للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الجمعة، 30 يناير 2015

السعودية: تغييرات "استباقية" كاسحة





في 30 حزيران/يونيو، نشر موقع "اليوم، غدا" المقال ( نعيد نشره أدناه) حول مسألة "التغيير الحتمي" في المملكة السعودية، إنطلاقاً من الحقيقة بأن المجتمع السعودي شهد خلال العقود القليلة الماضية تغييرات عميقة، ترافقت مع تعدد الأجنحة والاجتهادات في صفوف أمراء الأسرة الحاكمة، ومع انقلابات حقيقية في طبيعة الإطلالة الدولية على دور المملكة الإيديولوجي والثقافي غداة أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة.
وجاء العدد الضخم من الأوامر الملكية (30 أمراً في يوم واحد) التي صدرت الخميس الماضي، ليؤكد أن هذا التغيير بدأ بالفعل من اليوم، وليس غداً أو بعد غد. لكن تغيير في أي اتجاه؟
فلنقرأ أولاً خلاصات هذه القرارات:
1-  حل الإثنا عشر هيئة حكومية التي كان الملك الراحل شكّلها للمساعدة على الإشراف على السياسات، وتشكيل مجلسين للشؤون الأمنية والسياسية بدلاً منها.
2-   إجراء تغييرات شاملة في القيادات الأمنية والسياسية والتربوية.
3-  إعفاء مدير جهاز المخابرات خالد بن مشعل  ومعه رئيس الأمن القومي بندر بن سلطان من منصبيهما.
4-  إعادة تشكيل مجلس الوزراء ، وتعيين وزراء جدد للتعليم والإعلام والزراعة، والابقاء على وزراء الخارجية والنفط والمال.
5-  إعفاء ابني الملك عبد الله، تركي ومشعل، من منصبيهما كأميري الرياض ومكة. وقبل ذلك إعفاء رئيس البلاط الملكي القوي في عهد الملك الراحل، خالد التويجري، من منصبه، وتعيين ابن الملك سلمان، محمد بن سلمان، مكانه، إضافة إلى تعيينه وزيراً للدفاع.
6-  إعفاء رئيسي وزارتي العدل والشرطة الدينية، اللذين كانا يوصفا بأنهما ليبراليين نسبيا، من منصبيهما.
من المبكر استقراء معنى هذه التغييرات الكاسحة، بالنسبة إلى موازين القوى بين أجنحة الامراء، على الرغم أنه الكفة مالت بوضوح لصالح الجناح السديري على حساب جناحي أبناء الملك عبد الله والأمير سلطان وبقية الأجنحة. ومن المبكر أيضاً التكهن بكيفية تقبّل الأمراء الذين تم استبعادهم من السلطة المباشرة لهذه الإجراءات.
لكن يمكن القول أن السرعة التي يتم فيها اتخاذ هذه الخطوات، تشي بأن النخبة السديرية الحاكمة قررت القيام بما أسماه البعض بـ"الانقلاب الاستباقي"، أو بفرض السلطة الجديدة كأمر واقع، خاصة بسبب المخاوف من أن تستغل بعض الأطراف اضطرابات الذاكرة ( Dementia) التي يعاني منها الملك سلمان للمطالبة بعزله من منصبه. وهذا قد يمنع استتباب الأمور للسلطة الراهنة.
علاوة على ذلك، تشي التغييرات في مجالات التربية والتعليم والشرطة الدينية بأن النخبة الجديدة تنوي اتخاذ موقف أكثر محافظة وتشددا على المستوى الإديولوجي، بدل المضي قدماً في إصلاحات الملك عبد الله في مجالات المرأة والتعليم والتشريع.
لكن، تنجح كل هذه الاجراءات المتلازمة في تحقيق استقرار السلطة الجديدة؟
ربما، خاصة وأنها باتت تمسك الآن بصنابير السلطة المالية الأسطورية. لكن مع ذلك، يجب القول أن ماجرى هو مغامرة تتضمن مخاطر واضحة. وهذا ما يوضح بعض جوانبه المقال أدناه:
________

