطية؟
يفترض ذلك!

سعد محيو






تركيا وإسرائيل نحو تقرير مصير نظام الأسد



- I -
في 20-3 -2013، عاكس موقع "اليوم،غدا" كل التوقعات حول افتقاد جولة الرئيس الأميركي أوباما الشرق أوسطية إلى أي مضمون أو نتائج  سياسية متوقعة، وأورد التالي:
أردوغان ونيتنياهو: وكالة اقليمية مشتركة؟ (الصورة من غوغل

"مهما كانت نتائج جولة أوباما سلبية في مايتعلق بالتسوية الفلسطينية- الإسرائيلية والصراع العربي- الإسرائيلي العام، إلا أنها لابد أن تتضمن حيثيات استراتيجية حول مستقبل التحالف الأميركي- الإسرائيلي، خاصة في ضوء منحى "الاتجاه شرقاً نحو آسيا/الباسيفيك( Pivot) الذي تبنته إدارة أوباما، والذي سيتطلب تقليص الأعباء الأميركية في الشرق الأوسط وزيادة مساهمات حلفائها الإقليميين فيها، خاصة تركيا والسعودية، إلى جانب إسرائيل.
"بكلمات أوضح، سيكون على جدول أعمال مباحثات أوباما- نتنياهو مسألة تحديد الدور الإسرائيلي في هذا التوجّه الجديد، سواء في إطار العلاقات مع تركيا الأطلسية أو في سياق السياسات إزاء إيران.
"في النقطة الأولى، يتوقّع أن يضغط أوباما لإصلاح ذات البين بين أنقرة وتل أبيب، لأن التنسيق بين هذين الطرفين سيكون ضرورياً للغاية على المدى القريب لملء أي فراغ قد تتركه الاستدارة الأميركية نحو أسيا".
- II -

لماذا تذكُّر هذه  الملاحظة الآن؟
ليس حتماً للاحتفاء بإصابة هدف تحليلي على نحو دقيق، بل للإشارة إلى أن جولة أوباما الشرق أوسطية، بما تضمنته من مصالحة بين تركيا وإسرائيل بإشرافه، كانت فعلاً بمثابة انقلاب استراتيجي، ومن الطراز الرفيع أيضاً، ستكون له آثار ضخمة على مستقبل التوازنات الإقليمية في المنطقة.
أولى وأهم هذه الآثار، وقف التنافس بين هاتين القوتين الإقليميتين على مواقع النفوذ في نظام الشرق الاوسط، ثم الانتقال من هناك لتشكلا معاً "الوكالة الإقليمية المشتركة" الجديدة للمصالح الأستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة.
وهذا سيكون حقاً تطوراً جللاً حيال في موازين القوى الشرق أوسطية، خاصة إذا ما نجحت واشنطن لاحقاً في وضع أسس وقواعد وآفاق التحالف التركي- الإسرائيلي الجديد أو المتجدد.
الساحة الاولى والرئيس المتوقعة لعمل هذا التحالف، ستكون في سورية.
لماذا سورية؟
لأنها حالياً البؤرة المتفجرة الأخطر في الشرق الأوسط، ولأن كلاً من تركيا وإسرائيل تملكان نفوذاً ضخماً، كل من جهتها، على طوائف سورية معيّنة، الأمر الذي يمكنهما (إذا ما اتفقتا) على لعب دور رئيس في تحديد مصير ومآل الأزمة السورية الراهنة. ولكي لايبقى كلامنا هذا مجرد تكهنات في الهواء، فلنقرأ معاً ما تقوله المصادر الغربية حيال هذه النقطة:
- فايننشال تايمز: "كان من الصعب التغلب على العدواة الشخصية الكبيرة بين نتنياهو وأردوغان، لكن حالة السيولة الراهنة في الشرق الأوسط دفعتهما إلى إظهار مرونة فاجأت الكثيرين. وبالتالي، المصالحة بينهما ستمهد الطريق أمام تعاون أكبر بينهما في سورية المجاورة".
- روس ويلسون، السفير الاميركي السابق لدى أنقرة:" أردوغان أحد أكثر الشخصيات السياسية براغماتية. فهو قد يتخذ مواقف صلبة إن لم يكن متطرفة، ومع ذلك فهو لايتردد في القيام بخطوات من شأنها ترقية مصالح تركيا. وهذا ما فعله بمصالحته نتنياهو: إنه أزال مشكلة كبيرة تعترض العلاقات الأميركية- التركية وكانت تعيق قدرة الرئيس أوباما على التعاطي بحصافة مع أنقرة. أردوغان الآن  بات في موقع يمكنه من توسيع بنود لائحة احتمالاته في سورية".
- نيويورك تايمز: نجاح أوباما في إعادة الحرارة إلى العلاقات التركية- الإسرائيلية سيساعد منطقة متضعضعة على مواجهة الحرب الأهلية السورية. فإسرائيل وسورية لدرهما مروحة واسعة من المصالح المشتركة الأمنية والاقتصادية وكلتاهما مهتمتان بما يتكشف من أوضاع في سورية.
- III -

