للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الخميس، 28 أبريل 2016

القارة الإسلامية تنفجر: "أي إسلام نريد"؟



(الحلقة الأولى)




    - I
لم يعد الأمر مستعصياً على الفهم:
العالم الإسلامي، بكل دوله وكياناته ومؤسساته وحركاته السياسية والفكرية، دخل في حالة حرب مع ذاته: حرب تصطرع فيها الهويات، والمفاهيم، والطموحات الامبراطورية والجيوسياسية، ويتقاطع فيها ما هو محلي مع ماهو جيوسياسي وإقليمي ودولي.
هي حرب عامة وشاملة بهذا المعنى داخل الدول الإسلامية، وبين بعضها البعض.
وهنا، تكفي نظرة واحدة إلى مجريات الأحداث في دول هذا العالم لإدراك كنه وطبيعة هذه الحرب:
فتركيا، وبعد أن بدا للجميع أن ثورة أتاتورك حسمت مسـألة الهوية فيها، عبر تكريس القومية التركية العلمانية، عادت الآن 100 سنة إلى الوراء للبحث عن هوية أخرى. وهذا مايجعل النقاشات الساخنة الحالية حول الدستور الجديد في البرلمان والإعلام والدوائر السياسية خطرة للغاية ودقيقة للغاية، تتراقص في خضمها بلاد العثمانيين والسلاجقة على شفير حرب أهلية في الداخل، وحروب بالواسطة في الخارج.
وإيران، وعلى  رغم صمود نظامها الاسلامي في وجه أعاصير عاتية إقليمية ودولية ومحلية طيلة 37 سنة، لاتزال ممزّقة بين أحلام  ثورة إسلامية عالمية عجزت هي عن استيلادها، وبين كوابيس دولة- أمة قومية إيرانية، وفق المعايير الوستفالية،  ترفض أن تموت. والحصيلة: بروز دولة إقليمية استراتيجية غير مستقرة في الخارج ومعلّقة في الهواء على نحو خطر، وتتأرجح دوماً في الداخل على شفير نزاعات إيديولوجية عنيفة بين نزعة قومية صفوية،  وبين اندفاعة علوية (من علي بن أبي طالب) إسلامية.
في مصر والسعودية وتونس والمغرب والجزائر، وبقية الدول العربية، لا أحد يعلم "أي إسلام يريد"، بفعل الاستقطاب الحاد بين جملة كاملة من "الاسلامات": الوهابية، والسلفية الجهادية، والسلفية العلمية، والإخوان المسلمين البناويين (من حسن البنا) والأخوان المسلمين القطبيين (من سيد قطب)، والقاعدة وداعش، وإسلام الأزهر ودور الإفتاء الرسمية، والإسلام الصوفي.. ألخ.
وكل هذه الأنواع من الإسلامات المدوّخة، تشتبك في صراعات لا بوصلة فيها ولا محكمة مرجعية واحدة تلجأ إليها، مايجعل الصدام بينها طريقاً ذا إتجاه واحد يقود إلى لاجدوى جهنمية.
وبالطبع، لا يجب أن ننسى الحروب المأساوية المخيفة في سورية والعراق، والتي تذكّر ليس فقط بـ"الفتنة الكبرى-2) بين السنّة والشيعة، بل أولاً وقبل كل شيء بالأبعاد الجيوسياسية الإقليمية والدولية لحالة الحرب العامة في العالم الإسلامي.
-  - II
هل ثمة مشابهات ما في التاريخ العالمي لما يحدث الآن في القارة الإسلامية؟
أجل.
 لنقرأ معاً التوصيف التالي:
"إنها منطقة يُمزِّقها الصراع المذهبي بين تقاليد واجتهادات متنافسة في الدين نفسه. لكن الصراع يجري أيضاً بين المعتدلين والمتطرفين، وتُغذيه القوى الإقليمية المجاورة (والقوى الدولية) التي تسعى إلى تعزيز مصالحها الخاصة وزيادة نفوذها. النزاعات تحدث بين دول المنطقة وفي كل دولة، بحيث أصبح من الصعب التمييز بين الحروب الأهلية وبين الحروب بالواسطة، وبين الصراعات الدولية والاقليمية. ولذا فهو أيضاً صراع ديني يختلط بشدة بالتنافسات الجيو- سياسية التي تُفقد الحكومات السيطرة على المجموعات الصغيرة- الميليشيات ومثيلاتها- العاملة داخل الدولة وعبر الحدود، وتغيّر كل الخرائط السياسية. إن الخسائر في الأرواح هائلة وتكاد تبيد نصف سكان المنطقة، وكذلك الأضرار مخيفة على الصعد البيئية والاقتصادية والاجتماعية. الفظائع الإنسانية مروّعة، والملايين باتوا بلا مأوى".
هذا كان وصفٌ ليس لمنطقة الشرق العربي- الاسلامي الأوسط في القرن الحادي والعشرين، بل لأوروبا في القرن السابع عشر، في ما اتُفق على تسميته "حرب الثلاثين عاما" والتي يُجمع المحللون الغربيون على أن ماضي أوروبا بات بالفعل حاضر الشرق العربي- الاسلامي الأوسط الذي يعاين الآن حرب ثلاثين سنة مدمرة مماثلة.