ينُشر هذا المقال في موقع سويس انفو الالكتروني http://www.swissinfo.ch/arab
السعودية عادت إلى الخمسينيات.. والتغيير حتمي(30-1-2015)
سعد محيو
هل حُسِمت مسألة الخلافة السعودية، بتعيين أحد أبرز أمراء الجيل الثالث من آل سعود، محمد بن نايف، ولي ولي العهد؟
ظاهرياً، يبدو الأمر كذلك. فالسرعة التي تم فيها الإعلان عن تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، ثم فوراً تقريباً تعيين محمد بن نايف نائباً له، أوحى بأن الملك الجديد سلمان حسم بسرعة خاطفة الجدل الكبير داخل الأسرة حول مسألة انتقال السلطة من الجيل الثاني من آل سعود إلى الجيل الثالث.
بيد أن المظاهر قد تكون خادعة في الكثير من الأحيان، خاصة في نظام كالمملكة العربية السعودية يلف نفسه وصراعاته الداخلية بسرية مطلقة. فما يجري فيها فوق السطح اليوم، لن يعكس بالضرورة ما قد يطفو من تحت هذا السطح غدا. وهذا يصح على وجه التحديد بسبب الحقيقة أن معركة الخلافة الراهنة لاتتعلق بأشخاص بعينهم، بل بفروع عائلية كاملة تتشعب من آل سعود الذي يناهز تعداد أمرائهم الـ15 ألفاً (على ما يشاع). فروع تنافست تاريخياً، ولاتزال، في مابينها بضراوة على السلطة والنفوذ والمال.
مرحلة انتقالية خطرة
بالطبع، الأولوية القصوى لكل الأجنحة السعودية هي الحفاظ على سلطة العائلة، التي تعود جذور علاقتها بالسلطة إلى القرن الثامن عشر، حين خاض مؤسسو العائلة وقادتها صراعات مدهشة في عنادها ونجحوا، بعد تدمير دولتهم مرتين على يد العثمانيين والمصريين، في إقامة دولتهم الثالثة الراهنة العام 1932.
لكن في المقابل، ليس ثمة شك بأن المرحلة الراهنة ستكون حبلى بالمشاكل والمخاطر أمام الأسرة لأسباب عديدة:
فحكم الملك سلمان (79 عاماً) سيكون حتماً قصيراً، لأنه يعاني من بعض الأمراض أخطرها العته ( Dementia)، وهو مرض عضوي في الدماغ يضرب الذاكرة ويتسبب باضطرابات جسدية- نفسية. وولي العهد مقرن (69 سنة)، أمامه عقبات واضحة في طريقه لتسنم العرش، لأنه إبن خليلة يمنية وليس زوجة للملك عبد العزيز. هذا ناهيك عن أن الملك الراحل عبد الله خرق التقليد حين عمد إلى تعيين ولي العهد، وهو قرار كان متروكاً في السابق للملك الجديد.
ثم أن تعيين الأمير محمد بن نايف، الذس ينتمي إلى الفرع السديري من العائلة كما الملك سلمان (تيمناً بالزوجة المفضلة لدى الملك عبد العزيز حصة بنت أحمد السديري) ، ولياً ويياً للعهد وبالسرعة التي تم بها، سيثير من دون شك حفيظة العديد من أمراء الجيل الثالث، بينهم الأمير خالد بن سلطان، والأمير متعب بن عبد الله، والأمير خالد الفيصل، والأمير بندر بن سلطان وغيرهم الكثير.
يقول سيمون هندرسون، الخبير بشؤون العائلة السعودية في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى :" على رغم أن العديد من الناس يقولون أن عملية الانتقال ستكون سلسلة، إلا أن ثمة مروحة من الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بأن السعودية تتجه نحو أوضاع صعبة... فالمناورات داخل العائلة الملكية ستكون كثيفة للغاية، على رغم أن الأمراء يكرهون الاعتراف بهذه الحقيقة".
لكن، إذا مانحينا جانباً بشكل مؤقت، لأغراض التحليل،  الطبيعة البشرية التي تدفع الأخوة والأقارب إلى تناحر، قد يكون دموياً أحياناً، على السلطة، منذ بدء التاريخ البشري (قابيل وهابيل نموذجا)، ما العوامل الجديدة الآن التي تجعل الصراعات أكثر خطورة؟
هنا، التاريخ الحديث قد يضيء طريقنا قليلا.
في الخمسينيات من القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية صعود نجم الحركة القومية العربية التي نادت بالحداثة والوحدة والتحرير، وأطلقت تيارات عاطفية ضخمة في المنطقة تجسدت بالتفاؤل بإمكانية إعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية الباهرة. هذا التطور سرعان ما اجتاح مملكة السعوديين الذين كان ملكهم سعود، الذي حل مكان والده عبد العزيز المتوفي العام 1953، غارقاً في لجج الفساد ورافضاً بناء مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع معطيات العصر.
هذه الحقبة أفرزت حركتين داخل الأسرة: الأولى تكوّنت من "الأمراء الأحرار"،على  رأسهم الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي تعاطفوا مع الحركة القومية (في شقها الناصري) ودعوا إلى تحويل الدولة إلى مملكة دستورية. والحركة الثانية قادها الأمير السُديري فهد بن عبد العزيز، وطالبت بتنحي الملك سعود وتعيين الأمير فيصل مكانه كي يقوم بالاصلاحات الضرورية، وفي الوقت نفسه إحهاض حركة الأمراء الأحرار.
بقية تاريخ هذا التطور معروفة. لكن مايهمنا هنا هو أن الامراء الأحرار، كما الأمراء الأصلاحيين، لم يتحركوا في الواقع إنطلاقاً من معطيات عاطفية أو شعورية وحسب، بل كان هناك أيضاً تقاطع مصالح واضح بين استبعادهم عن السلطة وبين استخدامهم الإيديولوجيا الجديدة في المنطقة لصالح تحقيق أهدافهم الذاتية.
الخمسينيات مجددا
واقعة الخمسينيات هذه يمكن أن تتكرر الآن بحذافيرها في الهزيع الاول من القرن الحادي والعشرين. فالمنطقة تمر حالياً في تمخضات قد تكون أخطر بكثير حتى من تطورات الخمسينيات، حيث يجد الإسلام السعودي، الذي شكّل درعاً واقياً قوياً  في السابق ضد الموجة القومية والناصرية، نفسه في أحرج المواقف:
فهو مضطر، بسبب الضغوط الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر في أميركا، إلى إشهار الحرب على الجهاديين في المنطقة (النصرة، داعش، السلفيين المتطرفين.. ألخ) الذين ينتمون إلى الجذور الوهابية نفسها للإسلام السعودي. لكنه في المقابل يجد صعوبة فائقة في مواجهة أصول هذه الجذور في الداخل المتمثلة في المؤسسة الدينية الوهابية المحافظة التي تنشر المباديء الداعشية والنصروية نفسها.
وفي المقابل، لم يستطع الإسلام السعودي التعايش مع فكرة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وبقية الدول العربية، لأنه اعتبر أن مشروع الإسلام السياسي الخاص بهذه الجماعة يذهب بعيدا في عملية تزويج الإسلام إلى الديمقراطية (على حساب مبدـأ "إطاعة أولي الأمر"). وهذه مسألة لم تستطع بعض أجنحة الأسرة المتصلبة ابتلاعها.
الحل الذي خرجت به النخبة الحاكمة لهذا التخبط، إضافة إلى نثر عشرات مليارات الدولارات في الداخل والخارج لشراء الولاء، كان إعلان "الجهاد على الجهاديين" في الخارج، والقيام ببعض الاصلاحات في الداخل (مجلس الشورى، توسيع دور المرأة، تعديل مناهج التعليم.. ألخ). لكنها إصلاحات لم تمس في الواقع شعرة واحدة من نفوذ السلطة الدينية الوهابية.
بيد أن هذا الحل سيُثبت أنه مؤقت من بعض الأوجه، وخطر من كل الأوجه: فهو لن يرضي القوى الدولية التي عاد الإرهاب الأصولي يطرق أبوابها مجدداً وسيدفعها إلى استئناف الضغوط على المملكة لضرب جذوره الفكرية والتربوية في مؤسساتها. وهو سيغضب بعض الشباب السعودي الذي يرى التناقض واضحاً بين تربيته الوهابية وبين دعوته إلى مقاتلة أشباهه في المذهب من داعشيين وجهاديين. وهذه المعضلة، بالمناسبة، هي التي خلقت في ظروف مشابهة أزمة الهوية الطاحنة لدى أسامة بن لادن، وحوّلته من رجل أعمال "دنيوي" ينتمي إلى الدولة السعودية، إلى رجل حروب غوار "آخروي" يقاتل باسم "الثورة الوهابية".
إلى أين؟
الآن، إذا ما كانت المعضلة في المرحلة الانتقالية الراهنة في السعودية على هذا القدر من التعقيد، فإلى أين من هنا؟
العديد من المراقبين يعتقدون أن الأمر بات يحتاج إلى تيارات تغيير شبيهة بثورة الأمراء الأحرار أو الانتفاضة الاصلاحية الفيصلية. لكن هذه المرة في شكل يؤدي إلى الاخضاع التام لـ"الثورة الوهابية" إلى سلطة الدولة الوطنية والهوية الوطنية (كما يحدث الآن في مصر- السيسي).
بيد أن هذا الأمر يحتاج إلى أمرين متلازمين كي يتحقق: الأول، حفز وتشجيع الأمراء الإصلاحيين الجدد على توضيح مواقفهم علنا، من خلال بروز إئتلاف من قوى مجتمع مدني  تتكوّن من عشرات آلاف الطلاب الذين تعملوا في الغرب، ومن العناصر النسوية ومئات آلاف العاطلين عن العمل والهيئات المطالبة بالاصلاحات الدستورية. والثاني، انحياز كيانات قَبَلية وعشائرية ذات وزن إلى تيار الأمراء الإصلاحيين.
هذان الامران لايبدوان في الأفق الآن. لكن بروزهما يبدو حتمياً في وقت غير بعيد، بسبب المخاطر غير المسبوقة التي تتعرض إليها الأسرة السعودية في الداخل والخارج على الصعد كافة الاستراتيجية والفكرية والثقافية والديمغرافية (طفرة الشباب الضخمة).
في الوقت الراهن، ستكون الاستمرارية هي الشعار في الداخل وربما أيضاً في الخارج على صعيد "حرب النفط " مع إيران (وروسيا) ودعم مصر السيسي والمعارضة السورية، ومجابهة مخاطر النفوذ الإيراني في اليمن والعراق، وأخطار صعود داعش. لكن تقاطع معركة الأجيال داخل الأسرة مع المعارك الإديولوجية والإقليمية الضخمة، إضافة إلى التغيرات الهائلة في المجتمع السعودي، ستجعل مثل هذه الاستمرارية مجرد سحابة صيف عابرة.
وقديماً قال ابن خلدون: "إذا ماتبدّلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره و كأنه خلق جديد ".
                                    _______________________________