سورية، إذا، ستكون المحطة الاولى التي سيسير نحوها القطار المشترك التركي- الإسرائيلي الذي دشّن أوباما انطلاق رحلاته قبل أيام.
وهذا سيغيّر الكثير من قواعد اللعبة في بلاد الشام، خاصة إذا ما توصلت أنقرة وتل أبيب إلى تفاهمات ما على مرحلة ما بعد الأسد. وهذا لم يعد أمراً صعباً الآن، بعد أن اقتنع نتنياهو على مايبدو بأن مواصلة الدفاع عن نظام الأسد في دوائر القرار الأميركي لم يعد مجدياً بسبب فشل هذا الأخير في احتواء الثورة ضده.
هل اتضحت الآن ملامح وأبعاد الانقلاب الاستراتيجي الكبير الذي حققته جولة أوباما الشرق أوسطية؟
يفترض ذلك!

سعد محيو






الاثنين، 4 فبراير 2013

نتنياهو والأسد: "غارة المصالح المتبادلة"؟



- I -
العنوان الرئيس الذي هيمن على معظم التغطية الإعلامية للغارة الجوية الإسرائيلية المفاجئة على سوريا كان: "الدولة العبرية تدخل على خط الأزمة السورية".
اقنعة واقية من الغازات  للاسرائيليين قبل الغارة على سورية (الصورة من غوغل
لكن، وعلى رغم أن لإسرائيل بالطبع مصالح ضخمة، وأدوار ضخمة أيضاً من وراء الستار، في الأزمة السورية، إلا أنه يبدو في هذه المرحلة أن العنوان الرئيس هذا يجب أن يكون معكوسا: "إسرائيل تُدخِل الأزمة السورية على خط صراعاتها السياسية الداخلية".
كيف؟ لماذا؟
الأمر يعود إلى تطورين بارزين اخترقا المعادلات الداخلية الإسرائيلية في الآونة الأخيرة:
الأول، خسارة الليكود ثلث مقاعده في الانتخابات الأخيرة، لصالح قوى جديدة ترفع لواء الهم الاجتماعي- الاقتصادي، وتُهمل الهموم الأمنية التي يتربع على عرشها بنيامين نتنياهو.
هذا التطور تجسّد في فوز حزب "يوجد مستقبل" بزعامة الإعلامي التلفزيوني يائير بليد بـ19 مقعداً في البرلمان ليصبح بذلك ثاني أكبر حزب في إسرائيل، مادفع المحلل الإسرائيلي جدعون ليفي إلى القول: "إن إنساناً غير سياسي على نحو سافر (إقرأ أيضا: على نحو غير أمني) هو الفائز الأكبر في أكثر انتخابات غير سياسية على نحو سافر عرفتها إسرائيل".
التطور الثاني، وهو مشتق من الأول، يتمثل في أن الكنيست الإسرائيلي الجديد لن يتيح حرية حركة لأي حكومة جديدة مهما كان شكلها، إذا ما اقتصر على محاولة إرضاء كل الاتجاهات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية المتضاربة. هذا فضلاً عن أن أي أزمة صغرت أو كبرت قد تطيح بهذه الحكومة وتدفع إلى إجراء انتخابات مبكرة.
- II -