          الحرب الأوروبية بدأت العام 1618 حين حاول فيرديناند الثاني ملك بوهيميا، الذي أَصبح لاحقاً امبراطور الامبرطورية الرومانية المقدسة اللاحق، فرض العقيدة الكاثوليكية المُطلقة على مناطق حكمه، فتمرد عليه النبلاء البروتستانت في كل من بوهيميا والنمسا. كان الاصلاح الديني قد بدأ في ألمانيا العام 1517 مع مارتن لوثر، فعمد العديد من أمراء الامبراطورية (التي كانت لها هيكلية شبه اقطاعية) إلى دعم القضية البروتستانتية.
 شرارة الحرب انطلقت حين قام المتمردون البوهيميون برمي ثلاثة من ممثلي الامبراطور الكاثوليكي من النافذة (ليسقطوا في حاوية روث على ماقيل)، في ما عُرِف في التاريخ بـ" حادثة براغ للرمي من النافذة". وبعدها سرعان ما انتشرت الحرب في كل القارة، من بحر البلطيق إلى البحر المتوسط، لتشمل كل القوى الكبرى في أوروبا تقريباً التي اعتقدت أنه سنحت الفرص لغزو البلدان المجاورة، أو أنها جُرّت إلى النزاع بسبب تعرُّضها إلى غزو أراضيها. ويعتبر المؤرخون أن هذه الحرب كانت الأكثر دماراً في التاريخ الأوروبي، حيث تم تدمير ونهب وإحراق مدن وقرى وبلدات بأسرها على يد المرتزقة الذين قاتلوا خدمة لقوى مختلفة، ودمروا عملياً كل القارة الأوروبية. مابين 30 إلى 40 بالمئة من سكان ألمانيا أُبيدوا، والتهجير والتنظيف الطائفي والعرقي طال ملايين البشر، والنسيج الاجتماعي تمزّق بعنف ووحشية، ومعظم البنى الاقتصادية والتحتية دُمِّرت.
لكن خطوط المعركة لم ترسم فقط وفق خطوط دينية. ففرنسا الكاثوليكية موّلت الغزو البروتستانتي السويدي، ثم عمدت لاحقاً إلى الانضمام إلى الحرب مباشرة، لأنها كانت تخشى أن يؤدي انتصار كاثوليك الامبراطورية الرومانية وإسبانيا إلى تطويقها جيوسياسيا. كما أن بعض الامراء البروتستانت حاربوا في البداية إلى جانب الامبراطور (كان البروتستانت منقسمين إلى لوثريين وكالفانيين). العديد من المشاركين في الحرب كانت لهم مطامع في الأراضي، فالسويد أرادت السيطرة على  منطقة البلطيق، فيما استخدمت فرنسا الحرب للسيطرة على الألزاس واللورين، وهما منتطقتان تسببتا بالكثير من النزاعات في القرنين 19 و20. كما شكّلت الحرب جزءا ً من حرب أطول دامت 80 عاماً بين إسبانيا ومقاطعتها السابقة هولندا.
حرب الثلاثين عاماً انتهت بسلسلة من المعاهدات التي وقعت في العام 1648 وعرفت بسلام وستفاليا، الذي أقام نظاماً سياسياً جديداً في أوروبا في شكل دول ذات سيادة متعايشة مع بعضها البعض على أساس: السيادة، واحترام وحدة الأراضي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. هذا السلام لم يكرّس حرية الانتماء الديني ولا حرية المعتقد، بل منع كل دولة أو فئة من فرض دينها على الآخرين، وأسس لبروز سيادة الدولة- الأمة.
صحيح أن سلام وستفاليا خُرِقَ مراراً، لكن جرى الاحتفاظ بمبادئه التي قام على أساسها النظام العالمي حتى القرن الحادي والعشرين.
III-  -
مقارنة حرب الثلاثين عاماً الاوروبية مع حروب المشرق الراهنة، جاءت في تموز/يوليو 2014 من ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في مقال بعنوان "حرب الثلاثين عاما"، شدّد فيه على أن الشرق العربي- الاسلامي الأوسط سيشهد مصيراً مماثلاً لمصير أوروبا، "ما لميبرز إلى الوجود نظام إقليمي محلي جديد". قال: "من الآن وحتى مستقبل منظور، وإلى أن يبرز نظام إقليمي محلي جديد أو يحل الانهاك بين الأطراف المتصارعة، فإن الشرق العربي- الاسلامي الأوسط لن يكون مشكلة تحتاج إلى حل، بل وضعاً يجب إدارته".
هنري كيسينجر أيضاً طرح المقاربة نفسها. ففي خطاب له العام 2013 أمام كلية فورد :" ما يحدث الآن في الشرق العربي- الاسلامي الأوسط، شبيه بما حدث في حرب الثلاثين عاماً في أوروبا، حين واصلت مختلف الفصائل المسيحية الفتك وإبادة بعضها البعض، إلى أن قررت أخيراً أن عليها أن تعيش مع بعضها البعض، ولكن في وحدات منفصلة".
لكن، هل هذا التشبيهات في محلها؟
(غدا نتابع)
سعد محيو



