للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

من سيُنقذ ملايين السوريين من "جهنم والجهنميين"؟


- I -
سؤال غير بريء: لماذا لايبذل الإعلام العربي والدولي سوى اهتمام خافت وضئيل للغاية بالوضع الإنساني المرعب في سورية؟
سنحاول الإجابة على هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة سريعة أولاً أمام مايجري وراء دخان العمليات العسكرية للجيشين الحر والنظامي وجيوش الميليشيات الأخرى، والمداولات السياسية حول مصير سورية في أفخم فنادق جنيف واسطنبول وباريس وموسكو، والصراعات الإقليمية حول الحصص والأدوار والأحجام في "الجثة السورية":
- الحرب (وفق تقرير أخير للأمم المتحدة) قذفت أكثر من 8 ملايين سوري إلى ماتحت خط الفقر، نصفهم في حالة فقر مدقع للغاية. هذا في حين أن نحو نصف سكان سورية أصبحوا إما مهجرين أو نازحين.
- البطالة بلغت 50 في المئة، والمتسولون باتوا مشهداً ثابتاً في دمشق وباقي المدن السورية، فيما الاقتصاد السوري خسر خلال سنتين إثنتين أكثر من 100 مليار دولار.
- لكن الأخطر من هذا وذاك، أن الأزمة أسفرت عن ولادة "طبقة" جديدة من أثرياء الحرب تضم خليطاً من أرباب السلطة ورجال الأعمال وبعض اللصوص في تيارات المعارضة. وهذه النخبة "باتت هي العقبة الكبرى أمام أي حل سياسي وسلمي في البلاد"، كما جاء في تقرير لـ"فايننشال تايمز"(1-12- )2013، التي نسبت أيضاً إلى  رجل أعمال موالٍ للحكومة قوله: " إذا ماقسمت الناس بين من يريد وقف القتال وبين من لايريد ذلك لأنه مستفيد منه، أعتقد أن الأغلبية ستكون من الصنف الأول".
أرباح هذه النخبة، التي تتأتى من التهريب والفساد واستيراد المواد الغذائية والطبية والمازوت المهرّب تبلغ ملايين الدولارات في اليوم، يتقاسمها أركان هذه النخبة الرئيسيين بـ"العدل والقسطاس"، ويحولون معظم هذه الأموال إما إلى مصارف موسكو أو إلى فريق ثالث في المصارف اللبنانية.
النظام السوري، كنظام وحكومة، يقتطع نسبة كبيرة من هذه الأرباح لتمويل آلته العسكرية، فيما تتكفل إيران وإلى حد أقل بكثير روسيا والصين بدفع رواتب أكثر من ستة ملايين موظف رسمي سوري.
أما في جبهة تيارات المعارضة المتنوّعة للغاية، فقد برز في بعض صفوفها متربحون من شتى الأنواع: مهربون، وفارضو جزية، وقاطعو طرق، و"مستقطِعو" أموال المساعدات المالية والعينية السعودية والقطرية.
ويلخّص رجل أعمال دمشقي الوضع بالكلمات الآتية:" سورية الآن هي أرض الفرص لرعاة البقر واللصوص والمجرمين".
- II -
نعود الآن إلى سؤالنا الأولي: لماذا تختفي هذه الصورة اللاإنسانية واللاأخلاقية، إلا لماماً، من أجهزة الإعلام بمختلف صنوفها؟ وكيف يمكن لملايين العرب ومليارات البشر أن يقفزوا فوق أنين مئات آلاف الأطفال وعويل النساء وجوع الرجال، ليهتموا فقط بتقدم الجيش النظامي نحو قرية في الغوطة أو في هجوم مضاد للجيش الحر في ريف حلب، أو في دور أو لادور بشار الأسد في مستقبل بلاد محطّمة الأضلاع ومكسرة الأجنحة؟
سورية هي الآن جهنم حقيقية لشعبها، ومرتعاً للصوص والمجرمين والقتلة. لكن الإعلام لايحكي لنا سوى عن قصص المصالح الإقليمية والدولية، والمناورات الدبلوماسية "الذكية"، ومشاريع التسوية التي لاتأتِ أبدا.
سيبادر البعض هنا إلى القول: ليس في هذا الأمر لامؤامرة ولاتخطيط مقصود. فما نرى الآن ليس سوى تكرار لتاريخ بشري هو كناية كله عن سجل حروب إجرامية، وتأريخ أكثر إجراماً لهذا السجل. إنه الوعي البشري نفسه وهو لايزال غير قادر على مغادرة عقلية الكهف القائمة على زوج الخوف- العدوانية في الصراع من أجل البقاء، في حين أن التطور التكنولوجي- العلمي نسف كل أسس الصراع على الماء والكلأ وباقي مقومات البقاء.
تحليل صحيح.
لكن الصحيح أيضاً أن هذا السجل الإجرامي المتصل للتاريخ البشري تضمّن الكثير والكثير من مراحل الانقطاع، التي وُلدت فيها القيم والمباديء الإنسانية السامية، من شريعة حمورابي في العام 1790 ق. م إلى الأم تيريزا في القرن العشرين، مروراً بالبوذية والطاوية والكم الكبير من الفلاسفة والأنبياء الذين بشروا بوحدة الوجود والكائنات وبسمو النفس البشرية.
أين أنصار مراحل الانقطاع الأخلاقية - الروحية هذه من مأساة الشعب السوري الرهيبة؟
لن نذهب بعيداً إلى مراكز المجتمع الدولي، لأن الأمل فيها مفقود. ولو لم يكن الأمر على هذا النحو، لما كان إعلام هذا المجتمع قد فرض حظراً حقيقياً على صور هذه المأساة، لأن أصحاب القرار السياسي والاقتصادي فيه قرروا أشاحة وجوههم عنه تبعاً لمصالحهم "القومية". (كما جرى في رواندا والعراق ولبنان وكمبوديا، والعد مستمر).
شكوانا هي برسم "الإخوة" العرب، مواطنين ونخباً، الذين إن لم تحركهم هذه الكارثة الإنسانية، فكان يفترض على الأقل أن يشعروا بوخز ضمير وهم يسمعون نداء استغاثة طفل سوري بلغتهم العربية، أو دعاء أم باكية بلغة القرآن، أو حتى مشاعر قرابة ولو بعيدة من 10 ملايين مواطن سوري قُذِفَ بهم إلى جهنم بلا شفقة أو رحمة.
هل نسمع أحداً يهمس بأن مثل هذا الكلام "لاسياسي"، و"مثالي"، وبالتالي لن يقدّم أو يؤخّر في شيء على أرض الواقع؟
إذا ماكان نسمع صحيحاً، فينبغي على من يقوله أن يعلن استقالته أيضاً من أي أمل بأن تخرج البشرية من جهنمها الراهنة، وأن يقبل بأن انقراض هذا العرق الذكي من المخلوقات آتٍ لامحالة.
لكننا نحن نرفض هذه الاستقالة وذاك الخنوع. فإذا ما كان الخيار الذي تفرضه علينا الآن أمنّا "غايا" ( بيئة كوكب الأرض الحي) هو إما التطور إلى بشر أكثر أخلاقية ووعياً صافياً ولاأنانية أو الموت والانقراض، فإننا نختار التطور.
ونقطة البداية تبدأ من هنا، من سورية، التي يجب أن تتكاتف الآن كل حناجر وأيدي أنصار الحياة  الواحدة والوعي الصافي ووحدة الوجود في المنطقة العربية للدعوة إلى إخراج شعبنا السوري من جهنم، ومن كل القوى الجهنمية المتقاتلة التي تقتات الآن على أكباد أطفاله.
يا أنصار الحياة، اتحدوا وتحرّكوا لكشف النقاب عن وجه جهنم والجهنميين في سورية.