هذه المعطيات الجديدة وضعت مستقبل نتنياهو السياسي، ومعه برامجه الأمنية- الاستراتيجية (أولوية مجابهة الخطر النووي الإيراني وصواريخ حزب الله في لبنان)، في مهب الريح، ماحفز بعض المحللين، حتى قبل الغارة الإسرائيلية الأخيرة على سورية، إلى طرح احتمال لجوء نتنياهو إلى إثارة اضطرابات أمنية ما، تمكّنه من إعادة الامساك بالوضع الداخلي.
السيناريو الذي رسمه المحللون لتحقيق هذا الهدف يستتند إلى معادلة "أقل من حرب عامة، وأكثر من توتير". أي: دفع الأمور إلى حافة الهاوية من دون السقوط فيها، لأنه ليس من مصلحة إسرائيل ولا إيران (المتجهة إلى حوار مباشر قريباً على الأرجح مع أميركا) ولاحزب الله اللبناني، تفجير حرب إقليمية عامة في هذه المرحلة.
 التحضير لمثل هذا السيناريو بدأ بالفعل قبل أسابيع من الغارة. فوزير الدفاع الإسرائيلي قلّص قبل أسبوعين فجأة زيارة خارجية له وعاد إلى تل أبيب. وتلا ذلك مباشرة بدء نقل بطاريات الصواريخ المضادة للصواريخ (القبة الحديدية) من جبهة غزة إلى الجبهة الشمالية في حيفا. وترافق ذلك مع تصريحات نارية لنتيناهو شدد فيها على أنه "سيتصدى بقوة لأي محاولة سورية لنقل أسلحة متطورة إلى حزب الله"، وأن خياراته في سورية هي الآن بين "سيء، وأكثر سوءاً، وأسوأ".
هذه التطورات الإسرائيلية المتلاحقة، مضافاً إليها اعتراف باراك أمس بمسؤولية تل أبيب عن الغارة وتهديد إيران وسورية وحزب الله بـ"ضربات موجعة" جديدة، تعطي معنى مغايراً لطبيعة الغارة الإسرائيلية وأبعادها. إذ لا يعود مهماً هنا أن تكون الطائرات الإسرائيلية قد قصفت قافلة عسكرية سورية تحمل صواريخ سام-17 المضادة للطائرات، أو مركز أبحاث عسكري، بل يصبح الأهم هو الطريقة التي يريد فيها نتيناهو وضع هذا "السيء والأسوأ" في خدمة أزماته الداخلية الجديدة.
بالطبع، هذا لايلغي الحقيقة بأن الدولة العبرية ستقاتل بالفعل إذا ما تخطى النظام السوري الخطوط الحمر المرسومة له في واشنطن وتل أبيب حول نقل (أو استخدام) الأسلحة الكيمائية والتقليدية المتطورة بما يخل بالتوزانات العسكرية الراهنة في لبنان والمنطقة، بيد أن هذا لايلغي أيضاً الحقيقة الأخرى بأن نتنياهو في أزمة داخلية قاسية قد يجد مخرجها في حلول خارجية.
وإذا ماصح هذا التوقع، فستكون الغارة الإسرائيلية بداية، وليس نهاية، لسلسلة من العمليات سواء العسكرية العلنية منها أو الاستخبارية السرية.
- III -