الثلاثاء، 26 أبريل 2016

هل ينجح "الميجي" محمد بن سلمان؟



- - 1
سمتان تاريخيتان أساسيتان للثورة التغييرية التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان:
الأولى، أنها قلبت رأساً على عقب عقداً اجتماعياً دام نحو مئة سنة، تمت فيه مقايضة الولاء السياسي للنظام بالضمانات والعطايا الاجتماعية للشعب. وهذا تم عبر "رؤية المملكة العربية السعودية 2030" التي تتحدث بوضوح عن نقل موتور الاقتصاد من القطاع العام، الذي تعمل فيه معظم قطاعات المجتمع السعودي، إلى القطاع الخاص الذي يجب أن ترتفع حصته من الناتج المحلي الاجمالي إلى 60 في المئة في غضون سنوات قليلة.
هذا إضافة إلى بدء خصخصة شركة أرامكو العملاقة والأكبر في العالم، ومعها خصخصة العديد من الدوائر الرسمية، وخفض دعم الماء والكهرباء والمواصلات وباقي الخدمات.
وإذا ما عنى هذا شيئاً، فهو يعني، أولاً وأساساً، أن موسم العطلة من العمل التي تمتع بها العديد من المواطنين يوشك على الأفول، لتحل مكانه أولويات العمل وقيمته. فمن لايعمل لا يأكل، وشعار "مِنْ كل حسب طاقته ولكلٍ حسب رغبته" سينسحب لصالح مبدأ "مِنْ كلٍ حسب طاقته، ولكلٍ حسب عمله".
والسمة الثانية، أن هذه الثورة التغييرية لم تكن مجرد طموح ذاتي شخصي من أمير شاب في بداية العقد الثالث من عمره، بل تتقاطع فيها العديد من العوامل الموضوعية التي حتَّمت على مايبدو الانتقال من "أصالة" الإيديولوجيا والتوازنات القبلية، إلى حداثة الدولة والمجتمع.
أهم هذه العوامل:
1-  بدء العد العكسي لإنتهاء دور النفط التقليدي في الاقتصاد العالمي، بفعل إنقلاب النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة الذي يتوقّع أن ينتشر انتاجه الآن كالنار في الهشيم في بقية أنحاء العالم، خاصة في الصين والهند وأوروبا الشرقية وغيرها. هذا التطور هو مايجعل انخفاض أسعار النفط الراهنة أزمة بنيوية هذه المرة، لا عملية دورية كما في السابق.
2-  ومما يفاقم من مخاطر ماوصفه الأمير محمد "الإدمان على النفط"، هو الضجة الكبرى حالياً في العالم حيال مسألة تغيّر المناخ التي تهدد الحياة كما نعرفها على كوكب الأرض، والتي تدفع الآن ليس فقط لخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، بل أيضاً لتطوير طاقات خضراء بديلة مُتجددة (الشمس، الهواء.. ألخ)، وسيارات ووسائل نقل كهربائية، والاعتماد المتزايد على البشر الآليين في المصانع الذين لايحتاجون إلى النفط.
3-  وثمة عامل ربما كان الدافع الأهم في هذه "الرؤية": التغيّرات الكاسحة في النظام الدولي، من خلال التراجع الملموس لنفوذ وسطوة القوة العظمى الاميركية في العالم، خاصة في الشرق الأوسط، وتوجّهها بدلاً من ذلك إلى التركيز على "بناء الامة الأميركية" في الداخل، وعلى حوض الباسيفيك/ آسيا في الخارج.
هذا الحدث، الذي أجبر باراك أوباما على أن يكون أول رئيس أميركي "باسيفيكي" لا "أطلسي"، دقّ أجراس الانذار بقوة في أرجاء المملكة السعودية، ودفعها إلى رفع شعار الاعتماد على الذات بدل الركون إلى تعهدات خارجية. الحرب في اليمن، و"الثورة المضادة" التي شنّتها المملكة في أرجاء المنطقة العربية ضد الرياح الربيعية، كانت أولى تجليات التفاعل مع هذه الأجراس في السياسة الخارجية. ثم جاءت "رؤية 2030" لتستكمل هذا التفاعل في الداخل.
-       - II-
هل تنجح ثورة محمد بن سلمان؟
العقبات تبدو عديدة وكأداء بالفعل.
فنقل المواطنين السعوديين من حالة الاتكال السايكولوجي على عطايا الدولة الريعية- النفطية، يتطلّب ثورة ثقافية شاملة، تعيد الاعتبار لقيم العمل، والتطوير، والابداع. ومثل هذه الثورة واجبة الوجود والحدوث، لأن معظم الاقتصاديين يتفقون على القول بأن الاصلاحات هذه المرة ستكون مُحتمة، وليس كسابقاتها التي كانت صفحتها تُطوى حالما تعاود أسعار النفط الإرتفاع، للاسباب التي أوردناها أعلاه. وبالتالي، سيكون على القيمين على "الرؤية" مهمة شاقة وضخمة تتمثّل في إقناع المواطنين بضرورة التأقلم معها.
ومالم يحدث ذلك، ستقود أهداف "الرؤية"، القاضية بجعل الانتاج غير النفطي 50 في المئة من اقتصاد البلاد، عبر الصناعات العسكرية وتطوير الخدمات، إلى وضع الوظائف الجديدة (ومعها المعرفة والخبرات) في حضن الجاليات الأجنبية. وهذا سيفاقم أزمة العمالة لدى المواطنين، ويُشرع الأبواب والنوافذ أمام صعود الحركات الأصولية المتطرفة.
وما يُطبّق على المواطنين يسحب نفسه على أفراد الأسرة الملكية، الذين يجب أن يتأقلموا هم أيضاً مع فكرة الانتقال من الدولة الرعوية الموفّرة للملاعق الذهبية، إلى الدولة الحديثة التي  تضع حصان العمل قبل عربة المكانة الوراثية.
-       - III-
لكن  من كل هذا وذاك، هو أن يترافق التغيير في الجانب الاقتصادي مع تحوّلات أخرى في الجوانب السياسية- الاجتماعية، التي من دونها سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إحداث هذه النقلة التي وصفتها صحيفة "فايننشال تايمز" الرصينة بأن من شأنها "تغيير أسس المملكة".
النقطة الأبرز في هذه التحوّلات، هي رسم خط فاصل وواضح بين الإديولوجيا التقليدية التي لم تعد تفي بحاجيات العصر (خاصة في مايتعلق بدور المرأة في كل القطاعات الاقتصادية) وبين أسس الدولة الحديثة. هذا لا يعني بالطبع التخلي عن الدين الذي هو الجزء الرئيس من الهوية في المملكة، بل  هو يعني تقنين نفوذ رجال الدين الأصوليين المتطرفين في التعليم والقضاء والمجتمع المدني. الأولوية هنا يجب أن تكون للدولة الوطنية ولحقوق المواطن وواجباته تجاه الوطن.
لقد شبّه البعض "رؤية 2030" بإصلاحات ميجي في القرن التاسع عشر، التي حولّت اليابان من دولة تقليدية إلى دولة حديثة، ومن اقتصاد استهلاكي وبدائي إلى اقتصاد هو الثاني الأكبر والأكثر تطوراً في العالم.
مثل هذا التشبيه قد يصح إذا ماترافقت الرؤية الاقتصادية مع رؤية سياسية تحقق ما فعلته إصلاحات ميجي، حين أشركت كل قطاعات المجتمع الياباني فيها من دون استثناء.
فهل سيكون محمد بن سلمان شجاعاً في هذا المجال، كما كان مقداماً في مشروعه الاقتصادي التحديثي؟
ربما. لكن هنا يجب ألا نغفل الحقيقة بأن السياسة وهاجس السيطرة كانت لهما حتى الآن الغلبة الكاسحة على "رؤية" النخبة السعودية الحاكمة، على رغم اعتراف معظم عناصرها بضرورة الإصلاح والتغيير.
وبالتالي، مالم تسرِ الثورة التغييرية في عروق هذه النخبة، وحتى قبل عروق المواطنين، قد نكون أمام تجربة أخرى من تجارب الإصلاح المُجهضة.
قد يكون محمد بن سلمان ميجي جديد، لكن لايمكن أن ينجح أي ميجي من دون ميجيين.