الاثنين، 26 يناير 2015

السعودية عادت إلى الخمسينيات.. والتغيير حتمي

ينُشر هذا المقال في موقع سويس انفو الالكتروني http://www.swissinfo.ch/ara

سعد محيو
هل حُسِمت مسألة الخلافة السعودية، بتعيين أحد أبرز أمراء الجيل الثالث من آل سعود، محمد بن نايف، ولي ولي العهد؟
ظاهرياً، يبدو الأمر كذلك. فالسرعة التي تم فيها الإعلان عن تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، ثم فوراً تقريباً تعيين محمد بن نايف نائباً له، أوحى بأن الملك الجديد سلمان حسم بسرعة خاطفة الجدل الكبير داخل الأسرة حول مسألة انتقال السلطة من الجيل الثاني من آل سعود إلى الجيل الثالث.
بيد أن المظاهر قد تكون خادعة في الكثير من الأحيان، خاصة في نظام كالمملكة العربية السعودية يلف نفسه وصراعاته الداخلية بسرية مطلقة. فما يجري فيها فوق السطح اليوم، لن يعكس بالضرورة ما قد يطفو من تحت هذا السطح غدا. وهذا يصح على وجه التحديد بسبب الحقيقة أن معركة الخلافة الراهنة لاتتعلق بأشخاص بعينهم، بل بفروع عائلية كاملة تتشعب من آل سعود الذي يناهز تعداد أمرائهم الـ15 ألفاً (على ما يشاع). فروع تنافست تاريخياً، ولاتزال، في مابينها بضراوة على السلطة والنفوذ والمال.
مرحلة انتقالية خطرة
بالطبع، الأولوية القصوى لكل الأجنحة السعودية هي الحفاظ على سلطة العائلة، التي تعود جذور علاقتها بالسلطة إلى القرن الثامن عشر، حين خاض مؤسسو العائلة وقادتها صراعات مدهشة في عنادها ونجحوا، بعد تدمير دولتهم مرتين على يد العثمانيين والمصريين، في إقامة دولتهم الثالثة الراهنة العام 1932.
لكن في المقابل، ليس ثمة شك بأن المرحلة الراهنة ستكون حبلى بالمشاكل والمخاطر أمام الأسرة لأسباب عديدة:
فحكم الملك سلمان (79 عاماً) سيكون حتماً قصيراً، لأنه يعاني من بعض الأمراض أخطرها العته ( Dementia)، وهو مرض عضوي في الدماغ يضرب الذاكرة ويتسبب باضطرابات جسدية- نفسية. وولي العهد مقرن (69 سنة)، أمامه عقبات واضحة في طريقه لتسنم العرش، لأنه إبن خليلة يمنية وليس زوجة للملك عبد العزيز. هذا ناهيك عن أن الملك الراحل عبد الله خرق التقليد حين عمد إلى تعيين ولي العهد، وهو قرار كان متروكاً في السابق للملك الجديد.
ثم أن تعيين الأمير محمد بن نايف، الذس ينتمي إلى الفرع السديري من العائلة كما الملك سلمان (تيمناً بالزوجة المفضلة لدى الملك عبد العزيز حصة بنت أحمد السديري) ، ولياً ويياً للعهد وبالسرعة التي تم بها، سيثير من دون شك حفيظة العديد من أمراء الجيل الثالث، بينهم الأمير خالد بن سلطان، والأمير متعب بن عبد الله، والأمير خالد الفيصل، والأمير بندر بن سلطان وغيرهم الكثير.
يقول سيمون هندرسون، الخبير بشؤون العائلة السعودية في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى :" على رغم أن العديد من الناس يقولون أن عملية الانتقال ستكون سلسلة، إلا أن ثمة مروحة من الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بأن السعودية تتجه نحو أوضاع صعبة... فالمناورات داخل العائلة الملكية ستكون كثيفة للغاية، على رغم أن الأمراء يكرهون الاعتراف بهذه الحقيقة".
لكن، إذا مانحينا جانباً بشكل مؤقت، لأغراض التحليل،  الطبيعة البشرية التي تدفع الأخوة والأقارب إلى تناحر، قد يكون دموياً أحياناً، على السلطة، منذ بدء التاريخ البشري (قابيل وهابيل نموذجا)، ما العوامل الجديدة الآن التي تجعل الصراعات أكثر خطورة؟
هنا، التاريخ الحديث قد يضيء طريقنا قليلا.
في الخمسينيات من القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية صعود نجم الحركة القومية العربية التي نادت بالحداثة والوحدة والتحرير، وأطلقت تيارات عاطفية ضخمة في المنطقة تجسدت بالتفاؤل بإمكانية إعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية الباهرة. هذا التطور سرعان ما اجتاح مملكة السعوديين الذين كان ملكهم سعود، الذي حل مكان والده عبد العزيز المتوفي العام 1953، غارقاً في لجج الفساد ورافضاً بناء مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع معطيات العصر.
هذه الحقبة أفرزت حركتين داخل الأسرة: الأولى تكوّنت من "الأمراء الأحرار"،على  رأسهم الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي تعاطفوا مع الحركة القومية (في شقها الناصري) ودعوا إلى تحويل الدولة إلى مملكة دستورية. والحركة الثانية قادها الأمير السُديري فهد بن عبد العزيز، وطالبت بتنحي الملك سعود وتعيين الأمير فيصل مكانه كي يقوم بالاصلاحات الضرورية، وفي الوقت نفسه إحهاض حركة الأمراء الأحرار.
بقية تاريخ هذا التطور معروفة. لكن مايهمنا هنا هو أن الامراء الأحرار، كما الأمراء الأصلاحيين، لم يتحركوا في الواقع إنطلاقاً من معطيات عاطفية أو شعورية وحسب، بل كان هناك أيضاً تقاطع مصالح واضح بين استبعادهم عن السلطة وبين استخدامهم الإيديولوجيا الجديدة في المنطقة لصالح تحقيق أهدافهم الذاتية.
الخمسينيات مجددا
واقعة الخمسينيات هذه يمكن أن تتكرر الآن بحذافيرها في الهزيع الاول من القرن الحادي والعشرين. فالمنطقة تمر حالياً في تمخضات قد تكون أخطر بكثير حتى من تطورات الخمسينيات، حيث يجد الإسلام السعودي، الذي شكّل درعاً واقياً قوياً  في السابق ضد الموجة القومية والناصرية، نفسه في أحرج المواقف:
فهو مضطر، بسبب الضغوط الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر في أميركا، إلى إشهار الحرب على الجهاديين في المنطقة (النصرة، داعش، السلفيين المتطرفين.. ألخ) الذين ينتمون إلى الجذور الوهابية نفسها للإسلام السعودي. لكنه في المقابل يجد صعوبة فائقة في مواجهة أصول هذه الجذور في الداخل المتمثلة في المؤسسة الدينية الوهابية المحافظة التي تنشر المباديء الداعشية والنصروية نفسها.
وفي المقابل، لم يستطع الإسلام السعودي التعايش مع فكرة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وبقية الدول العربية، لأنه اعتبر أن مشروع الإسلام السياسي الخاص بهذه الجماعة يذهب بعيدا في عملية تزويج الإسلام إلى الديمقراطية (على حساب مبدـأ "إطاعة أولي الأمر"). وهذه مسألة لم تستطع بعض أجنحة الأسرة المتصلبة ابتلاعها.
الحل الذي خرجت به النخبة الحاكمة لهذا التخبط، إضافة إلى نثر عشرات مليارات الدولارات في الداخل والخارج لشراء الولاء، كان إعلان "الجهاد على الجهاديين" في الخارج، والقيام ببعض الاصلاحات في الداخل (مجلس الشورى، توسيع دور المرأة، تعديل مناهج التعليم.. ألخ). لكنها إصلاحات لم تمس في الواقع شعرة واحدة من نفوذ السلطة الدينية الوهابية.
بيد أن هذا الحل سيُثبت أنه مؤقت من بعض الأوجه، وخطر من كل الأوجه: فهو لن يرضي القوى الدولية التي عاد الإرهاب الأصولي يطرق أبوابها مجدداً وسيدفعها إلى استئناف الضغوط على المملكة لضرب جذوره الفكرية والتربوية في مؤسساتها. وهو سيغضب بعض الشباب السعودي الذي يرى التناقض واضحاً بين تربيته الوهابية وبين دعوته إلى مقاتلة أشباهه في المذهب من داعشيين وجهاديين. وهذه المعضلة، بالمناسبة، هي التي خلقت في ظروف مشابهة أزمة الهوية الطاحنة لدى أسامة بن لادن، وحوّلته من رجل أعمال "دنيوي" ينتمي إلى الدولة السعودية، إلى رجل حروب غوار "آخروي" يقاتل باسم "الثورة الوهابية".
إلى أين؟
الآن، إذا ما كانت المعضلة في المرحلة الانتقالية الراهنة في السعودية على هذا القدر من التعقيد، فإلى أين من هنا؟
العديد من المراقبين يعتقدون أن الأمر بات يحتاج إلى تيارات تغيير شبيهة بثورة الأمراء الأحرار أو الانتفاضة الاصلاحية الفيصلية. لكن هذه المرة في شكل يؤدي إلى الاخضاع التام لـ"الثورة الوهابية" إلى سلطة الدولة الوطنية والهوية الوطنية (كما يحدث الآن في مصر- السيسي).
بيد أن هذا الأمر يحتاج إلى أمرين متلازمين كي يتحقق: الأول، حفز وتشجيع الأمراء الإصلاحيين الجدد على توضيح مواقفهم علنا، من خلال بروز إئتلاف من قوى مجتمع مدني  تتكوّن من عشرات آلاف الطلاب الذين تعملوا في الغرب، ومن العناصر النسوية ومئات آلاف العاطلين عن العمل والهيئات المطالبة بالاصلاحات الدستورية. والثاني، انحياز كيانات قَبَلية وعشائرية ذات وزن إلى تيار الأمراء الإصلاحيين.
هذان الامران لايبدوان في الأفق الآن. لكن بروزهما يبدو حتمياً في وقت غير بعيد، بسبب المخاطر غير المسبوقة التي تتعرض إليها الأسرة السعودية في الداخل والخارج على الصعد كافة الاستراتيجية والفكرية والثقافية والديمغرافية (طفرة الشباب الضخمة).
في الوقت الراهن، ستكون الاستمرارية هي الشعار في الداخل وربما أيضاً في الخارج على صعيد "حرب النفط " مع إيران (وروسيا) ودعم مصر السيسي والمعارضة السورية، ومجابهة مخاطر النفوذ الإيراني في اليمن والعراق، وأخطار صعود داعش. لكن تقاطع معركة الأجيال داخل الأسرة مع المعارك الإديولوجية والإقليمية الضخمة، إضافة إلى التغيرات الهائلة في المجتمع السعودي، ستجعل مثل هذه الاستمرارية مجرد سحابة صيف عابرة.
وقديماً قال ابن خلدون: "إذا ماتبدّلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره و كأنه خلق جديد ".