أين النظام السوري من هذه الأحداث المتلاحقة؟
الرئيس السوري بشار الأسد بدا منقطعاً بالفعل عن الواقع، حين اتهم إسرائيل بـ"زعزعة استقرار سورية"، وكأن لاشيء حدث أم يحدث من انهيارات للدولة وللكيان السوري نفسه منذ سنتين. هذا في حين كان السفير السوري في بيروت يتحدث عن "رد سوري مفاجىء، وكأن المفاجأة يجب التحدث عنها يجب أن يأتي قبل حدوثها "فجأة".
بيد أن الواقع أن الغارة الإسرائيلية كانت بمثابة "هبة من السماء" لهذا النظام، خاصة وأنها جاءت من طرف (الليكود) لايزال يلعب دوراً كبيراً في لجم الإدارة الأميركية، عبر نفوذه في الكونغرس، من اتخاذ قرار نهائي باسقاط نظام الأسد.
فقد كان في مقدور النظام العودة بعد الغارة إلى العزف على وتر الممانعة والمقاومة، فيما قوى المعارضة الإسلامية التي تقاتله تجد نفسها فجأة محرجة وفي زورق واحد مع إسرائيل.
وهكذا، تقاطعت مصالح نتنياهو، مجدداً، مع مصالح الرئيس السوري الأسد، ووُلدت هذه المفارقة الغريبة التي تبدو فيها غارة العدو هدية لا فرية.
الحكومة السورية قدّمت شكوى إلى القوات الدولية في الجولان، وحظيت بدعم قوي من روسيا وإيران وحزب الله وحتى من الجامعة العربية التي علّقت عضويتها. لكن أحداً لايتوقع أن يعمد النظام السوري إلى تفجير الجبهة مع إسرائيل (الأمر الذي سيعني سقوطه السريع)، فيما هو عاجز عن السيطرة على ثلاثة أرباع الجغرافيا السورية. التطور الوحيد الذي قد يساعده على حرف الأنظار عن وضعه الداخلي، هو اندلاع الحرب في لبنان. لكن حزب الله وإيران رفضا، ولازالا يرفضان، طلبات النظام السوري بفتح الجبهة مع إسرائيل أو حتى تفجير الحرب الأهلية اللبنانية.
وهذا ماسيجعل النظام رهينة قرارات نتنياهو، فيكون هو أيضاً (أي النظام) جزءاً من مناورات هذا الأخير في الداخل الإسرائيلي، على أن يحاول توظيفها هو أيضاً في الداخل السوري. وهذه ليست حصيلة نظريات المؤامرة، بل هي إعادة قراءة في ملف العلاقات السورية- الإسرائيلية الزاخر بالتعاون، منذ اتفاق الخطوط الحمر العام 1976 الذي تقاسم خلاله الرئيس حافظ الأسد النفوذ في لبنان مع تل أبيب، إلى السلام غير المعلن بين الطرفين طيلة نيف و40 سنة في مرتفعات الجولان المحتلة.
والآن يعاد تمثيل هذه المسرحية الخفية مجددا، لكن هذه المرة ليس لتقاسم النفوذ الإقليمي بل لمحاولة حل الأزمات الداخلية لكلا الطرفين.
وفي هذا الإطار، الغارة الإسرائيلية على القافلة السورية قد تكون أول غيث "العود على ذي بدء".
سعد محيو