سعد محيو








الثلاثاء، 26 نوفمبر 2013

إيران وأميركا: صفقة كبرى دونها عقبات أكبر



I--
"يقوم أحدهم بسرقة سترة بذلتك، فتصرخ مطالباً باستعادتها، لكن اللص يسرق حينها قبعتك، فتواصل القتال من أجل استعادة السترة لكنك لاتحصل سوى على القبعة. وحينها ستنسى سترتك ولماذا كنت تقاتل في المقام الأول".
هكذا أطلَّ حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كايهان الإيرانية المحافظة، على الصفقة النووية الإيرانية- الغربية: الغرب يسرق حقوق إيران النووية، ثم يتفاوض على بعض هذه السرقات. وهذا ما جعل إيران، برأـيه، تفقد زمام المبادرة في المفاوضات.
بالطبع، هذا الموقف، الذي ربما يعبّر عن رأي المعسكر المحافظ الإيراني، وفي مقدمه قطاعات واسعة من الحرس الثوري الإيراني التي كانت تثرى من العقوبات الدولية على إيران، يتناقض حرفاً بحرف مع أناشيد النصر التي تغنى بها الرئيس روحاني ورحب بها المرشد خامنئي، اللذان اعتبرا أن إيران حققت نصراً باهراً في هذه الصفقة لأن الغرب اعترف فيها بالدولة الإيرانية كقوة نووية، ولأنها (الصفقة) "كسرت ظهر العقوبات عليها".
II--