سعد محيو



الأربعاء، 24 فبراير 2016

قولوا لا لإيران والسعودية وتركيا والأكراد



نداء من "منتدى المبادرة الإقليمية"(*):

التصعيد الخطير الأخير في لبنان بين المحورين الإيراني والسعودي، والذي يهدد بتمديد حروب الواسطة الدموية الإقليمية إلى أرض الأرز، كان الحلقة الأخيرة (أو بالأحرى حلقة أخرى) من حلقات الحرب المذهبية- الجيوسياسية التي تخوضها راهناً المكونات التاريخية الأربع للمشرق العربي – الإسلامي، تركيا وإيران والعرب والأكراد. هذا ناهيك بالطبع عن الدور التخطيطي والتحريضي المدمّر الذي تمارسه القوة الإقليمية الإسرائيلية.
هذا التصعيد الجديد في المجابهات الإقليمية الذي يترافق، من أسف، مع جهود روسية- أميركية ودولية ( وإن كانت موضع تساؤلات) لمحاولة احتواء الكارثة الإنسانية الأضخم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في سورية، يبدو أنه يؤكد النظريات الغربية بأن الصراعات الدموية الراهنة في الشرق الأوسط، ستكون نسخة غير منقّحة عن حرب الثلاثين عاماً في أوروبا القرن السابع عشر، التي دارت هي الأخرى حول دوافع دينية- جيوسياسية، وأسفرت عن دمار شامل في أوروبا وإبادة ربع أو ثلث سكان القارة.
ونتساءل: هل تدرك العناصر التاريخية الأربعة في المنطقة أي هاوية سحيقة تسير إليها؟ والأهم: هل تدرك أنها تخوض حروباً عبثية لن يتمكّن أي من أطرافها الخروج منتصراً فيها، أو حتى الظفر بأي مكسب مهما كان ضئيلاً منها؟ الشيعة، مهما فعلوا، لن يتمكّنوا لا الآن ولا بعد حروب مائة عام من تشييع 1،2 مليار سنّي؟ والسنّة لن يتمكّنوا، مهما فعلوا، من إعادة شيعة إيران والعراق ولبنان والسعودية إلى قمقم الاضطهاد والتمييز.
السعودية تنفق الآن مابين 12-14 مليار دولار شهرياً على الحروب الإقليمية. وإيران تحذو حذوها وتنفق في سورية وحدها 20 مليار دولار سنوياً. وتركيا انضمت مؤخراً إلى ركب الانفاق المالي الكثيف بمئات ملايين الدولارات. وكل هذا لتمويل حروب لا نصر فيها، وللسيطرة على مناطق نفوذ لاتجلب المنافع والمكاسب الاقتصادية (كما في المنطق الامبريالي والامبراطوري) بل الأكلاف الباهظة التي ستُفلس حتماً كل القوى الإقليمية. هذا علاوة بالطبع عن سقوط مئات آلاف القتلى والجرحى (حتى الآن)، وتشريد عشرات الملايين، وتدمير التوازات الإيكولوجية للمشرق في وقت يُهدد تغيُّر المناخ العالمي بنشر الخراب البيئي- الاقتصادي في العالم، وعلى الأخص في كل مناطق العالم الثالث الفقير.
العناصر التاريخية الأربع تسير الآن نحو هاوية فوضى لم يسبق لها مثيل منذ الغزو المغولي للمنطقة في القرن الثالث عشر. وهي لن تكون حتماً "فوضى خلاقة"، لأن كل الحروب الأهلية الدينية – الجيوسياسية في الحضارة الإسلامية لم تصل مرة منذ نيف و1300 عام إلى أي سلام أو استقرار، بل هي أسفرت على العكس عن تكلُّس هذه الحضارة وفقدانها الحرية والاستقلال، وعن تفريخ مانرى الآن من أصوليات متطرفة وانتحارية وهويات قاتلة وسايكوباثية.
فلنطلق معاً صوتاً واحداً نحو تركيا وإيران والسعودية والأكراد لندعوهم إلى الحوار بدل الانتحار، وإلى التضامن والتعاون الخلاّق، بدل الاقتتال الدموي والتناحر العبثي. وهذه دعوة ليست فقط باسم ما تدّعيه جميع الأطراف من التزام بإله واحد، وحضارة واحدة، بل أيضاً باسم المصالح وحتى باسم الحفاظ على البقاء.
فلنطلق أيضاً معاً صوتاً واحداً ضد الجنون والهستيريا والتعصب الانتحاري، ولنطالب جميعاً هذه العناصر التاريخية للمنطقة بالجلوس إلى طاولة الحوار كي يثبتوا فعلاً أنهم "خير أمة أخرجت للناس"، وليس آخر حضارة مُنقرضة على سطح الأرض.
(*)- "منتدى المبادرة الإقليمية" مؤسسة قيد التأسيس في لبنان والمنطقة.