الجمعة، 23 نوفمبر 2012

الامبراطورية الإسرائيلية "تعتقل" الربيع العربي





وضوح استراتيجي إسرائيلي وضياع استراتيجي عربي- إسلامي (الصوة من غوغل


دول الربيع العربي، ومعها تركيا وقوى "الممانعة والمقاومة"، أثبتت أنها خالية الوفاض من أي استراتيجية يُعتد بها في الشرق الأوسط، في مواجهة استراتيجية إسرائيل الواضحة، والمُحددة، و"القاطعة".
- I -
أغمض عينيك. اترك لخيالك أن يسرح ويمرح قليلا في طول الشرق الأوسط وعرضه، فماذا ستجد؟
ستجد، للأسف، إسرائيل في كل مكان، ولن تجد الربيع العربي، الذي عُلِّقت عليه كبار الآمال بإحياء الكرامة والحقوق العربية، في أي مكان.
هذه هي الحقيقة الحزينة التي تكرّست على نحو اكثر حزناً في حرب غزة-2 الأخيرة.
فعلى رغم صيحات النصر التي خرجت من حناجر حركة حماس وأنصارها حتى قبل أن يجلو غبار المعارك العسكرية، كانت محاولة لأضفاء غلالة النصر السياسي على عجز عسكري. وهو نصر سيتبيّن سريعاً أنه مطابق تماماً للقرار 1701 في لبنان الذي حوّل حزب الله منذ 2006 إلى حركة مقاومين من دون مقاومة.
أجل. حماس أطلقت صواريخ باتجاه تل أبيب والقدس. لكنها تعلم قبل غيرها أن هذه الخطوة لن تقدِّم أو تؤخر في شيء في مجال الاستراتيجيات العسكرية، خاصة مع النجاح النسبي للقبة الحديدية الإسرائيلية. أما حديث حماس عن توازن الرعب، فهو قد يبقى تحليلاً من جانب واحد طالما أن الجانب الإسرائيلي لم يشعر بعد بالرعب.
الأمر نفسه ينطبق على إخوان مسلمي مصر. فهم أيضاً أعلنوا النصر السياسي وقالوا أنهم أعادوا إلى أرض الكنانة دورها الإقليمي القيادة والمركزي القديم. لكنه نسوا أن هذا النصر تم في إحضان إسرائيل لا خارجه، وبمباركة أميركا لا غصباً عنها. وهذا ماجعل مصرهم نسخة غير منقَّحة من مصر مبارك، وقد يجعلهم قريباً (بعد أن ضمنوا اتفاق وقف النار) حرس حدود جدد لإسرائيل.
- II -
من أيضا؟
هناك إيران، زعيمة الممناعة والمقاومة في الشرق الأوسط، التي كان في وسعها أن تحرّك حزب الله في لبنان لـ"فتح أبواب جهنم" إقليمياً على إسرائيل دعماً للمقاومة في فلسطين. لكنها لم تفعل، والأسباب واضحة: هدفها الاستراتيجي الأول هو الحفاظ على نظامها وأوراق ضغطها اللبنانية، أما محو إسرائيل من الخريطة فيمكن أن ينتظر نصراً إلهياً مهدياً سينبثق من أحد آبار  المساجد القريبة من طهران.
ثم هناك بالطبع النظام السوري المُمانع الذي بدل أن يخلق أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، يهدد الآن بتقسيم سورية إلى دولتين أو ثلاث، ومن ثَمَ سيطلب على الأرجح الحماية الإسرائيلية لإحدى هذه الدول، كما فعل بعض السوريين في أوائل القرن العشرين حين رفضوا الوحدة السورية وناشدوا الاستعمار الفرنسي وضعهم تحت وصايته وحمابته.
هذه هي الخلفية الحقيقية للصورة في الشرق الأوسط الجديد. وهي، كما هو واضح، صورة  نجح فيها الربيع العربي في استنهاض إرادة الشعوب العربية، لكن النخب الحاكمة فيه فشلت حتى الآن في بلورة أي استراتيجية لتحويل هذه الإرادة في الداخل إلى مشروع نهضة إقليمية ودولية في الخارج، على رغم كل أحاديث الإخوان عن أولوية الأمة العربية- الإسلامية على كل ماعداها.
وهذا ما جعل من السهل للغاية على إسرائيل أن تستعيد خلال ثمانية أيام فقط من الحرب، صورة دورها المركزي والمُهمين والمُسيطر في الشرق الأوسط.
سيكون في وسع الدولة العبرية الأن، وبعد حرب غزة، الإشراف على تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية فلسطينيين، عبر دعم صعود حماس على حساب فتح، وبالتالي كسب خمس إلى عشر سنوات أخرى إلى أن تبدأ هذه الحركة الإسلامية رحلتها البطيئة للاعتراف بإسرائيل. وخلال هذه المرحلة، ستُكمل تل أبيب ابتلاع الضفة الغربية، وستنشط لتدمير المملكة الأردنية لتحويلها إلى "دولة فلسطينية ثالثة".
كما ستشرف إسرائيل على تقسيم سورية و"رعاية" إحدى دويلاتها، وستعمل على إعادة تفجير العراق، وستنشط بقوة لتحريك الأكراد والعلوييين في تركيا، لحمل هذه الأخيرة على طي حلم العثمانية الجديدة على الأقل داخل أراضي "الامبراطورية الإسرائيلية" في المشرق العربي.
لقد أشار تقرير أخير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي تحت عنوان "ميزان القوى العسكرية العربي- الإسرائيلي"، إلى أن إسرائيل تتفوّق على كل الدول العربية مجتمعة في مجالات النمو الاقتصادي، والقوة التكنولوجية، والجهوزية العسكرية المتطورة، والأسلحة النووية والتقليدية، وامتلاك أكبر جيش حديث في المنطقة (على رغم صغر عدد سكانها). هذا فضلاً عن تمتعها بالدعم الكامل والمطلق للدولة العظمى الوحيدة في العالم.
كل هذه العوامل تجعل من السهل على الدولة العبرية فرض جدول أعمالها الخاص على كل دول الشرق الأوسط، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة ممنوعات وثلاث مسموحات: ممنوع قيام أي دولة قوية في المنطقة، ناهيك بالطبع عن أي وحدة عربية أو إسلامية. ممنوع التقدم الاقتصادي الانتاجي في أي منها. ممنوع التطور التكنولوجي بكل أشكاله. أما المسموحات فهي: قيام دوليات إثنية وطائفية في كل مكان؛ وإقامة اقتصادات خدماتية وسياحية؛ وتبعية كل الدويلات للقوة الإسرائيلية.
- III -