الحقيقة تبدو في منزلة بين منزلين في هذين الموقفين. فإيران قدّمت بالفعل في هذا الاتفاق المؤقت الذي سيدوم ستة أشهر(هذا إذا لم يتحوّل المؤقت إلى دائم)، تنازلات جمة ليس فقط على صعيد وقف تخصيب اليورانيوم بأكثر من 5 في المئة، و"تحييد" مخزونها من اليورانيوم المخصب بمعدل 20 في المئة، والحد من أجهزة الطرد المركزي، ووقف العمل في مفاعل أراك للمياه الثقيلة، بل أولاً وأساساً في قبول أجراءات التفتيش الدولي بشكل يومي في كل منشآتها النووية. وهذا في مقابل رفع "مؤقت وجزئي وقابل للإلغاء" للعقوبات الدولية.
وهذا مايعزز وجهة نظر المحافظين الإيرانيين بأن الغرب يبيع إيران مايسرق منها.
لكن في المقابل، خامنئي وروحاني على حق أيضا. فالصفقة تترك بالفعل كل البنى التحتية النووية الإيرانية كما هي وبلاخدوش، الأمر الذي لن يعيق اندفاعة إيران لحيازة السلاح النووي بأكثر من شهر أو أقل إذا ما قررت ذلك، في الوقت الذي تبدأ فيه هي بتقويض كل نظام العقوبات الدقيق الذي انفقت الولايات المتحدة سنوات طوال في إشادته لبنة لبنة.
وفوق هذا وذاك، وحتى لو توصلت إيران والدول الخمس زائد واحد إلى اتفاق نهائي في نهاية الأشهر الستة يقفل نهائياً ملفها النووي، فإن كماً هائلاً من المصادر الغربية والشرقية تؤكد أنها امتلكت بالفعل المعرفة النووية (Know- how ) وباتت قادرة في أي وقت على صناعة القنبلة خلال أسابيع.
III--
الآن، طالما الصورة على هذا النحو، وطالما أن الصفقة، الآنية المؤقتة واللاحقة "الدائمة"، مهددة في أي وقت بالأنهيار إما بفعل مقاومة الداخل الإيراني (الحرس الثوري) والاميركي(الكونغرس)، أو ممانعة الخارج الإسرائيلي والسعودي والتركي والمصري، فلماذا كل هذا الحماسة الغربية والإيرانية لوصف هذه الصفقة بأنها "إنجاز تاريخي"، وليس "خطأ تاريخي" حسب وصف بنيامين نتنياهو؟
ببساطة لأنها تحمل في طياتها فرص إبرام "تفاهم تاريخي" بين واشنطن وطهران، لايكون فيه الاتفاق النووي سوى جزء من كلٍ أكثر تعقيدا.
بكلمات أوضح: الصفقة النووية، في حال سار كل شيء على مايرام ولم تنسفها الألغام الكثيرة المزروعة على طريقها، ستعطي أميركا فرصة إعادة دمج إيران في النظام الدولي كدولة طبيعة لامارقة وفق شروطها، وستعطي إيران ليس فقط طوق النجاة من الانهيار الاقتصادي- الاجتماعي وحسب بل أيضاً دوراً إقليمياً معترفاً به دوليا.
إذا ماتوصل الطرفان إلى مثل هذه "الصفقة الكبرى"، سيكون الشرق الأوسط على موعد بالفعل مع نظام إقليمي جديد وتحالفات دولية- إقليمية قد لاتخطر الآن على بال.
لكن، دون هذه المحصلة التاريخية عقبات تاريخية كبرى، تبدأ بقبول إيران بأن تغيّر نظامها نفسه بنفسها، وأن ترحب بها إسرائيل وباقي دول المنطقة كطرف رئيس في نظام إقليمي عتيد.
وهذا مايبدو الآن تفكيراً رغائبياً في بعض طهران وبعض واشنطن، وأحلاماً كابوسية في تل أبيب والرياض والقاهرة.
سعد محيو
( *) هذا المقال نشر أولاً في صحيفة المدن الالكترونية

___________________________________



الأربعاء، 20 نوفمبر 2013

هل هي الحرب بين الأمير بندر والجنرال سليماني؟



أهم مؤشران على طبيعة وأهداف الهجوم الانتحاري المزدوج على السفارة الإيرانية في بيروت، هما توقيته ودقته.
فمن حيث التوقيت، جاء الهجوم عشية استئناف المفاوضات النووية الإيرانية- الغربية التي تثير كبير القلق في كلٍ من الرياض وتل أبيب وأنقرة والقاهرة والعديد من دول الشرق الأوسط الأخرى. إذ أن هذه العواصم تعتبر المفاوضات مقدمة لاعتراف واشنطن وبروكسل بالدور الإقليمي الكبير لـ"امبراطورية قورش الفارسية الجديدة" في الشرق الأوسط، على حد تعبير دبلوماسي خليجي في بيروت.
بندر وبوش
سليماني