______________

الخميس، 6 أغسطس 2015

انقلابات المناخ العالمية في كلمة كاريكاتورية واحدة .. ورائعة


Tom Toles Cartoon: "History Of The Climate Change Debate"


                    تاريخ نقاشات تغيّر المناخ

                                 كاريكاتور  للرسّام الأميركي الشهير طوم تولز في 16 لوحة:

1                      1-(تغير المناخ) ليس حقيقيا

2                     -  ليس حقيقيا

3-                         ليس حقيقيا

4-)                     ليس حقيقيا

5-)                      ليس حقيقيا

6-)                       ليس حقيقيا

7-)                       ليس حقيقيا

8-)                        ليس حقيقيا

9-)                       ليس حقيقيا

10-                  )               ليس حقيقيا

11-                  )               ليس حقيقيا

12-                  )                 ليس حقيقيا

13-                  )                  ليس حقيقيا

14-                  )                 ليس حقيقيا

15-                  )                     ليس...

16-                                                                          فات الأوان كثيرا

_______

 

                      بدون تعليق، (بمناسبة ظاهرة الاحترار المرتفعة في المنطقة العربية والعالم)

                  سعد محيو

الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

العرب يحترقون، وأمّنا الطبيعة بدأت انتقامها الهائل


 




المنطقة العربية ذاقت للمرة الأولى، خلال الأيام الأخيرة، الطعم المر الحقيقي لمسألة تغيُّر المناخ، أو الاحترار العالمي (Climate change and global warming) .

فموجات الحر الحادة والحرائق التي اجتاحت كل بلدان الشرق الأوسط، كانت عيّنة، مجرد عيّنة، عما ينتظر شعوب المنطقة في قادم الأيام والسنين من الكوارث البيئية الزاحفة في المنطقة وفي كل أنحاء العالم.

بيد أن المذهل هنا أن كل، أو على الأقل معظم، وسائل الإعلام العربية، لم تربط بين هذه الموجات وبين تغيّر المناخ، الناجم أساساً عن التدمير المنهجي الذي يقوم به البشر بلا هوادة ولا وازع ضميري أو أخلاقي لبيئة الأرض وطقسها ومناخها. وهذا  التجاهل ناجم إما عن جهل بيئي مطبق، أو عن تآمر سياسي مطلق.

جهل غير مقدّس

الجهل "غير المقدس" وارد بالطبع. فلا أحد، على سبيل المثال، (ماعدا بعض المجلات العربية الواعدة كمجلة البيئة والتنمية وقبلها مجلة بدائل)، التفت إلى الحقيقة بأن أحد الأسباب الرئيسة للانتفاضة السورية العام 2011، كان تغيّر المناخ، الذي ترجم نفسه في صيغة جفاف ضرب المناطق الزراعية الكبرى في سورية، ودفع نحو مليوني مزارع إلى الهجرة نحو أحزمة الفقر حول المدن، ليكونوا لاحقاً جنود ووقود حركات المعارضة المسلحة على أنواعها.