هذا، بالمناسبة، هو الشرق الأوسط الجديد الذي خطّه شيمون بيريز وغيره من المخططين الإسرائيليين، والذي يفرض وجوده الآن على شرق أوسط الربيع العربي، بدعم (أو رضوخ لافرق) من الولايات المتحدة.
لكن،  وطالما أن الصورة على هذا النحو، هل هذه الكلمات هي دعوة إلى الاستسلام أو قبول هذا السلام الإسرائيلي الكارثي؟
كلا. إطلاقا.
(غدا نتابع)

سعد

الاثنين، 19 نوفمبر 2012

إسرائيل تقوٍّض نصف شرعية الربيع العربي؟



- I -
ضحايا الحرب الإسرائيلية الجديدة على غزة جلّهم من الأطفال الفلسطينيين.
لكن هناك طفل آخر قد يكون الضحية الكبرى غير المرئية مباشرة لهذه العربدة العسكرية الأسرائيلية الجديدة: الربيع العربي.
كيف؟ لماذا؟

نحو احباط قواعد وانصار الاخوان- الصورة من غوغل- 

لأن السلطات الجديدة التي انبثقت من هذا الربيع في مصر وتونس وليبيا واليمن، بنت نصف شرعيتها على وعد تلبية مطالب الحرية والديمقراطية والنهوض الاقتصادي- الاجتماعي لشعوبها، فيما كان متضمناً في النصف الثاني وعد آخر باستعادة المكانة الدولية والإقليمية (خاصة لمصر) وبنصرة الشعوب العربية المضطهدة الأخرى( خاصة الشعب الفلسطيني).
بيد أن الهجوم التدميري الإسرائيلي على القطاع، هزّ بعنف الشطر الثاني من الشرعية، على رغم الجهود الكبرى التي بذلتها سلطات الربيع العربي لانقاذ مايمكن انقاذه من هذه الشرعية، عبر إرسال الوفد تلو الوفد إلى غزة، وعبر البيانات القوية التي تشدد على أن القطاع" لن يُترك لوحده"، وعلى رغم الجهود الدبلوماسية التي بذلتها على مدار الساعة.
- II -
لكن إسرائيل كانت تعلم أفضل من ذلك. فهي كانت واثقة أن دولة الإخوان المسلمين في مصر، لن تستطيع دعم دولة الأخوان المسلمين في غزة بأكثر من الطائرات الورقية البلاغية، لأن أي خطوة تتخطى ذلك، على غرار التفكير بإلغاء معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية مثلاً، ستؤدي إلى  انطلاق ضوء أخضر أميركي إلى الجيش والمخابرات المصرية للانقضاض مجدداً على الأخوان وتدمير دولتهم بين ليلة وضحاها.
وبالطبع، حين يخيَّر إخوان مصر، وهم أرباب البراغماتية المتطرفة المشهورون، بين الحفاظ على سلطة سياسية لم يحلموا يوماً منذ تأسيس جماعتهم العام 1928 في الوصول إليها، وبين إنقاذ إخوانهم في غزة، لن يترددوا في اختيار السلطة.
صحيح أنهم يملأون الآن المنطقة ضجيجاً إعلامياً ودبلوماسياً دعماً لحركة حماس، لكن هذا لن يكون أكثر من ذلك: أي مجرد ضجيج. وهذا قد يؤسس لاحقاً  ليس فقط لعلاقات متوترة للغاية بين الإخوان المصريين والفلسطينيين تحرّكها الغرائز "تحت الإسلامية" الوطنية القوية والمنفصلة لدى كلا الطرفين، بل سيصيب أيضاً قواعد وأنصار الأخوان في مصر بإحباط وطني وقومي.
الإخوان المسلمون، الذين يعتبرهم بعض المحللين الورثة الشرعيين لمشروع القوميين العرب الوحدوي والنهضوي، سيجدون أنفسهم في الموقع نفسه الذي كان فيه هؤلاء القوميون حين كانوا في السلطة: لاهم قادرون على تحويل الأقوال التحريرية والاستقلالية العربية إلى أفعال، ولا في مستطاعهم التراجع عنها لأنها في أساس شرعيتهم الشعبية. وهذا، كما هو معروف، أدى إلى المأزق التاريخي للقوميين العرب الذي أسفر في نهاية المطاف عن انهيار مشروعهم الإقليمي (الرومانسي) برمته.
- III -
لقد أجمع معظم المحللين على أن إسرائيل أرادت، من ضمن ما أرادت، من وراء حرب غزة-2، اختبار سلطات الربيع العربي الجديدة، خاصة في مصر. لكننا نعتقد أن إسرائيل لم تكن في حاجة إلى مثل هذا الاختبار لأنها كانت تعي أنه ليس في مقدور هذه السلطات، كما ألمعنا، القيام بأي خطوات عملية لردعها، وبالتالي فهي أرادت أن تدشّن عملية تآكل شرعية هذه الأنظمة الجديدة، جنباً إلى جنب مع إبلاغ العالم بأنها لاتزال مركز الشرق الأوسط على رغم كل الانقلابات التاريخية التي شهدتها المنطقة.
فهل تنجح في ذلك؟ وهل تملك الفرص لعرقلة نمو طفل الربيع العربي؟
الأرجح، من أسف،  أن الإجابة هي نعم!
سعد