هذه الدول، وخاصة تل إسرائيل وإلى حد ما المملكة السعودية، لاتخفي رغبتها في دفع هذه المفاوضات إلى التعثر أو حتى إلى الفشل. فالأولى تحرّك الكونغرس الأميركي الموالي لها بشدة لفرض عقوبات جديدة على إيران، تحت شعار لارفع لهذه العقوبات قبل الوقف الكامل والشامل لكل البرنامج النووي الإيراني. فيما الثانية تنشط الآن على أرض الشرق الأوسط لتحويله كله إلى "سورية جديدة" لطهران، أي إلى فيتنام تستنزف ماتبقى من الموارد الإيرانية التي لم تبتلعها بعد الحرب السورية (نحو 20 مليار دولار سنوياً).
التفجير المزدوج في بيروت يأتي في هذا السياق. وهو بمثابة رسالة استراتيجية لا تكتيكية متعددة الرؤوس إلى واشنطن وكل من يهمهم الأمر، بمدى "المقاومة والممانعة" التي ستبرز في وجه أي اتفاق إيراني- غربي ثنائي يتم من دون موافقة القوى الإقليمية المعنية. وهذا يعني أن تفجير السفارة الإيرانية هو بداية لعملية او عمليات متسقة، لا نهاية لها.
معركة القلمون
علاوة على ذلك، جائ التوقيت متطابقاً مع حدث ميداني كبير يجري هذه الأيام على الأرض المشتركة اللبنانية- السورية. إذ يبدو أن المعركة الكبرى في منطقة القلمون الاستراتيجية، التي تعتبر فائقة الأهمية للتواصل الجغرافي بين خطوط إمداد النظام السوري في كلٍ من منطقة دمشق ومعاقله العلوية في حمص وجبال العلويين والبقاع الشيعي اللبناني، قد بدأت.
رأس الحربة البرية في هذه المعركة هي آلاف من مقاتلي حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية وفصائل إدارة وقيادة من فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. ومن شأن انتصار النظام السوري في هذه المعركة أن يسدد ضربة عنيفة للمعارضة المسلحة السورية وانتصاراً كبيراً آخر للنفوذ الإيراني. وهذا أمر لن تقبل به مملكة الوهابيين بأي حال وسترد عليه بكل الوسائل المتاحة.
هذا عن التوقيت. أما الدقة التي نفِّذت فيه العملية فهي، بما تضمنته من عملية مراقبة متواصلة للسفارة الإيرانية ومعرفة موعد مغادرة السفير غضنفر ركن أبادي للمبنى بهدف اغتياله، يشي بأن التحضيرات للتفجير استلزمت وقتاً طويلاً وأجهزة متطورة وعناصر عدة. وهذا ماليس بمقدور تنظيم "كتائب عبد الله عزام" الذي أعلن مسؤوليته عن العملية القيام به. هذا ناهيك أصلاً عن أن هذا التنظيم ضبابي للغاية. فهو إيراني النِشأة أسسه  صالح عبد الله القرعاوي الذي كان يتخذ من إيران مركزاً له، ويديره معارضون سعوديون. وتتقاطع كل المعلومات على القول أن هذا التنظيم المرتبط بالقاعدة مخترق، كما الحال مع معظم الحركات الإرهابية، من مختلف أنواع أجهزة المخابرات، بما في ذلك الموساد.
ماذا بعد؟
حسنا. ماذا بعد هذا "الهجوم الاستراتيجي"، سواء على الصعيد الإقليمي أو بالنسبة إلى لبنان؟
صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" لم تجد ما تقوله حيال هذا الهجوم سوى القول بأنه "يظهر كم أن الصراع في سورية قد انقلب بشكل حاد إلى حرب سنّية- شيعية بين القوتين الإقليميتين السعودية وإيران".
لا بل هي نسبت إلى كوادر موالية لحزب الله في الضاحية الجنوبية من بيروت اتهامهم المباشر للرياض بالوقوف وراء العمليتين الانتحاريتين، وتهديدهم باستهداف السفارة السعودية في العاصمة اللبنانية.
هذه المعطيات المتقاطعة، أي المفاوضات النووية ومعركة القلمون والحرب السورية، مضافاً إليها المجابهة السعودية- الإيرانية فوق أرض العراق والتي تتخذ هي الاخرى طابعاً سنياً- شيعياً فاقعا، تعني أن منطقة الهلال الخصيب برمتها باتت ساحة مجابهة بين الرياض وطهران، أو بين الأمير بندر بين سلطان مدير المخابرات السعودية المخضرم، وبين قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني (على حد تعبير مقاتل من حزب الله عاد لتوه من معارك سورية).
لبنان كان حتى الآن بمنأى نسبياً عن هذه المجابهة، حيث كانت الاطراف السياسية المتصارعة فيه المناوئة والمعارضة للنظام السوري (8 و14 آذار/مارس) تكتفي بالحروب بالواسطة داخل الأرض السورية.
لكن الهجوم على السفارة الإيرانية في بيروت قد يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، خاصة إذا ما كان لهذا  الهجوم مابعده. وهو أمر مؤكد تقريباً بسبب العوامل الدولية والإقليمية والسورية التي ألمعنا إليها.
المفاوضات النووية ستكون هو المحفز لهذه المجابهة. لكن معركة القلمون ستكون هي الوقود الذي قد يشعل إوار التفجير في لبنان، بسبب مايقال عن تدفق أعداد كبيرة من المسلحين السوريين إلى لبنان الذين سيكون هدفهم الأول، جنباً إلى جنب مع الأصوليين السنّة اللبنانيين، الانتقام من حزب الله عبر نقل المعارك إلى مناطقه. وهذا ماجعل بعض المراقبين اللبنانيين يذهبون إلى حد تشبيه العملية الانتحارية ضد السفارة الإيرانية بحادث بوسطة عين الرمانة العام 1975 الذي أشعل فتيل الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت زهاء 15 عاما.
الأمور لما تصل بعد إلى هذه المرحلة. لكنها قد تصل إليه إذا ما فشل مؤتمر جنيف-2 لحل الأزمة السورية في الانعقاد أو في التوصل إلى نتائج ملموسة في حال انعقاده، وبالطبع إذا ماعجزت المفاوضات النووية عن تهدئة نفوس المعارضين الإقليميين لها، وأيضاً إذا ماتبيّن أن القوى الإقليمية سترمي بكل ثقلها في معركة القلمون.
ففي هذه الحالة، ستخرج الأمور عن نطاق السيطرة في لبنان، وستنضم بيروت إلى دمشق وبغداد بصفتها كلها ضواحٍ ثلاث لعاصمة حرب إقليمة واحدة.
ويخشى الآن أن تكون العملية الانتحارية المزدوجة ضد السفارة الإيرانية، هو أول غيث مثل هذا التطور المأساوي الذي سيدفع لبنان ثمنه غاليا.
وقديماً قيل: حين يتصارع الفيلة، يكون العشب أول من يدفع الثمن.
(*) نشر هذا المقال أولاً في صحيفة المدن الالكترونية