ولا أحد يركّز، على سبيل المثال أيضاً، على أن جزءاً من المعضلة المصرية السياسية- الاقتصادية  الراهنة، سببه زحف الملوحة على الأراضي الزراعية، ماقوّض معيشة أكثر من 10 ملايين فلاح مصري. هذا في حين كان الانفجار الديموغرافي (المصريون الآن قاربوا التسعين مليونا) يتكفّل باستنزاف الموارد المائية والطاقة ونسف مستويات المعيشة، ويكاد يحيل القاهرة إلى مدينة تلوث غير قابلة للحياة السليمة.

وقل الأمر نفسه عن نواكشوط، عاصمة موريتانيا، المهددة الآن بالغرق تحت سطح البحر، والخلل الاحتراري الكبير في العراق بسبب إشعاعات وكيميائيات الحروب المتصلة، والدمار المائي والبيئي والاقتصادي الشامل في اليمن بسبب الحروب، والتناقص الهائل في موارد مياه الشفة والزراعة في معظم الدول العربية (المنطقة العربية هي الأولى في العالم المهددة بتدهور شامل في موارد المياه).

وحتى لبنان الغني بموارده المائية، عرضة الآن إلى خطر نقص المياه ليس فقط بسبب المليون ونصف المليون نازح سوري الذين يضغطون بقوة على هذه الموارد، بل أيضاً لأن الفوضى البيئية في بلاد الأرز تؤدي إلى تلويث العديد من خزانات المياه الجوفية، وتكاد تصحّر بلداَ لاطالما اشتهر في التاريخ بخضاره الفاقع وغاباته الغناء التي تقلّصت الآن إلى أقل من 6 في المئة من المساحة العامة للبلاد.

كارثة بيئية- ديموغرافية

كل هذه المعطيات تقود إلى حصيلة واحدة: المنطقة العربية تعيش تحت وطأة كارثة بيئية- ديموغرافية طاحنة، حتى ولو وضعنا جانباً مسـألة الاحترار وتغيّر المناخ العالمي. فما بالك الآن وقد باتت تأثيرات تغيُّر المناخ تحدث هنا والآن، وليس بعد 50 أو مئة سنة كما كان بعض العلماء يتكهنون؟ كيف ستكون صورة المنطقة حين تتقاطع الكارثة البيئية- الديموغرافية مع خطر الاحترار العالمي الزاحف؟

المسألة تحتاج إلى حلول سريعة. لكن مثل هذه الحلول تحتاج أولاً إلى وعي بيئي - كوني جديد، لايبدو أن النخب الحاكمة في الدول العربية تقبله أو حتى تعترف بالحاجة إليه.

في الولايات المتحدة، بدأ هذا الوعي يفرض شيئاً فشيئاً وجوده على أجندات القادة السياسيين. فالرئيس الأميركي أوباما بادر أمس إلى وضع قيود بيئية جديدة حتى على الغاز الصخري (Shale Gas)، على رغم أن هذا الأخير أحدث ثورة طاقة ضخمة في الولايات المتحدة. كما تعهد أوباما بخفض غازات الحبيسة قبل العام 2030. وفي بعض الدول الأوروبية، يبدو نفوذ هذا الوعي واضحاً في كل القرارات التي تتخذها حكومات هذه الدول، خاصة مثلاً منع استخراج النفط والغاز الصخريين في أراضيها بسبب الزلازل وتلوث المياه الجوفية التي يؤدي إليها.

نحن في منطقتنا في أمس الحاجة إلى بلورة مثل هذا الوعي، الذي بات أهم بكثير من كل فنون السياسة والاقتصاد. كما نحتاج أيضاً إلى وضع المسألة المائية البيئية ومشكلة تغيّر المناخ على قمة أولوياتنا، للأسباب التي أردناها أعلاه. وهذا هدف لن تصنعه حكوماتنا، بل يجب أن يكون من مسؤولية المنظمات غير الحكومية وهيئات المجتمع المدني، وخاصة منها الجمعيات النسائية التي يهمها بالدرجة الأولى (وعلى عكس الرجال) حماية الأطفال من خلال إنقاذ البيئة التي يترعرون في أحضانها.

* * *

موجة الحر الراهنة في المنطقة مجرد ناقوس انذار. وهي ليست ناجمة في الغالب لا عن تغيّر في البقع الشمسية ولا عن دورات تغيّر مناخ عادية، بل لها أساساً علاقة، كل العلاقة، بعربدتنا نحن البشر ضد توازنات أمنا الطبيعة(غايا).

وما لم ننصت اليوم إلى رسائل الإنذار هذه، ونتحرّك بشكل جماعي للاستجابة لها، ستواصل الأم غايا مسلسل انتقامها.

وهو انتقام سيكون هائلاً حقاً، وفظيعاً حقاً، وشاملاً حقا.