الأربعاء، 21 يناير 2015

التغيير في السعودية كيف ومتى؟


التغيير في السعودية:  كيف ومتى؟
(محاضرة ألقاها سعد محيو في المؤتمر الـ13 لمؤسسة الفكر العربي- المغرب، 2-5; كانون الأول/ديسمبر 2014)
______________
اسمحوا لي، بداية، بطرفتين في شكل اعتذارين:
الأولى، مسألة الصوت، حيث أن أحد الزملاء الأعزاء المشاركين في هذا المؤتمر، أهداني بكل الجود والكرم الممكنين، رزمة كاملة وسخية من فيروسات الانفلونزا، فأثّر مشكوراً على صوتي.
والثاني، أن حديثي معكم سيكون صريحاً وواضحاً ومخلصاً، ولذا آمل وأرجو وأصلّي أن ينزل كلامي برداً وسلاماً، بقدر الامكان، على صدور البعض، خاصة صدر الاستاذ ضاحي خلفان.
وأخيراً، أود أن أوضح أني أتحدث هنا باسمي وعلى مسؤوليتي الخاصة وليس باسم مؤسسة كارنيغي.
_____________________________
ألبرت إينشتاين اعتاد أن يقول: أنت لاتستطيع أن تحل المشاكل الجديدة بوعي قديم.
لكن يبدو أن المملكة السعودية ودول الخليج لاتفعل الآن سوى ذلك، أي محاولة حل المشاكل الجديدة، وهي بالمناسبة مشاكل ضخمة وشائكة بالفعل، بنمط وعي قديم يستند أساساً إلى "شراء" الحلول، وإلى الاقتصار على المخارج الامنية البحتة.  الجديد الوحيد في هذه السلوكيات هي السياسا الهجومية الإقليمية التي تخوضها دول الخليج، خاصة السعودية ودولة الإمارات وقطر، من ليبيا ومصر إلى سورية والعراق ومن مالي إلى اليمن، والتي تذكّر إلى حد بعيد بالثورات المضادة التي قامت بها الملكيات الأوروبية المحافظة في القرن التاسع عشر.
على الصعيد الآني والفوري، يبدو هذا التوجّه منطقياً أو على الأقل واقعيا. ففي الميزان مسألة صراع البقاء وسط متغيرات دولية وإقليمية ومحلية مدوّخة، كما سنرى بعد قليل. وفي مثل هذه الحالة، أفضل دفاع هو الهجوم. أو هذا على الأقل ما يقوله الوعي القديم لدى النخب الخليجية الحاكمة، ويدفعها إلى تطبيق السياسات القديمة نفسها التي ثبت في السابق نجاعتها. أي: "شراء" الأمن بأموال النفط، ومقاومة التغيير في الخارج الإقليمي، وتجميد الإصلاحات في الداخل المحلي، وبناء منظومة التحالفات الإقليمية على هذا الأساس، من مشروع الاتحاد الخليجي المتعثر إلى تأسيس القيادة العسكرية المشتركة، مروراً بمشروع التحالف الخليجي مع مصر والمغرب والأردن.
بيد أن سياسات الوعي القديم هذه لاتأخذ في الاعتبار، وعلى نحو خطر للغاية، المتغيرات الساحقة الجديدة في الساحات الدولية والإقليمية والمحلية:
المتغير الأول كان بالطبع مضاعفات أحداث 11 سبتمبر 2001 التي غيّرت الولايات المتحدة إلى غير مارجعة، بغض النظر عمن يقطن في البيت الأبيض. إذ هي أنهت عملياً التحالف الذي دام زهاء 70 عاماً بين الاسلام السعودي وواشنطن، والذي أبرمه الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت في البحيرات المرة في 14 شباط فبراير 1945 على متن البارجة الأميركية كوينسي. وكانت الحصيلة بدء بحث الولايات المتحدة عن "إسلام بديل" توجته لاحقاً بالصفقة مع جماعة الإخوان المسلمين منذ العام ،2005 ثم بخطابي أوباما الشهيرين في اسطنبول والقاهرة.
صحيح أن فشل تجربة الإخوان في الحكم في مصر وانحسارهم الطوعي في تونس، فرمل المشروع الأميركي الجديد، إلا أنه من المستبعد للغاية أن يعيد عقارب الساعة مجدداً إلى صباح 14 شباط فبراير 1945.
المتغّير الثاني هو بسط امبراطورية العولمة الرأسمالية النيو ليبرالية هيمنتها الكاملة على كل انحاء المعمورة، حاملة معها شروطاً لاتتطابق مع طبيعة الأنظمة السياسية- الإديولوجية الخليجية الراهنة، أبرزها فتح الأبواب والنوافذ أمام التدفقات الثقافية للعولمة، وحكم القانون والشفافية، والاهم تكييف المفاهيم الإسلامية مع متطلبات السوق الليبرالية اقتصادياً وديمقراطيا. وهذا التكيّف هو بالتحديد ماتفعله الآن الإسلامات التركية والماليزية والاندونيسية، وماقد يفعله الاسلام الإيراني إذا ما أبرم "صفقة نيكسونية" مع اميركا، وأيضاً ما تفعله الهندوكية في الهند والطاوية- الكونفوشيووية في الصين، ومافعلته قبلها المسيحية البروتستانتية في الغرب.
المتغيّر الثالث هو بروز ما أسماه المفكر اليميني بريجينسكي ثورة "الشارع السياسي" في العالم، وما أطلق عليه المفكران اليساريان نيغري وهارت "ثورة الجمهور" تيمناً بفكر الفيلسوف سبينوزا، وهي الثورة التي انزلت الجمهور العربي إلى الشوارع، وقد تعيدها إليها في كل لحظة تشعر فيها أن مطالبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم تتحقق، خاصة في مصر التي تتراقص الأن على شفا "كارثة إنسانية" وفق تعبير فايننشال تايمز.
إلى جانب هذه المتغيرات الكبرى، هناك متغيرات أخرى لاتقل خطورة تتجسد في أزمات الماء والطعام، وتآكل البيئة الطبيعية، وتغيُّر المناخ، والضغوطات الديمغرافية الهائلة مع الطفرة في أعداد الشباب، والعجوزات في البنية الاقتصادية.  وهذه المعطيات تتقاطع مع التهديدات التقليدية المتمثلة في انفجار العديد من الدول العربية، وتفاقم الصراعات الإقليمية في شكل صراع سني- شيعي، وصعود العنف الأصولي، ومخاطر انتشار الأسلحة النووية. كل هذه العوامل تفرض ضغوطاً شديدة  وغير مسبوقة على طبيعة العقد الاجتماعي الراهن في كل الدول العربية، لكن خاصة في دول الخليج.
الآن، إذا مااعترفنا بأن طبيعة المشاكل والتحديات تغيّرت بشكل راديكالي وجذري، نأتي إلى السؤال: أي وعي جديد يجب أن يبرز ليطرح الحلول لهذه المشاكل الجديدة؟
إذا ماكنا نتحدث عن دول الخليج، لكونها الآن في قمرة قيادة المنطقة العربية، فإن أول مايجب أن نعترف به هو أن التغيير الإصلاحي يجب أن يتم على أيدي النخب الحاكمة نفسها، على عكس ماقد يجري في العديد من الدول العربية. لماذا؟ لأن هذه النخب تعتبر جزءاً عضوياً (وفق المفهوم الغرامشي) من البنية القبلية- الاجتماعية الخليجية. وهي حازت من هذا الموقع على شرعية تاريخية تمتد أحياناً إلى قرون عدة، ثم جاءت ثروات النفط لتعزز هذه الشرعية الاجتماعية بالعصبية المالية.
وبالتالي، الصراع في منطقة الخليج الآن ليس بين نخب جديدة تسعى إلى السلطة والثروة وبين نخب قديمة حاكمة، بل في داخل هذه النخب نفسها وفي مدى قدرتها على التأقلم مع المتغيرات. فالبديل هنا لرفض التغيير والتطوير والإصلاح هو تغيير الخرائط، وليس تغيير أنظمة الحكم، تماماً كما يحدث حالياً في سورية.
ثورة الوعي التي يجب أن تحدث من داخل النخب الحاكمة، يُفترض أن تواكب التغيرات الخارجية الكاسحة بسلسلة بسلسلة انتقالات ندّعي بتواضع أنها على النحو الآتي:
أولاً، الانتقال التدريجي من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية، ومن شرعية "الرعايا"، بقيادة عصبية دينية لاتاريخانية، إلى شرعية المواطنة الشاملة وحكم القانون والشفافية والدولة المدنية الحديثة. وهذه كلها، أو معظمها، باتت من شروط العولمة.
ثانياً، الانتقال إلى ثورة روحانية في الإسلام، تمكّن "الاسلام العربي" المُنفتح والمتسامح تاريخياً، والذي تعبّر عنه بشكل رائع الآيات المكّية في القرآن الكريم، من التنافس مع إسلامات تركيا وإيران والإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين وغير الجهاديين. من دون مثل هذه الثورة، سيخسر كل العرب المعركة الكبرى الراهنة لتحديد طبيعة الإسلام الذي سيكون جزءاً من النظام العالمي المتعولم الجديد.
ثالثا، إعادة الاعتبار للهوية العربية، بصفتها أنجع لحمة في داخل المجتمعات العربية التعددية وبين الدول العربية. لكن ليس أي عروبة، بل تلك التي تفيد من كوارث العروبة "الرومانسية" السابقة التي انجبت معظم الديكتاتوريات في المنطقة. عروبة تشبك مجدداً الهوية العربية بالحرية وحقوق الانسان والديمقراطية والتعددية والاعتراف بالهويات القومية الأخرى، وتبث الروح مجددا في جسد النظام الاقليمي العربي المتهالك، أنظمة وشعوبا.
رابعا، الانتقال من منطق "شراء" التحالفات مع الدول العربية الإخرى، كما يُطرح الآن من خلال فكرة التحالف الخليجي مع مصر والمغرب والإردن، إلى منطق الاتحاد والتكامل الحقيقييين لكل الدول العربية. وهذا في إطار برامج محددة لاطلاق طاقات الانتاج والزراعة والصناعة والعلوم والتكنولوجيا، الكفيلة وحدها بمجابهة العاصفة الكاملة من عجوزات الغذاء والماء وانقلابات البيئة والتي تهدد خلال سنوات قليلة بكارثة إنسانية هائلة في المنطقة العربية.
خامساً، وأخيرا، الانتقال العربي إلى مرحلة المبادرات التاريخية الكبرى، من خلال الدعوة إلى وقف الحروب القاتلة بين مكونات الشرق الأوسط التاريخية، والعمل، بدلاً من ذلك، حتى على إقامة كونفيدرالية عربية- تركية- إيرانية- كردية- يهودية على نمط الاتحادين الاوروبي أو السويسري . هذا في الوقت  نفسه الذي يجري فيه العمل على تنويع العلاقات الدولية للمنطقة العربية بما يواكب المتغيرات السريعة في النظام العالمي، خاصة منها تلك المتعلقة بصعود الشرق الآسيوي ومجموعتي العشرين والبريكس إلى قمرة القيادة العالمية.
***
هل هذه الاقتراحات مجرد أضغاث أحلام في ليلة صيف ساخنة؟
أجل!
لكن المفارقة هنا أنه من دون هذه الاحلام، سيعاين العرب (وهم يعانون بالفعل الآن) كابوساً أو حتى كوابيس متصلة قد لاتخطر على بال. فالمنطقة تعيش حالياً في مرحلة شبيهة للغاية بمرحلة الحرب العالمية الأولى التي انهار بعدها الباكس العثماني ونظامه الإقليمي الشرق أوسطي الذي دام نيفاً وأربعة قرون، لتحل مكانه الحروب والفوضى وتقاسم المنطقة العربية بالعدل والقسطاس بين الدول الكبرى.
الآن، كما يقول برنارد لويس في كتابه "الشرق الأوسط (وهذه المرة نحن نؤيده على رغم اختلافنا الكبير مع أفكاره): للمرة الأولى منذ قرنين، يبدو مصير شعوب الشرق الأوسط في يدها. وهي يمكن أن نختار الفوضى والتجزؤ على طريقة يوغوسلافيا أو الصومال، أو الالتقاء والتوحد والتعاون في سلام.
___________
لدينا ملاحظة أخيرة: في غياب الوعي العربي الجديد الذي يجب أن يُطلق مشروعاً حضارياً شاملاً، سيكون العرب على لائحة طعام المأدبة الدولية- الإقليمية الكبرى الراهنة. وعلى رغم أن تركيا وإيران واليهود يبدون حتى الآن على لائحة الضيوف، إلا أن الامر قد لايستمر طويلا. ففي غياب النظام الإقليمي الجديد التعاوني والمسالم، الكل سيكون وقوداً لجهنم المتفجرة الآن في
طول الشرق الأوسط وعرضه، والتي قد تدوم سنوات وحتى عقودا.
________  