سعد محيو





هل هي الحرب بين الأمير بندر وسليماني؟
أهم مؤشران على طبيعة وأهداف الهجوم الانتحاري المزدوج على السفارة الإيرانية في بيروت، هما توقيته ودقته.
قاسم سليماني
فمن حيث التوقيت، جاء الهجوم عشية استئناف المفاوضات النووية الإيرانية- الغربية التي تثير كبير القلق في كلٍ من الرياض وتل أبيب وأنقرة والقاهرة والعديد من دول الشرق الأوسط الأخرى. إذ أن هذه العواصم تعتبر المفاوضات مقدمة لاعتراف واشنطن وبروكسل بالدور الإقليمي الكبير لـ"امبراطورية قورش الفارسية الجديدة" في الشرق الأوسط، على حد تعبير دبلوماسي خليجي في بيروت.
بندر مع بوش

هذه الدول، وخاصة تل إسرائيل وإلى حد ما المملكة السعودية، لاتخفي رغبتها في دفع هذه المفاوضات إلى التعثر أو حتى إلى الفشل. فالأولى تحرّك الكونغرس الأميركي الموالي لها بشدة لفرض عقوبات جديدة على إيران، تحت شعار لارفع لهذه العقوبات قبل الوقف الكامل والشامل لكل البرنامج النووي الإيراني. فيما الثانية تنشط الآن على أرض الشرق الأوسط لتحويله كله إلى "سورية جديدة" لطهران، أي إلى فيتنام تستنزف ماتبقى من الموارد الإيرانية التي لم تبتلعها بعد الحرب السورية (نحو 20 مليار دولار سنوياً).
التفجير المزدوج في بيروت يأتي في هذا السياق. وهو بمثابة رسالة استراتيجية لا تكتيكية متعددة الرؤوس إلى واشنطن وكل من يهمهم الأمر، بمدى "المقاومة والممانعة" التي ستبرز في وجه أي اتفاق إيراني- غربي ثنائي يتم من دون موافقة القوى الإقليمية المعنية. وهذا يعني أن تفجير السفارة الإيرانية هو بداية لعملية او عمليات متسقة، لا نهاية لها.
معركة القلمون
علاوة على ذلك، جائ التوقيت متطابقاً مع حدث ميداني كبير يجري هذه الأيام على الأرض المشتركة اللبنانية- السورية. إذ يبدو أن المعركة الكبرى في منطقة القلمون الاستراتيجية، التي تعتبر فائقة الأهمية للتواصل الجغرافي بين خطوط إمداد النظام السوري في كلٍ من منطقة دمشق ومعاقله العلوية في حمص وجبال العلويين والبقاع الشيعي اللبناني، قد بدأت.
رأس الحربة البرية في هذه المعركة هي آلاف من مقاتلي حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية وفصائل إدارة وقيادة من فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. ومن شأن انتصار النظام السوري في هذه المعركة أن يسدد ضربة عنيفة للمعارضة المسلحة السورية وانتصاراً كبيراً آخر للنفوذ الإيراني. وهذا أمر لن تقبل به مملكة الوهابيين بأي حال وسترد عليه بكل الوسائل المتاحة.
هذا عن التوقيت. أما الدقة التي نفِّذت فيه العملية فهي، بما تضمنته من عملية مراقبة متواصلة للسفارة الإيرانية ومعرفة موعد مغادرة السفير غضنفر ركن أبادي للمبنى بهدف اغتياله، يشي بأن التحضيرات للتفجير استلزمت وقتاً طويلاً وأجهزة متطورة وعناصر عدة. وهذا ماليس بمقدور تنظيم "كتائب عبد الله عزام" الذي أعلن مسؤوليته عن العملية القيام به. هذا ناهيك أصلاً عن أن هذا التنظيم ضبابي للغاية. فهو إيراني النِشأة أسسه  صالح عبد الله القرعاوي الذي كان يتخذ من إيران مركزاً له، ويديره معارضون سعوديون. وتتقاطع كل المعلومات على القول أن هذا التنظيم المرتبط بالقاعدة مخترق، كما الحال مع معظم الحركات الإرهابية، من مختلف أنواع أجهزة المخابرات، بما في ذلك الموساد.