سعد محيو

الاثنين، 27 يوليو 2015






هل يخرج أوباما بطل سلام أو استسلام؟
 

( ينشر هذا المقال في موقع "سويس انفو" الالكتروني: http://www.swissinfo.ch/ara)


 

هل سيخرج الرئيس الأميركي باراك أوباما من أتون الصفقة النووية مع إيران بطل سلام، كما يعتقد هو ومساعدوه وأنصاره، أم رمزاً للاستسلام مثله مثل البريطاني نيفيل تشامبرلين الذي أبرم صفقة ميونيخ "الاستسلامية" مع هتلر العام 1938، كما يقول خصومه الجمهوريون والإسرائيليون والخليجيون؟

السؤال مهم الآن، لأن الشهرين المقبلين سيشهدا معارك في داخل أميركا (الكونغرس والإعلام ومراكز الأبحاث) وخارجها (من تل أبيب وموسكو وبيجينغ إلى الرياض وأنقرة والقاهرة) حول شخصية أوباما وفلسفته في السياسية الخارجية ومآل مثل هذه الفلسفة. وهي معارك استقطابية حامية الوطيس في الواقع، ستتراقص خلالها التقييمات حول سجل أول رئيس أسود في التاريخ الأميركي بين قطبي السذاجة والغباء، أو الذكاء الحاد والعبقرية.

لكن، ولكي نضع هذه النقاشات الحادة في سياقاتها الموضوعية قبل أن نصل إلى الاستنتاجات حول محصلاتها المحتملة المتعلقة بإرث أوباما، ثمة حاجة أولاً للتطرق إلى الفلسفة التي بنى عليها هذا الأخير صرح سياساته الخارجية طيلة السنوات السبع الماضية.

فلسفة أوباما

أول من وصف فلسفة أوباما في السياسة الخارجية بأنها "مبدأ أوباما"، كان الكاتب الأميركي إي. جي ديون. كتب في 16 نيسان/إبريل 2009 في "واشنطن بوست": هذا المبدأ هو شكل من الواقعية لايخشى استخدام القوة الأميركية، لكنه يحرص على أن يأخذ هذا الاستخدام بعين الاعتبار  الحدود العملية لهذه القوة، وأن يترافق مع حقنة من السلوكيات الذاتية الواعية".

الأولوية القصوى لهذه الواقعية هي الدبلوماسية، وليس العمل العسكري كما كان الأمر مع "مبدأ بوش وتشسيني. وهو أمر أفصح عنه أوباما باكراً حتى قبل أن يصبح رئيسا. فخلال السجالات التلفزيونية بين المرشحين الديمقراطيين للرئاسة، سئل أوباما هل هو مستعد للتفاوض مع قادة دول على عداوة أو خصومة مع الولايات المتحدة، فأجاب من دون تردد:" أجل. وبلا شروط أيضا".

وعشية تربعه على عرش البيت الأبيض كرئيس العام 2009، حدد أوباما سياسته الخارجية بالنقاط الآتية:

-       تحقيق "نهاية مسؤولة للحرب في العراق، وإعادة التركيز على الشرق الأوسط الأوسع.

-       بناء جيش أميركي للقرن الحادي والعشرين، مع إبداء الحكمة في استخدامه.

-       بذل جهد عالمي لضمان، وتدمير، ووقف انتشار أسلحة الدمار الشامل.

-       إعادة بناء التحالفات والشراكات الأميركية، الضرورية لمواجهة التحديات والتهديدات المشتركة، بما في ذلك الاحترار العالمي.

-       الاستثمار في "إنسانيتنا المشتركة"، من خلال المساعدات الخارجية ودعم أسس الديمقراطية المستدامة، بما في ذلك السلطة التشريعية القوية، والقضاء المستقل، وحكم القانون، والمجتمع المدني الحيوي، والصحافة الحرة، وقوة الشرطة النظيفة".

هذه التوجهات الخارجية "الموزونة" والحذرة تخدم في الواقع، وحرفاً بحرف، السياسات الداخلية لأوباما، التي تمحورت (وفق تعبير أوباما نفسه) حول:" إحياء الاقتصاد (الأميركي) وتوفير العناية الصحية للجميع، وتعزيز التعليم الرسمي وأنظمة الضمان الاجتماعي، ووضع خطة دقيقة للاستقلال في مجال الطاقة ومواجهة مخاطر تغيُّر المناخ".

ويعترف أوباما بأنه استقى مبدأه من فلسفة المفكر اللاهوتي الأميركي رينولد نيبوهر (1892-1971)، الذي أثّر أيضاً على مروحة واسعة من السياسيين والمخططين الاميركيين على غرار الرئيس السابق كارتر، ومارتن لوثر كينغ، وهيلاري كلينتون، وهيوبرت همفري، ودين أتشيسون، ومادلين أولبرايت، وجون ماكين وغيرهم.

نيبوهر طوّر ما أسماه "الواقعية المسيحية"، ورفض بقوة النزعة المثالية الطوباوية "لأنها غير فعالة في التعاطي مع الحقيقة". كتب في العام 1944:" إن قدرة الإنسان على العدالة تجعل الديمقراطية ممكنة، لكن ميل الإنسان إلى الظلم، تجعل الديمقراطية ضرورية".

"واقعية" نيبوهر هذه تطورت أكثر بعد الحرب العالمية الثانية، مادفعه إلى مغادرة معسكر السلام الذي كان يتزعم وبات من أشد داعمي "الحروب العادلة" والتصدي بقوة للشيوعية. كما تخلى عن أرائه الاشتراكية السابقة، لكنه شدد على ضرورة موازنة النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية.