السبت، 17 نوفمبر 2012

حرب غزة-2: "قص عشب" أم انقلابات استراتيجية؟


لماذا حرب غزة الآن؟- الصورة من غوغل-

إسرائيل فاجأت حماس والجميع بحربها الجديدة. لكن، هل الهدف فقط هو الانتخابات الإسرائيلية و"التدمير العادي" للقدرات العسكرية الفلسطينية، أم أن للأمر علاقة ما بالصراع مع إيران وبمصير المملكة الأردنية؟
- I -
الحرب المدحرجة في غزة كانت بمثابة مفاجأة للجميع:
لحركة حماس (بالدرجة الأولى) التي كانت تخطط للخروج من اختناقها الاقتصادي بأموال ق
قطرية فلكية بمقاييس الفقر الغزواي( 400 مليون دولار) ومن عزلتها السياسية والدبلوماسية بفضل وصول أخوتها الإخوان إلى مصر وتونس. وبالطبع، أي حرب الأن ستدمِّر أي فرص لها لبناء نفسها داخلياً لسنوات عدة.
وهي أيضاً مفاجئة لمصر الإخوانية، التي كانت آخر ماتريده في هذه الفترة التي تحاول فيها هي الأخرى إيجاد حلول لكوارثها الاقتصادية والاجتماعية، الانغماس في أم أزمات وأب قضايا المنطقة: فلسطين، من دون أن تمتك القدرة على التأثير فيها على نحو فعال أو حتى ذي معنى. لماذا؟
لأن أي خطوة راديكالية ضد إسرائيل قد يُقدم عليها الرئيس مرسي، قد تفتح أبواب جهنم عليه. وهذه الجهنم لها عنوان واحد يعرفه جيدا: التحالف المكين بين أميركا وبين الجيش والمخابرات المصرية، اللذين ينتظران الفرصة السانحة ( والتي تعني هنا الضوء الأخضر الأميركي) للانقضاض على جماعة الإخوان مجددا وتمزيقها شر تمزيق.
أما تركيا، التي فوجئت هي الأخرى، والتي بدت للحظة أنها باتت زعيمة القضية الفلسطينية، فسيكون عليها في هذه المرحلة ضبط لغتها الحماسية ضد الدولة العبرية، إذا ما أرادت الحصول على الدعم الأميركي- الأوروبي في معركتها في سورية ضد الروس والإيرانيين.
- II -
الكل تفاجأ، إذا، ماعدا بالطبع إسرائيل التي يبدو واضحاً الآن أنها خططت وحضّرت وطبخت حرب غزة- 2 (الحرب الأولى اندلعت في 2008-2009) منذ فترة غير قصيرة. لكن لماذا؟ وما الذي تستهدفه حكومة نتنياهو من هذه الحرب؟
اكتساح الانتخابات التي ستجري بعد شهرين، عامل رئيس بالتأكيد. ويدل اصطفاف الجميع بلا استثناء في إسرائيل، معارضة وموالاة، يميناً ويساراً، وراء حرب نتنياهو - باراك، بأن هذا الثنائي سيربح الانتخابات حتماً إذا ما جرت اليوم، وسيضمن ربحها حتماً أ يضاً إذا ما انتهت الحرب بأقل ما يمكن من الخسائر البشرية الإسرائيلية.
لكن التكتيكات الانتخابية لاتلغي بالضرورة الالعاب الاستراتيجية.