ماذا بعد؟
حسنا. ماذا بعد هذا "الهجوم الاستراتيجي"، سواء على الصعيد الإقليمي أو بالنسبة إلى لبنان؟
صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" لم تجد ما تقوله حيال هذا الهجوم سوى القول بأنه "يظهر كم أن الصراع في سورية قد انقلب بشكل حاد إلى حرب سنّية- شيعية بين القوتين الإقليميتين السعودية وإيران".
لا بل هي نسبت إلى كوادر موالية لحزب الله في الضاحية الجنوبية من بيروت اتهامهم المباشر للرياض بالوقوف وراء العمليتين الانتحاريتين، وتهديدهم باستهداف السفارة السعودية في العاصمة اللبنانية.
هذه المعطيات المتقاطعة، أي المفاوضات النووية ومعركة القلمون والحرب السورية، مضافاً إليها المجابهة السعودية- الإيرانية فوق أرض العراق والتي تتخذ هي الاخرى طابعاً سنياً- شيعياً فاقعا، تعني أن منطقة الهلال الخصيب برمتها باتت ساحة مجابهة بين الرياض وطهران، أو بين الأمير بندر بين سلطان مدير المخابرات السعودية المخضرم، وبين قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني (على حد تعبير مقاتل من حزب الله عاد لتوه من معارك سورية).
لبنان كان حتى الآن بمنأى نسبياً عن هذه المجابهة، حيث كانت الاطراف السياسية المتصارعة فيه المناوئة والمعارضة للنظام السوري (8 و14 آذار/مارس) تكتفي بالحروب بالواسطة داخل الأرض السورية.
لكن الهجوم على السفارة الإيرانية في بيروت قد يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، خاصة إذا ما كان لهذا  الهجوم مابعده. وهو أمر مؤكد تقريباً بسبب العوامل الدولية والإقليمية والسورية التي ألمعنا إليها.
المفاوضات النووية ستكون هو المحفز لهذه المجابهة. لكن معركة القلمون ستكون هي الوقود الذي قد يشعل إوار التفجير في لبنان، بسبب مايقال عن تدفق أعداد كبيرة من المسلحين السوريين إلى لبنان الذين سيكون هدفهم الأول، جنباً إلى جنب مع الأصوليين السنّة اللبنانيين، الانتقام من حزب الله عبر نقل المعارك إلى مناطقه. وهذا ماجعل بعض المراقبين اللبنانيين يذهبون إلى حد تشبيه العملية الانتحارية ضد السفارة الإيرانية بحادث بوسطة عين الرمانة العام 1975 الذي أشعل فتيل الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت زهاء 15 عاما.
الأمور لما تصل بعد إلى هذه المرحلة. لكنها قد تصل إليه إذا ما فشل مؤتمر جنيف-2 لحل الأزمة السورية في الانعقاد أو في التوصل إلى نتائج ملموسة في حال انعقاده، وبالطبع إذا ماعجزت المفاوضات النووية عن تهدئة نفوس المعارضين الإقليميين لها، وأيضاً إذا ماتبيّن أن القوى الإقليمية سترمي بكل ثقلها في معركة القلمون.
ففي هذه الحالة، ستخرج الأمور عن نطاق السيطرة في لبنان، وستنضم بيروت إلى دمشق وبغداد بصفتها كلها ضواحٍ ثلاث لعاصمة حرب إقليمة واحدة.
ويخشى الآن أن تكون العملية الانتحارية المزدوجة ضد السفارة الإيرانية، هو أول غيث مثل هذا التطور المأساوي الذي سيدفع لبنان ثمنه غاليا.
وقديماً قيل: حين يتصارع الفيلة، يكون العشب أول من يدفع الثمن.