الثلاثاء، 20 يناير 2015

إسرائيل، لاحزب الله، تريد تفجير المنطقة

(ينشر هذا المقال في موقع سويس انفو http://www.swissinfo.ch (
إسرائيل، لاحزب الله، تريد تفجير المنطقة

هل سيرد حزب الله اللبناني وحليفته إيران على الضربة الموجعة التي تلقياها، حين قتلت مروحة إسرائيلية بالصواريخ الأحد الماضي ستة من قادتهما وكوادرهما في مرتفعات الجولان السورية؟
الكثيرون في بيروت، وبينهم المحلل السياسي اللبناني البارز علي الأمين، يعتقدون أن هذه الضربة موجعة للغاية لكلٍ من الحزب وطهران. فإضافة إلى وجود قادة عسكريين (أو أمنيين ) ميدانيين لبنانيين وإيرانيين في صفوف الضحايا، إلا أن سقوط جهاد عماد مغنية، نجل القائد العسكري في حزب الله عماد مغنية الذي اغتالته إسرائيل العام 2008، سيضع الطرفين في وضع حرج للغاية شعبياً وسايكولوجيا.
فالحزب، وعلى رغم تهديداته المتعددة لم يرد حتى الآن على عملية اغتيال مغنية الأب. وبالتالي، سكوته الآن أيضاً على اغتيال مغنية الأبن الذي لايتجاوز الخامسة والعشرين ربيعا، والذي يقال أنه سُلٍّم في مثل هذه السن المبكرة ملف جبهة الجولان، سيكون له صدى مُحبطاً للغاية في صفوف مقاتليه كما بين بيئته الشعبية الحاضنة في لبنان.
ثم أن إيران نفسها اهتمت بإحاطة جهاد مغنية بكل مظاهر التكريم والاهتمام الممكنين، خاصة من جانب قائد الحرس الثوري الإيراني الشهير قاسم سليماني، الذي حرص (على سبيل المثال) أن يقف جهاد إلى جانبه خلال تلقيه العزاء بوالدته (قاسم)، إلى درجة جعلت البعض يعتقدون أن جهاداً هو ابنه.
علاوة على ذلك، يشهد حزب الله اللبناني في هذه الأيام أزمات عديدة، تؤثٍّر هي الأخرى كثيراً على نفوذه وسمعته في بيئته الحاضنة اللبنانية. فعدد كوادر الحزب الذين سقطوا في الحرب السورية التي يخوضها إلى جانب النظام السوري، ناهز الآن الألف مقاتل (والبعض يقول 1300 مقاتل)، إضافة إلى آلاف الجرحى. هذا من دون أن يبدو أن ثمة نهاية ما في الأفق لهذا النزف المتواصل للحزب: لا حرباً بمعنى الحسم العسكري (كما وعد قادته مرارا) ولا سلماً في إطار تسوية سياسية ما للأزمة السورية.
وإلى الجانب العسكري ذي الأكلاف البشرية الباهظة، هناك الجانب المالي. فقد أدى الهبوط الشاهق (والمخطط له على مايبدو بين الرياض وواشنطن لإفلاس إيران وروسيا) لأسعار النفط من 115 دولاراً قبل ثلاثة أشهر إلى مادون الـ60 دولاراً الآن، أدى إلى دفع إيران إلى خفض كبير نسبياً  لدعمها المالي لحزب الله، على رغم أنها تعتبر هذا الحزب الانجاز الأكبر لـ"ثورتها الإسلامية"، سواء في المجابهة مع إسرائيل أو في معركة الرهائن الشهيرة في الثمانينيات مع الغرب.
وقد أجبر هذا الخفض الحزب على تقليص معدلات الرواتب لكوادره، والخدمات الاجتماعية لجمهوره، وتمويل بعض السياسيين اللبنانيين المحسوبين عليه (أشارت نيوزويك، على سبيل المثال، إلى أن سياسياً درزياً كان يتقاضى 60 ألف دولار شهرياً من الحزب، لايحصل الآن سوى على 15 ألف دولار، مع نصيحة له بضرورة الاعتماد على نفسه قريبا).
عاصفة كاملة
كل هذه المعطيات تشي بأن حزب الله اللبناني كان يواجه أصلاً قبل ضربة الجولان، ما يمكن أن يكون "عاصفة كاملة" على الصعد البشرية والاقتصادية والعسكرية كافة. فما بالك الآن وقد وضعته عملية اغتيال نجل القائد العسكري عماد مغنية، الذي بات تنسج حوله الأساطير، في موقع حرج للغاية؟
بعض المحللين اللبنانيين يعتقدون أن الحزب ملزم برد عسكري أو أمني ما،( سواء حدث ذلك خارج الشرق الأوسط أو في الجولان أو حتى في جنوب لبنان)، في وقت يجب ألا يكون بعيداً كي لايبدو أنه فقد المبادرة كلياً في مجال ميزان القوى مع إسرائيل. لكن، في حال كان هذا الخيار واردا، فالأرجح أن يقوم الحزب بعملية لاتدفع إسرائيل إلى شن حرب شاملة عليه، لأنه غارق حتى أذنيه الآن في المستنقع السوري ولايستطيع بالطبع، وهو الحزب الصغير، أن يخوض حرباً إقليمية على جبهتين.
ثم أن هذا الخيار محكوم هو الآخر بإعتبار إقليمي قد يكون أكثر أهمية بكثير. إذ يشك العديد من المراقبين بأن الهدف الحقيقي لتل أبيب من وراء هذا الهجوم، ليس فقط منع حدوث هجمات من سورية- لبنانية مشتركة ضدها في الجولان، كما أعلنت، و ولاحتى مجرد تحسين مواقع حزب الليكود الانتخابية، بل أولاً وأساساً جر إيران وحزب الله إلى حرب إقليمية  تأمل أن تسفر عن نسف فرصة إبرام صفقة تاريخية بين إيران والولايات المتحدة حيال الملفين النووي والإقليمي.
ومما يعزز هذه الفرضية، الأنباء التي توترت مؤخراً عن أن واشنطن وطهران أحرزتا بالفعل تقدماً كبيراً من وراء الكواليس في المفاوضات، وأنهما قد تتوصلا إلى اتفاق ليس في شهر تموز/يوليو كما تقرر حين مُددت المفاوضات سبعة أشهر، بل في وقت قريب قد لايتجاوز شهر آذار/ مارس المقبل.
المبادرة إسرائيلية
إذا ماكانت هذه المعطيات صحيحة، والأرجح أنها كذلك، فهذا يعني أن الدولة العبرية، وليس إيران ولاحزب الله، ومعها ربما بعض الدول العربية الإقليمية، هي التي ستعمل الآن ليل نهار على زرع الأفخاخ والعقبات أمام مثل هذا الاتفاق. والسبب بسيط وواضح: أي صفقة من هذا النوع، ستؤدي بالفعل إلى إعلان الوفاة الرسمية للنظام الشرق الاوسطي الراهن الذي تهيمن عليه الآن كأمر واقع إسرائيل والسعودية، وبدء ولادة نظام إقليمي جديد تتوازن فيه القوى الإسرائيلية والإيرانية والتركية (وإلى حد ما العربية) بإشراف المايسترو الأميركي.
هذا التطور المحتمل تعتبره الدولة العبرية بمثابة رصاصة الرحمة ليس فقط على مشروعها الصهيوني الكبير الهادف إلى الحفاظ على هيمنتها المباشرة (في الهلال الخصيب) وغير المباشرة (في الشرق الأوسط الكبير)، بل أيضاً على اعتماد الولايات المتحدة التاريخي عليها كوكيل إقليمي رئيس في الشرق الأوسط.
* * *
لقد بدأنا حديثنا بالتساؤل عن كيفية رد حزب الله على ضربة الجولان الموجعة. وهذا بالطبع سؤال مهم ودقيق.
لكن يتبيَّن الأن أن ثمة سؤالاً مهما آخر: كيف قد تواصل إسرائيل محاولة جر إيران وحزب الله والمنطقة إلى أتون انفجار كبير يخلط كل الاوراق، ويعيد رسم الخرائط وموازين القوى لصالحها، ويجبر واشنطن الأوبامية ( التي يسيطر الجمهوريون الآن على كونغرسها) على ابتلاع طموحاتها بأن يكون أوباما لإيران في اوائل القرن الحادي والعشرين ما كانه نيكسون- كسينجر للصين في منتصف القرن العشرين.
فللننتظر قليلاً لنر.