 

.. والواقعية اللادبلوماسية

ويبدو واضحاً الآن أن أوباما طبّق تعاليم هذ اللاهوتي بحذافيرها، في السياستين الداخلية ( الضمان الصحي، ومحاولة الموازنة بين النمو الاقتصادي والضمانات الاجتماعية) والخارجية (الواقعية والبرغماتية، من دون التخلي عن فلسفة القوة).

مايهمنا هنا هو هذه السياسة الخارجية، والتي تجلّت واقعيتها ليس فقط في الصفقة الإيرانية، بل أيضاً في إبرام الصلح مع كوبا الشيوعية بعد 57 عاماً من المواجهات، ومد اليد إلى "الحضارة الإسلامية"، كما فعل في خطابي اسطنبول والقاهرة، واتفاقية التجارة مع 11 دولة في حوض الباسيفيك، والعمل مع الصين على تقليص مخاطر تغيُّر المناخ.

لكن، في مقابل هذه الواقعية الدبلوماسية، كان أوباما ينتقل إلى الواقعية اللادبلوماسية، حين تصدى بقوة لتدخل روسيا في أوكرانيا وأدان خرق هذه الأخيرة لاتفاقية الحد من انتاج الصواريخ متوسطة المدى. كما لم يخف رغبته في دفع النظام الروسي إلى الإفلاس من خلال العمل (مع السعودية) على خفض أسعار النفط بشكل هائل، واستنزاف القدرات الاقتصادية الروسية في أوكرانيا والقوقاز الإسلامي وسورية.

هذه بعض ملامح فلسفة أو مبدأ أوباما. وكما هو واضح، ليس في هذه التوجهات مايوحي بأن الرئيس الأميركي تخلى عن أهم مباديء السياسة الخارجية الأميركية التي كانت راسخة منذ زهاء قرنين من الزمن، وهي العمل على تغيير الأنظمة التي تعتبرها الولايات المتحدة خطراً عليها: من تدمير النظامين الألماني والياباني خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلى تغيير النظام السوفييتي ثم إسقاط امبراطوريته العام 1991. كل ما هناك أن أوباما يحاول أن يحقق عبر الدبلوماسية ما يمكن انجازه عبر الحرب.

وهو عبّر عن هذا التوجه بقوله:" الدبلوماسية ليست كاملة ولاتعطينا كل مانريد. لكن مافي وسعنا عمله هو أن نستخدم هذه الدبلوماسية للعمل على تشكيل الأحداث وفق مصالحنا".

وهذا يعني، بالنسبة إلى الصفقة النووية الإيرانية، أن هدف الواقعية الأوبامية النهائي ليس فقط منع إيران من حيازة الأسلحة النووية، بل أيضاً وبالدرجة الأولى تغيير سلوكيات النظام الإيراني. فهل ينجح؟

التحدي الكبير

هذا الآن هو التحدي الكبير الذي تواجهه فلسفة أوباما. فإذا ما نجحت "الواقعية الدبلوماسية" في تحقيق الهدف الأميركي الرئيس في تغيير السلوكيات الإقليمية (وليس فقط النووية) الإيرانية، سيدخل أوباما التاريخ كبطل للسلام والوفاق الدوليين، كما دخله الرئيس نيكسون بتوقيعه "الصفقة التاريخية" مع الزعيم الصيني ماوتسي تونغ.

أما إذا ابتلع الإيرانيون طعم الاتفاق النووي ولم يعلقوا بالسنارة الأميركية، أي إذا ماحصلوا على المزايا الاقتصادية الضخمة لهذا الاتفاق وواصلوا سياساتهم الإقليمية "الامبراطورية"، فسيتهاوى كل صرح مبدأ أوباما الواقعي، وسيخرج هذا من التاريخ بدل الدخول إليه.

حتى الآن، يبدو أن القيادة الإيرانية تحاول أن تتجنب بقدر الإمكان هذه السنارة. فمرشد الثورة أيه الله خامنئي أعلن قبل أيام أن الصفقة النووية "لن توقف مقاومة إيران للولايات المتحدة وإسرائيل، ولن تدفعها إلى التخلي عن حلفائها في سورية واليمن والعراق ولبنان". هذا في حين كان قادة الحرس الثوري (وهو القوة الأولى الحقيقية في البلاد) يجهرون برفضهم لهذا الاتفاق الذي مّس، برأيهم، الخطوط الحمر الإيرانية (أي سيادة البلاد واستقلالها).

بيد أن هذه التوجهات التصعيدية الإيرانية متوقعة في الواقع، بسبب تعدد مواقع السلطة وتنوعها في إيران، من جهة، ولأن الصفقة النووية تفرض بالفعل قيوداً مؤلمة على السيادة الإيرانية، من جهة أخرى. لكن هذا شيء، واندفاع إيران إلى خرق شروط الصفقة شيء آخر، لأن ما في الميزان هو بقاء أو انهيار الاقتصاد الإيراني برمته بفعل العقوبات الدولية والانهاك والاستنزاف الإقليميين.

وهذا بالتحديد مايراهن عليه "الشيطان الأكبر" أوباما: أي استخدام جزرة الاقتصاد لدفع إيران إلى تغيير جلدها الإديولوجي والإقليمي.

واستناداً إلى نجاح أو فشل هذا الرهان خلال السنة المتبقية من عهد أوباما، سيتحدد مصير إرث هذا الرئيس البراغماتي: إما نيكسون المنتصر أو تشامبرلين المهزوم.

 

سعد محيو