سعد محيو




الجمعة، 15 نوفمبر 2013

3 سقطات "تاريخية" لحزب الله


- I -
هنري كيسنجر سجّل في كتابه الأهم "الدبلوماسية" ملاحظة مثيرة للأهتمام في فلسفة التاريخ.
قال:" ليس هناك في التاريخ طرف ساخر أكثر من هذا التاريخ نفسه. فهو يجعل من بطل اليوم خائن الغد، ومن خائن الأمس بطل اليوم"
آثار أقدام الأمثلة على صحة هذه المقولة تكاد لانتهي: من تحوّل الفيتناميين من أبطال المقاومة ضد الأميركيين بالأمس القريب إلى "أصدقائهم وحلفائهم" الودودين اليوم، على رغم المليون قتيل الذين سقطوا وهو لايدرون أن أبناءهم وأحفادهم سيكونون غداً "خونة" ومرتدين.
وهذا أيضاً ما حدث لعشرات ملايين الأوروبيين الذين قاتلوا وقتلوا من أجل رفع رايات القومية الفرنسية أو الألمانية أو الإيطالية، فإذا بورثة جيناتهم اليوم يلعنون الفكر القومي صباح مساء ويعتبرونه أساس البلاء الأوروبي.
حزب الله في سورية: السقطة الكبرى(الصورة من غوغل

ويبدو أن هذه اللعنة التاريخية بدأت تحيق بحزب الله اللبناني، وبسرعة قياسية لم يسبق لها مثيل، وعلى كل الجبهات أيضا.
فهذا الحزب الذي نشأ وترعرع وازدهر بوصفه حزب المقاومة ضد إسرائيل، تحوّل بعد حرب 2006 إلى ما يشبه حرس الحدود مع الدولة العبرية. فلا عمليات المقاومة استؤنفت لتحرير مزارع شبعا والقرى السبع المحتلة، ولا ممانعة برزت لوجود قطاعات عسكرية كبيرة من حلف الأطلسي (الذي يتزعمه الشيطان الأكبر الأميركي) في جنوب لبنان وفق منطوق القرار 1701.
الجنوب انضم الآن إلى الجولان بصفته أهدأ الجبهات العربية مع إسرائيل. صحيح أن حزب الله لايزال يصف نفسه بأنه حزب المقاومة، عبر اعتبارها عمل ردع نظري لا فعل اشتباك فعلي، إلا أن هذا التوصيف فقد جل زخمه ومعناه اللذين راكمهما منذ العام 1982.
ومن الجنوب إلى سورية، كان حزب الله يخطو الخطوة القاتلة الثانية في سيرورة التدمير الذاتي. إذ أنه بقتاله واسع النطاق إلى جانب نظام قاتل لشبعه (باعتراف حتى بعض قادة الحزب أنفسهم)، كان "يخون" ليس فقط تعريفه الاستراتيجي لنفسه كتيار مقاومة ضد إسرائيل، بل أيضاً تحديده الإديولوجي لذاته كقوة كربلائية لنصرة المظلومين على الظالمين. هذا بالطبع علاوة على أن هذا الانغماس على هذا النحو الدموي في الصراع السوري، قد أطلق كل شياطين الفتنة الكبرى-2 بين السنّة والشيعة من عقالها. وهكذا، تحوّل الحزب بين ليلة وضحاها من بطل المنطقة العربية الذي ترفع راياته في قلب أروقة جامع الأزهر السنّي، إلى "خائن" الأمة وإلى (مايسميه الأصوليون السنّة الآن) "حزب اللات أو الشيطان".
ثم جاءت ضربة كبرى أخرى موجعة حين وقف السيد حسن نصر الله قبل أيام ليدافع بقوة عن أي صفقة محتملة بين إيران وأميركا. وهو فعل ذلك انطلاقاً من تحليل سياسي بارد للمصالح الإيرانية لاعلاقة له من قريب أو بعيد ببنية الحزب الإديولوجية ولا بالطبع بتاريخ مواقفه المقاومة والممانعة ضد الولايات المتحدة. وهكذا سقطت بالنسبة إليه صفة الشيطان الأكبر عن أميركا، وباتت ممانعة السعوديين والأتراك لأميركا هي الخيانة بعينها. لا بل أصبحت حتى ممانعة الإسرائيليين ضد أميركا هي أيضاً خيانة بحد ذاتها.
- II -

لماذا تدهورت وضعية حزب الله على هذا النحو المفجع؟ وإلى أين من هنا؟
الاسباب تبدو معقدة وعديدة، لكن أهمها هي الهشاشة الفائقة للبنية الاستقلالية للحزب (مالياً وإديولوجياً وسياسياً)، الأمر الذي جعله كرة تتقاذفها الأمواج الإقليمية العاتية، فلا يعرف على أي أرض يجب أن يقف ولا إلى أي ميناء يجب أن تيمم سفينته وجهها.
أما السؤال إلى أين، فيمكن أحالته إلى قواعد الحزب التي ربما بدأت تتساءل الآن عن معاني المقاومة والممانعة، والثورة الحسينية ضد الظلم والظالمين، وحتى عن الشيطان الأكبر.
إنها صيغة التاريخ الكيسنجري وقد ارتدت أكثر أرديته سخرية، وسوداوية.
سعد محيو
__________________________


الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

مصر والديمقراطية وسخرية كارل ماركس



- I -
أكثر مايُقلق في تطورات مصر ليس فقط السرعة التي يُعيد بها النظام  الأمني- العسكري إعادة إنتاج نفسه بزخم غير مسبوق، بل أيضاً المناخ الشعبي والسياسي الذي يبدو أنه يرقص بحماسة على طبول هذه الولادة الجديدة للسلطوية.
وهذا يقلب الآن كل مقاييس ثورة يناير رأساً على عقب.
فالحرية، التي كانت أنشودة الملايين في ميدان التحرير وكانت وراء إطلاق سمة الربيع على هذه الثورة، غابت عن الأنظار وحلّت مكانها شعارات حصانة "الرموز" التي ليست شيئاَ آخر سوى القيادات العسكرية- السياسية الجديدة.
والديمقراطية، التي كان يجب أن تحل مكان السلطوية المباركية، باتت في عهدة محاكم عسكرية ومدنية تسلِّط سيف ديموقليطس القمع والرقابة فوق رؤوس الجميع.
والتوازن المفترض بين السلطتين العسكرية والمدنية سقط بالضربة القاضية، حين تحوّل زبانية أجهزة المخابرات فجأة إلى أبطال، وحين تم بسرعة خلق عبادة شخصية الجنرال عبد الفتاح السيسي، تارة عبر تشبيهه بجمال عبد الناصر، وتارة أخرى بطرحه كمنقذ أول من ضلال فوضى الأمن والأمان.
- II -
لماذا انتكست ثورة يناير على هذا النحو المفجع؟
الإخوان المسلمون يتحملون مسؤولية كبرى. فهم فهموا الديمقراطية بشكل مخطيء، حين قفزوا فوق حقيقة أن المراحل الانتقالية إلى الديمقراطية تتطلب إجماعاً وطنياً لاتفرداً في السلطة. وهم واصلوا التصرف كتنظيم سري منغلق على نفسه حتى وهم يسيطرون على كل مفاتيح السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما أن أداءهم الاقتصادي- الاجتماعي والسياسي دلّ على فقدان ملحوظ للكفاءة وبُعد النظر.
الرئيس مرسي نفسه كان تتويجاً لكل هذه الموبقات، حين رفض بصلف كل النصائح العديدة التي قدمتها له مروحة واسعة من القيادات العربية والأجنبية بضرورة ممارسة استراتيجية شمول الجميع في المرحلة الانتقالية، من راشد الغنوشي ومحمد رجب أردوغان إلى أوباما وكاميرون وأولاند.
لكن، وبعد قول كل شيء عن مسؤولية الإخوان في نكسة الديمقراطية هذه، يتعيّن القول أن بديل الجماعة لم يكن تصويب مسيرة الديمقراطية عبر ثورة يناير ديمقراطية ثانية( كما تم تصوير أحداث 30 يناير)، بل تصويب المسدس إلى رأسها من خلال تسليم مقاليد الأمور ثانية (وبحماسة شديدة) إلى زبانية أجهزة المخابرات الذين كانوا قد تحولوا إلى طبقة اجتماعية قائمة بذاتها، وفق تعريف أنطونيو غرامشي، تمارس شتى أنواع النشاطات السياسة والاقتصادية والأمنية، وحتى الثقافية والفكرية.
أجل. المواطنون المصريون تعبوا من انهيار الأمن والأمان ويبحثون بالفعل، كما في جل التاريخ الإسلامي، عن منقذ و"مستبد عادل". لكن لم يكن هذا يستوجب بالضرورة تحويل رجال المخابرات إلى أبطال، لولا أن هذه النزعة تلقت حقنة دعم قوية في العضل من القوى اليسارية والليبرالية والديمقراطية، التي أعماها خوفها من الإخوان عن رؤية غابة الاستبداد التي تختفي الآن وراء شجرة البحث عن الأمن.
هذه القوى هي في الواقع المسؤول الأول عن نكسة ثورة يناير، تماماً كما أن جماعة الإخوان هي المسؤول الأول عن تعثُّر مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. وغداً حين يأتي وقت كتابة تاريخ ثورة يناير، سيقال حتماً أن الإخوان طعنوها في الظهر، لكن اليساريين والليبراليين نحروها من الوريد إلى الوريد، عبر الصفقة الفاوستية المُغرقة في انتهازيتها التي أبرموها مع النظام العسكري- الاستخباري، والتي سيدفعون ثمنها غالياً في وقت لاحق.
- III -

مصر إلى أين من هنا؟
إلى ماكان يصفه كارل ماركس بتكرار التاريخ لنفسه، أولاً بشكل درامي ثم بشكل كاريكاتوري.
الدراما الأولى تجسَّدت في النظام السلطوي الواضح الذي حكم مصر 61 سنة. أما الشكل الكاريكاتوري فسيظهر في النظام السلطوي الجديد الذي يولد الآن، والذي يحاكم بموجبه مغتصبو السلطة رئيساً منتخباً ديمقراطيا.. بتصفيق حماسي من الديمقراطيين.

سعد محيو