سعد محيو- بيروت


الأربعاء، 8 أكتوبر 2014

أربعة "خلفاء غير راشدين": أبو بكر، علي، رجب، وعبد الله


I
وراء المشهد الذي يبدو فيه ظاهرياً أن ثمة دولاً- أمماً إقليمية حديثة (تركيا، السعودية، إيران) تتصارع على "ملء الفراغ النسبي" الذي خلفته الولايات المتحدة غداة حربي العراق وأفغانستان، ثمة مشهد آخر قد يكون أكثر واقعية وأقرب إلى الحقيقة.
مشهد يظهر فيه أربعة "خلفاء" إسلاميون جدد، يدّعي كلً منهم أنه أمير كل المؤمنين، ويحمل كلٌ منهم عتاده الإيديولوجي والفقهي الذي يُفترض أن يؤهله لحمل صولجان الخلافة، أولاً في الشرق الأوسط الكبير الإسلامي، وربما لاحقاً في بقية أرجاء العالم الإسلامي.
الخليفة الأول، "الشيخ المجاهد أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي الحسيني القرشي"، هو الأوضح والأصرح بين هؤلاء الخلفاء الأربعة. فهو وقف في الجامع الكبير في الموصل ليعلن زعامته على أمة المسلمين بقوة السيف، ونسب آل البيت القرشي، و"الفتوحات" الكاسحة التي حققتها قواته في العراق وسورية.
وعلى رغم أن أبو بكر لم يأت بشيء جديد على صعيد الفقه الإسلامي، خاصة منه فقه إبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، أي إيديولوجيا المملكة االسعودية نفسها، إلا أنه يريد بناء دولة إسلامية وهابية جديدة "نقية" لا إزدواجية فيها (كما في السعودية) بين الدين والدولة. دولة قروسطية تدير ظهرها بالكامل للعصور الحديثة بكل مضامينها القيمية والاجتماعية والسياسية، ماعدا أعتدة الحرب الحديثة. دولة تيمم وجهها، بالكامل أيضاً، نحو بعث ماضٍ سحيق، يتحكّم فيه الأموات بحياة الأحياء وسلوكياتهم وكل أنماط معيشتهم، وفي مقدمها فرض القيود المطلقة على المرأة، وحقوق الفرد، وبالطبع الحريات الليببرالية.
الخليفة أبو بكر، بهذا المعنى، هو الانبعاث الجديد لحركة الأخوان السعودية الذين تصدى لهم االملك عبد العزيز، بضغط من البريطانيين، بسبب إصرارهم على تطبيق كل تعاليم الوهابية  بحذافيرها، وفي مقدمها تضخيم المسائل الفرعية إلى درجة التكفير واتهامات الفسق، وإعمال السيف في رقاب من يعتبرونه خارجاً عن دعوة التوحيد.  أبو بكر يعيش بعقله وقلبه في أوائل القرن الرابع عشر وأواخر القرن الثامن عشر مع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، لكن فارق أنه على عكس الأول الذي قال أنه "رجل ملّة لا رجل دولة"، وعلى عكس الثاني الذي وعد محمد بن سعود بأن يكون "إماماٌ يجمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك" إذا اتبع تعاليمه، يريد أن يكون رجل ملّة ودولة في آن. فهل ينجح؟
II
أمامه ثلاث عقبات كأداء: الأولى، أن يُقنع الناس بالتوقف عن مشاهدة التلفزيون وارتياد دور االسينما، وعدم الاستماع إلى الأغاني والموسيقى، ومنع بناتهم من التعليم واخفائهم تحت سطح الأرض إن إمكن، وارتداء الملابس الباكستانية السوداء. وأيضاً إطاعة "أولي الأمر" من مشايخ ومطاوعة من دون نقاش أومساءلة، واعتبار الحريات الشخصية كفراً والديمقراطية زندقة، وقطع كل/وأي علاقة مع "الكافرين" الذين هم كل من يرفض تعاليم تنظيم الدولة الإسلامية، بمن فيهم بالطبع غالبية السنّة "المرتدين" والشيعة والدروز والمسيحيين العرب والغربيين والبوذيين والهندوس والطاويين..ألخ.
بكلمات أوضح: سيكون على الخليفة البغدادي أن يقنع الناس بأنهم يتوهمون أنهم يعيشون في القرن الحادي والعشرين، فيما الحقيقة أنهم موجودون في القرن الرابع عشر على مرأى ومسمع ورقابة شيخ البغدادي الجليل ابن تيمية. وهذه بالتأكيد مهمة شاقة لهذا الخليفة الذي سيّتهم سريعاً بأنه "غير راشد".
االعقبة الثانية تأتي من أصحاب القرار الدولي. وهنا ليس المقصود مغول القرن الرابع عشر الذين واجههم ابن تيمية، بل هكسوس القرن الحادي والعشرين، من أميركا وأوروبا إلى جماعة البريكس (البرازيل، روسيا، الصين، الهند وجنوب إفريقيا) . من دون موافقة هذه الذئاب الحديثة على قيام دولة الخلافة أو على الأقل سكوتهم عنها، ستكون أول خطبة للخليفة البغدادي في الموصل آخر خطبة له أيضا.
العقبة الأخيرة هي وجود الخلفاء الثلاثة الآخرين: علي (أية الله الخامنئي) وعبد الله (الملك السعودي) ورجب طيب (أردوغان)، الذين قد يتوحدون في لحظة ما ضد أبو بكر، على رغم خلافاتهم العميقة.
فهم أيضاً لهم طموحات خليفية (من خليفة) وإن لم تحمل هذا المسمى.
الخليفة أردوغان أفصح عن هذا الطموح عبر خيار العثمانية الجديدة، أو العمق الاستراتيجي لتركيا الذي أفاض داوود أوغلو في التنظير له. كما نشطت مراكز الأبحاث التركية لتسويق الخلافة العثمانية دولياً على أنها صيغة جديدة وحضارية ومتطورة لإسلام متصالح مع الغرب والعصر والديمقراطية.
 هذا الخيار كان يُفترض أن يتجسّد سريعاً على أرض الواقع، لولا أن حلفاءه الإخوان المسلمين في مصر لم يسيئوا التصرف بالسلطة، أو لولا أن الخليفة السعودي لم يتصدى بعنف لمشروعه  الطموح وأعلن الحرب الضروس عليه وعلى حلفائه الإخوان في كل أنحاء المنطقة.
لكن هذه لم تكن نقطة الضعف الوحيدة في مشروع الخلافة العثمانية الجديدة الضمنية. سلوكيات الخليفة رجب في الشؤون الإقليمية، أوحت لكثير من الاتباع المُفترضين في المنطقة بأن هذه الخلافة ليست في الواقع أكثر من طفرة زائدة أخرى في القومية التركية. هذا علاوة على أن الظهير الدولي الرئيس للخلافة العثمانية الجديدة، الولايات المتحدة، ترددت في التدخل لانقاذ المشروع، حين انقضت عليه في مصر السعودية والمؤسسة العسكرية المصرية. وهذا ماحوّل رجب الآن إلى خليفة من دون خلافة.
III