وهنا يمكننا التمييز بين أمرين: الأول، استراتيجية إسرائيلية "عادية" ترتبط بعلاقتها مع كل من الفلسطينيين ومصر، وبمفهومها لطبيعة الحرب والسلام والصراع في الشرق الاوسط. والثاني، استراتيجية إسرائيلية "فوق عادية" تطال كلاً من معركتها مع إيران على النفوذ في المنطقة ومن الخريطة الجغرافية والجيوسياسية في إقليم الهلال الخصيب، خاصة في الأردن.
 في مجال الاستراتيجية "العادية"، قد يكون الاستنتاج الذي وصل إليه خالد مشعل دقيقا: تل أبيب تريد بالفعل اختبار مدى التزام الإخوان المسلمين المصريين بالتعهدات التي قطعوها لواشنطن حول عدم المس باتفاقية السلام مع إسرائيل، في مقابل تسهيل وصولهم إلى السلطة عبر لجم جموح الجيش والمخابرات المصرية ضدهم. بيد أن هذا، على صحته، قد لايكون كل شيء. إذ ربما تريد إسرائيل أيضاً  عبر حرب غزة أن تُحرج كل أصدقاء أميركا الجدد الذين انتجهم الربيع العربي، إضافة إلى تركيا، بهدف استعادة مكانتها وكل الاهتمام الأميركي بها وبمصالحها، بعد أن حجب هذا الربيع بعض الأضواء عنها.
أما الاستراتيجية "العادية" مع الفلسطينيين، فهي تتعلق بمفهوم "قص العشب" الذي تتبناه كل المؤسسات العسكرية والمدنية الإسرائيلية، والذي يستند إلى الفكرة بأن السلام مع الفلسطينيين مستحيل وأن "الحرب الدائمة" هي الحل الوحيد. ولذلك، وبين الفترة والأخرى، يجب مواجهة نمو العشب من جديد (وهو يعني هنا إعادة تسلّح المقاومة الفلسطينية) عبر شن حرب تدميرية قصيرة الأمد.
انطلاقاً من هذا المفهوم، يمكن توقُّع أن يكون هدف الحرب الإسرائيلية الجديدة، والتي قد تشمل غزواً برياً كما حدث في حرب 2008-2009، تدمير القدرات العسكرية الغزاوية، وردع صواريخ حماس وبقية الفصائل لثلاث أو أربع سنوات أخرى. وهذا، على أي حال، هو الهدف المعلن للحرب الجديدة.
لكن، عن الأهداف "فوق العادية" المحتملة، والتي تتعلق أساساً (كما سنرى) بكلٍ من النفوذ الإيراني وبمصير المملكة الأردنية الهاشمية؟

(غداً نتابع).
سعد.
____
لمن يستزيد حول موضوع الحرب على غزة:
1- التصعيد في غزة يهدد حماس:
 http://www.ft.com/intl/cms/s/0/c7917fc8-3004-11e2-891b-00144feabdc0.html#axzz2CRz25Xm8
2-  حرب غزة تختبر مرسي:
http://www.ft.com/intl/cms/s/0/7629c93a-2f3f-11e2-8e4b00144feabdc0.html#axzz2CRz25Xm8
3- اسرائيل ونظرية "قص العشب":
http://www.nytimes.com/2012/11/17/world/middleeast/israel-sticks-to-tough-approach-in-conflict-with-hamas.html?hp
__________________________________________________________