الخليفة الثالث، الملك عبد الله، ليس دخيلاً أو مستجدا كما الباقين على مشروع إمامة المسلمين. فالمملكة السعودية، ومنذ نشأتها على الأسس الوهابية، تعتبر نفسها مركز العالم الإسلامي دينياً، ثم زعيمته السياسية بعد انتاج النفط، ثم قائدته السنّية مع صعود القوة الشيعية في إيران العام 1979. وبالتالي، ما كان يفعله الملك عبد الله طيلة السنوات الأخيرة ليس المطالبة (الضمينة مجددا) بالخلافة، فهي موجودة أصلا، بل الدفاع عنها في وجه منافسيها الجدد. والواقع أنه نجح حتى الآن في تسجيل نقاط عدة لصالحه في هذا المجال، خاصة بعد أن رد نصل الإخوان المسلمين إلى نحرهم في مصر واليمن وبقية الدول العربية.
لكن الخلافة السعودية عرضة الآن إلى الخطر من طرفين: خلافة أبو بكر التي تستقطب العديد من الشبان السعوديين الذين تخرجوا من المدارس الوهابية نفسها في المملكة، الأمر الذي قد يخل على نحو خطير قريباً بالتوازن الدقيق الذي أقامه السعوديون بين الدين والدولة، وبين الدولة والمجتمع. والطرف الثاني هو الولايات المتحدة التي لاتزال تصر على أن المصدر الإيديولوجي لكل الفكر الأصولي المتطرف في العالم الإسلامي هو نفسه الفكر الوهابي، أي الركيزة الشرعية اليتمية للنظام السعودي. وهذا أصلاً مادفع واشنطن إلى محاولة التراجع عن صفقة التحالف التاريخي بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفت العام 1946 (والذي استمر بلا انقطاع حتى أحداث سبتمبر 2001)، واستبداله بالتحالف مع الإخوان المسلمين وتركيا وقطر.
كلا هذين العاملين يأكلان الآن من رصيد الخلافة السعودية ويضعانها في موقف حرج، خاصة في مواجهة الخلافات الأخرى.
خلافة الخليفة الرابع والأخير، أي أية الله علي خامنئي، والذي اعتبر الدستور زعامتها للأمة الإسلامية حصيلة طبيعية لولاية الفقيه، عانت منذ البداية من الهزال بسبب صبغتها الطائفية الشيعية الواضحة والعلنية. وهذا ماجعل كل سياسات إيران المنفتحة على الجماهير السنّية في الشرق الأوسط وعلى  قضية تحرير فلسطين، تصطدم بالعلاقة المختلة حالياً بين الأكثرية السنّية والأقلية الشيعية في العالم.
وجاءت أزمة سورية، التي دعمت فيها إيران الإسلامية، من موقع شيعي صرف، نظاماً قمعياً بالغ العنف ضد شعبه، لتحرم خلافة علي خامنئي من كل المنجزات السابقة الخاصة بمقارعة إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية، في الوقت الذي بدأ فيه الاقتصاد الإيراني يتراقص على شفير الهاوية، أساساً بسبب الأكلاف الباهظة لسقطته في سورية.
والحصيلة أن الخليفة خامنئي يقف الآن من دون ورقة توت إيديولوجية ذات صدقية في بلاط الخلافات المتصارعة على زعامة العالم الإسلامي.
* * *
أربعة خلفاء، إذاً، يتنازعون الآن الشرق الأوسط الإسلامي. كل منهم يحمل سيفه الإيديولوجي السماوي الخاص، وأيضاً مشاريعه الأرضية الجيو- سياسية الخاصة. أي: أربع طبعات خلافة إسلامية متناقضة، ومتصارعة، ومتحاربة، لن تسفر في نهاية المطاف سوى عن تأبيد الحروب والانفجارات الأهلية الراهنة، بل ربما حتى أيضاً عن تسديد رصاصة الرحمة إلى صدع الحضارة الإسلامية التي كانت تقود العالم في مرحلة ما في كل مجالات العلم والتكنولوجيا والطب والفلك.. والروحانية الصوفية الرائعة.
حصيلة حزينة حقاً.
سعد محيو





الثلاثاء، 7 أكتوبر 2014

لماذا تهز ظاهرة داعش العالم، وإلى متى؟


(ينشر هذا المقال أيضاً في موقع "سويس انفو" الالكتروني)
فلندقق معاً في المعطيات الحَدَثِية الآتية، على أن نُتبع ذلك بمحاولة استقراء أبعادها الاستراتيجية:
-         الحكومة الاميركية تعتقد بأن مائة اميركي مسلم يقاتلون الآن في صفوف  تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سورية والعراق، وهي تشن حملة استخبارية- ثقافية- اجتماعية شاملة في كل أنحاء الولايات المتحدة تكلف عشرات ملايين الدولارات لـ"حماية الشبان الأميركيين المسلمين من تأثيرات الحملات الدعائية الداعشية الناجحة".
-         الأمر نفسه يتكرر في بريطانيا وفرنسا وباقي الدول الأوروبية التي تدفق منها الآلاف إلى معارك الشرق الأوسط، والتي وجدت نفسها مضطرة مع الولايات المتحدة لتحويل جهودها لمنع داعش من جذب الشبان المسلمين إلى قرار دولي ملزم في مجلس الأمن. وهذا تطور نادر الحدوث في العلاقات الدولية.
-         في إفريقيا الشمالية والوسطى بدأت تتوالى الأنباء عن توسع سريع لداعش في هذه المناطق. ففي الجزائر، برز فجأة تنظيم "جند الخلافة" الذي أعلن ولاءه لـ"الدولة الإسلامية" وبات يخوض سريعاً معارك واسعة مع الجيش الجزائري في وسط البلاد وشرقها. وفي ليبيا ونيجيريا والصومال، توقّع وزير الدفاع الأميركي السابق بانيتا أن تنضم فصائل جهادية إسلامية عدة في هذه الدول إلى داعش لتخلق بؤراً عنفية جديدة ومشتركة قد لايكون لها سابق.
-         وفي جنوب آسيا، أعلنت حركة أوزبكستان المسلحة، التي تنشط في أفغانستان وبين القبائل الباكستانية، ولاءها لداعش. كما دعت جماعة "أنصار التوحيد في بلاد الهند"، التي شكلها تنظيم القاعدة مؤخراً، إلى تصعيد العمليات العسكرية ضد كل "الكفار الغربيين والهندوس" رداً على الغارات الأميركية في العراق وسورية. هذا في حين بدا أن داعش، التي تضم مئات المقاتلين الشيشان، بدأت عملياتها في شمال القوقاز وقتلت خمسة رجال شرطة قبل أيام في عملية انتحارية.
-         وفي الأردن، تم اعتقال أكثر من 70 شخصاً شكّلوا "خلايا نائمة" تابعة لداعش، فيما يسود التوتر الشديد معان وباقي مناطق الجنوب الأردني بسبب تصاعد نفوذ داعش هناك. وفي لبنان، يبدو أن داعش والنصرة بدءتا حملة للتوسع في الأراضي اللبنانية، بعد المعارك الأخيرة التي نشبت مع حزب الله في جرود بلدة عرسال. أما في السعودية، فلاتزال الأنباء تتواتر عن توسّع سريع لداعش في صفوف آلاف الشبان السعوديين، خاصة منهم الذين قاتلوا في سورية والعراق ثم عادوا إلى بلادهم.
-         وأخيراً، يتفق العديد من المحللين على القول بأن القمع الشديد الذي تتعرّض إليه جماعة الإخوان المسلمين في مصر، قد يدفع الكثير من شباب الجماعة إلى الانضمام إلى داعش أو على الأقل إلى أن يحذو حذو طريقتها في "الجهاد"، بعد أن أوصدت في طريقهم كل فرص التنافس السلمي والديمقراطي على السلطة. وهم قد يجدون في تنظيم "بيت المقدس" الذي ينشط في صحراء سيناء ملاذاً جهادياً مؤقتاً لهم.
طفرة متوقعة
هذا غيض من فيض مايحدث يومياً في العالمين العربي والإسلامي، وهو كله يبدو في الواقع إرهاصات أولية (وإن سريعة) للانتصارات العسكرية المذهلة التي حققها تنظيم الدولة الاسلامية خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي خلقت أيضاً ارتباكاً واسع النطاق في واشنطن كان من ضمن تجلياته الأرقام المتضاربة التي أوردتها المؤسسات الأميركية حول حجم تنظيم داعش.
 ففي حين كان مسؤول عسكري أميركي يُبلغ الكونغرس قبل أسبوعين أن أعداد التنظيم وصلت إلى 12 ألف مقاتل، كانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية تقول للبيت الأبيض بعدها بأيام أن الأرقام باتت تتراوح بين 20 و33 ألف مقاتل. وهذا التضارب ليس ناجماً عن خلل استخباري، بل لأن التنظيم ينمو بخطى متسارعة.
دوافع هذه الطفرة في شعبية هذا التنظيم الأصولي حديث العهد كانت في الحقيقة متوقعة، بعد أن تمكّن داعش من اكتساح ربع مساحة العراق الشاسعة في غضون خمسة أيام ومارافق ذلك من انهيار الجيش العراقي الضخم أمام حفنة مقاتلين (100 ألف جندي وضابط عراقي تحللوا أمام مئات من مقاتلي داعش في الموصل). ثم تكرار سيناريو الموصل نفسه في مدينة الرمادي يوم الأحد الماضي، ثم دخول قوات داعش مدنية عين العرب (كوباني) الكردية السورية على رغم القصف الجوي الأميركي والمقاومة الكردية.
متشابهات تاريخية
 كل هذا كانت له حتماً مضاعفات كبرى على المناخات النفسية الفكرية والثقافية لأعداد كبيرة من الشبان العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم.
الأمر هنا كان شبيهاً بما حدث بعد معركة الكرامة في الأردن العام 1969، حين تمكّنت عناصر المقاومة الفلسطينية من الصمود في وجه جحافل القوات الإسرائيلية المتقدمة. حينذاك، اجتاحت المنطقة موجة حماسية كاسحة، دفعت العديد من الشبان العرب إما إلى المشاركة في عمليات المقاومة الفلسطينية، أو إلى الانضمام إلى صفوف حركة فتح في إطار "استراتيجية حرب الشعب" التي تم الترويج لها في حينه.
وهذا ماحدث أيضاً في أعقاب حرب أفغانستان، حين اعتبر المجاهدون انهم انتصروا على ثاني أكبر دولة عظمى في العالم، ما أطلق العديد من التنظيمات الشبيهة للقاعدة في كل أنحاء العالم.
ثم أن الأمر يشبه النماذج التي قدمتها في الستينيات والسبعينيات حركات حرب الغوار (العصابات) في فيتنام وبقية الهند الصينية وفي كوبا ونيكاراغوا وبقية أميركا اللاتينية، والتي تحوّل فيها الجنرال جياب وأرنستو تشي غيفارا وغيرهما إلى مثل أعلى يُحتذى للكثير من الشبان اليساريين في العالم، بما في ذلك بعض المناطق العربية.
وبالمثل، يبدو أن انتصارات داعش أثارت، وستثير أكثر، موجات مماثلة من الطفرات الجهادية التي إما أنها ضمَّت إلى داعش المزيد من المقاتلين والأنصار، أو شجِّعت الشبان العرب على تشكيل منظمات جهادية، أو (في أضعف الأحوال) توفير بيئة حاضنة للظاهرة الداعشية.
البدايات
 بدايات هذا التطور انطلقت منذ أن أعلنت، على سبيل المثال، كتائب "جنود الحق" التابعة لجبهة النصرة في منطقة البوكمال على الحدود السورية- العراقية مبايعتهم لداعش، على رغم أن تنظيمهم الأم خاض معارك دموية مع داعش في شرق سورية وشمالها أدت حتى الآن إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى من الجانبين. وبالطبع، مثل هذا التطور لم يكن ليحدث، لولا انبهار عناصر النصرة في البوكمال بالفعالية القتالية والتخطيط الاستراتيجي الدقيق لداعش في معارك المحافظات السنّية في العراق.
وفي الوقت نفسه كانت تتواتر أنباء عن أن العديد من المجموعات الإسلامية في طرابلس وعكار(شمال لبنان) وفي معان ( جنوب الأردن) بدأت تفكر بالانضمام إلى داعش أو تقليد أساليبها؛ هذا في حين كشفت السلطات المغربية النقاب عن طفرة في أعداد الشباب الذين يسعون إلى الانضمام إلى معارك العراق وسورية، في أعقاب الأنباء عن انتصارات داعش. والحبل قد يكون على الجرار في مصر وليبيا والسعودية وبقية الدول العربية والإسلامية.
علاوة على ذلك، يبدو أن هذا التنظيم كان يشهد تضخماً في أعداده مع كل مدينة يدخلها في شمال وغرب العراق. فقد ذُكِر أن أعداداً كبيرة (ولكن غير محددة) من المقاتلين السوريين والسعوديين واللبنانيين والشيشان والأوروبيين، بدأوا يتدفقون على العراق عبر المعابر السورية. وفي داخل العراق نفسه، كان داعش يستقبل في صفوفه في يوم واحد 400 عنصر أُطلق سراحهم من سجن الموصل. وقبل ذلك انضم إليه نحو 500  (في تموز/يوليو الماضي) حررهم من سجن أوغريب. وخلال الهجوم الأخير على الموصل، أفرج داعش عن نحو 2500 سجين من معتقل بادوش، يُعتقد ان العديد منهم من الناشطين الجهاديين الذين سينضمون حتماً إلى التنظيم.
داعش الآن سيكون في وضع يمكّنه اجتذاب وتجنيد شبان عرب وأجانب آخرين عديدين يحتاجون  إلى عمل أو إلى هوية دينية واضحة، بعد أن وضع يده على ثروة طائلة في الموصل تقدّر بنحو 500 مليون دولار. وهذه ستضاف إلى الضرائب والخوات وبيع النفط السوري الخام والتبرعات(من أفراد خليجيين أساساً) وعمليات التهريب التي يقوم بها التنظيم في سورية والعراق، والتي تدر عليه مابين 25  إلى 30 مليون دولار شهريا.
ظاهرة باقية
ظاهرة داعش، إذا، مرشحة للتضخم والتصاعد والامتداد في كل أنحاء المنطقة والعالم، خاصة إذا لم تنجح الغارات الجوية الأميركية الحالية واللاحقة في ضعضعة فعاليته الميدانية، خاصة في سورية التي نقل إليها مؤخراً إقساماً كبيرة من المعدات العسكرية والذخائر الموجودة في الموصل (والتي كانت تمثّل ثاني أكبر مستودع من الأسلحة الأميركية للجيش العراقي)، والتي يعارض فيها نظام الأسد، مدعوماً من روسيا وإيران، الغارات على أراضيه التي تشن من دون التنسيق معه.
لكن تقف في وجه هذا التنظيم عقبات لايستهان بها. فسكان المناطق التي اجتاحها، خاصة منهم العشائر، لن يستسيغوا نمط الحياة المتشدد الذي قد يفرضه التنظيم عليهم. ثم أن الصدامات واردة في كل حين بين داعش وبين كلٍ من قوات البعث والعشائر العراقيين في إطار الصراع على الثروة والسلطة، في حال تراجع خطر الشيعة العراقيين والإيرانيين عليهم.
إضافة، وعلى رغم أن بعض القوى الإقليمية تحبذ نتائج التقدم الداعشي طالما أنه يؤدي إلى ضعضعة نفوذ إيران وحلفائها الشيعة في العراق، إلا أن هذه القوى نفسها تعتبر هذا التنظيم خطراً وجودياً عليها، وهي أعلنت عن استعدادها للاشتراك مع قوى إقليمية ودولية أخرى في العمل على تدمير هذا التنظيم ودولة خلافته التي يفترض أن تضم إلى سورية والعراق، الأردن ولبنان، ثم تتمدد في وقت لاحق ليكون مقرها في مكة المكرمة والحجاز.
لكن، وإلى أن يحدث ذلك، سيواصل داعش التحوّل إلى نقطة جذب واستقطاب للشبان "المجاهدين"، وسنسمع قريباً على الأرجح عن امتدادت أكثر لداعش في كل المنطقة والعالم، بفعل المواجهة بينه وبين الولايات المتحدة، خاصة إذا ما فشلت الحرب الأميركية في شل فعالياته العسكرية بطريقة ملموسة.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية تتعلق بالسؤال: هل تريد واشنطن حقاً القضاء نهائياً على هذا التنظيم أم تحجيمه؟
السؤال مهم  ليس فقط بسبب شكوك إيرانية وروسية بأن اميركا تقف وراء صعود هذا التنظيم ( صعوده وليس نشأته المُتهم فيها النظامين السوري والإيراني)، بل أيضاً لأن العديد من المسؤولين الأميركيين يصرحون علناً بأنه لايتعين على واشنطن شن حرب شاملة على داعش "لأنه لايستهدف كما القاعدة الأرض الأميركية بل الأراضي الإسلامية"، وأنه لم يقطع رأس الصحافيين الأميركيين إلا على إثر الغارات الجوية الاميركية عليه.
* * *
على أي حال، ومع غارات أميركية أو من دونها، ظاهرة داعش مرشحة للبقاء فترة غير محددة من الزمن. وسيتملّس تأثيراتها الخطيرة دول بعنيها اكثر من غيرها، قد تكون في مقدمها المملكة السعودية بسبب التناقض الفاقع بين التطابق الإيديولوجي الكامل وبين التباين السياسي- الاستراتيجي بينهما.
ثم أن ظاهرة داعش ستبقى، طالما أن الشبان المسلمين لايجدون مخارج لهم لا في مجالات العمل والحياة الكريمة، ولامتنفساً مقبولاً لأزمة الهوية لديهم، ولا فهماً متقدماً وحضارياً ملموساً للإسلام. وحين تغيب أقلام الاقتراع الحر، لاتبقى سوى ممارسة الحرية عبر أسنّة الرماح.
 سعد محيو- بيروت
________________________