للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الاثنين، 18 مارس 2013

السعودية: ماذا تفعل يا سلمان العودة؟



- I -
وَصفُ الخطاب المفتوح الذي وجهه الشيخ د. سلمان العودة إلى الحكومة السعودية بأنه "تهديد وابتزاز" (كما فعلت صحيفة سعودية) ليس صحيحاً ولاهو دقيق.
ا

فالخطاب يعج بالمخاوف على مصير الوطن السعودي نفسه، أكثر ما يتضمن النقد أو الاتهامات. كما أنه يموج بالدعوات إلى التفاهم بين السلطات والمواطنين على الإصلاح لا على الحث على التمرد والثورة.
نقرأ في الخطاب:
- الحفاظ على المكتسبات، والتي منها الوحدة الجغرافية (أي عدم تقسيم السعودية)، يحفزنا إلى المناشدة بالاصلاح، فالبديل هو الفوضى والتشرذم والاحتراب.
- في الأفق غبار ودخان، ومن حقنا أن نقلق مما وراءه. والقبضة الأمنية ستزيد الطين بلة وتقطع الطريق على محاولات الإصلاح.
- من أسباب الاحتقان: الفساد المالي والإداري، البطالة، السكن، الفقر، ضعف الصحة والتعليم، وغياب أفق الإصلاح السياسي.
- ماحدث أسهم في تمزيق النسيج الاجتماعي وأحدث قطيعة، وهي أزمة يمكن أن تتحوّل إلى فرصة للتصحيح، وفي أهلنا سماحة وقدرة على التجاوز.
- ثمة مواطنون خائفون من الفوضى والانفلات، ويحتاجون إلى من يهدىء مخاوفهم بمشروع واقعي إصلاحي يكونون شركاء فيه.
- II -

أين التهديد والابتزاز في هذه النصوص؟
إنها غير واردة بالطبع لا في السطور ولا في ما بين السطور. لا بل هي أقرب كثيراً إلى النصيحة وأبعد بما لايقاس عن الحث أو التحريض.
وإذا ما اختارت السلطات السعودية، كما هو متوقع، إلحاق هذه الرسالة بالمئات من شقيقاتها الرسائل المشابهة إلى أرسلتها إلى قسم المحفوظات، فهي قد تنجح مؤقتاً في فصل صوت الاحتجاجات عن صورتها داخل المملكة. لكن داخل المملكة فقط.
لماذا في الداخل وحسب؟
ليس فقط لأن هناك نحو 2،5 مليون شخص يتابعون الشيخ العودة على توتير وبقية وسائط الاتصال الاجتماعي، بل أيضاً لأن التاريخ والاجتماع البشريين في منطقة الخليج ليسا البتة قوالب جامدة لاتتغير، مهما كانت هذه القوالب قوية. فهذه سنّة الحياة والكون التي عبّر عنها ابن خلدون بدقة رائعة حين قال: " إذا ما تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم وكأنه ولد من جديد".
حسناً. الأحوال تغيّرت بعمق في منطقة الخليج بفعل وتائر التحديث الاقتصادي والثقافي السريعة، التي نقلت مجتمعاتها من البداوة والفقر المدقع إلى المدينية والغنى الواسع. ومثل هذه النقلة، التي أفاضت "مدن الملح" في الحديث عنها، كانت تُبرز الحاجة إلى تطوير البنى السياسة التقليدية على قدم المساواة مع البنى البيروقراطية والاقتصادية الحديثة. أي: الانتقال من "الديمقراطية القبلية الأوّلية" إلى الديمقراطية الشعبية. وهذه مرحلة مرّت بها كل الديمقراطيات الغربية التي انتقلت هي الأخرى من التركيبة القبلية ثم الاقطاعية، وبعدها (مع ثورة الحداثة منذ القرن 16) إلى حكومة  ديمقراطية من الشعب للشعب.
بالطبع، التغييرات التي طرأت على مجتمعات الخليج لاتشبه الانقلابات الصناعية والبورجوازية في أوروبا، لكنها مع ذلك تغييرات عميقة بسبب ترافق التحديث الاقتصادي والإداري مع ثورة تكنولوجيا المعلومات. وهذا أدى إلى خلق ما أسماه عالم الاجتماع المجري إيلمر هانكيس "المجتمع الثاني" المستقل عملياً عن السلطة السياسية، والذي يستند إلى المكونات التالية:
- الطفرة الهائلة في عدد الشباب (Youth Bulge ) دون سن الخامسة والعشرين، الذين يعيش معظمهم في المدن. وقد سجّل تقرير للأمم المتحدة أن البلدان التي تشهد طفرة شبابية، تتوافر على احتمالات تفوق الـ80 في المئة من بقية الدول بأن تحدث فيها ثورات اجتماعية أو انتفاضات عنفية.
- الانتشار السريع للفضاء الأثيري الذي خلقته ثورة المعلومات والاتصالات ( Ict)، والتي أطلقت فرصاً هائلة للترابط الاجتماعي، والتواصل، وتبادل الأفكار بين ملايين الشباب.
- الطفرة الكبرى الأخرى في أعداد خريجي الجامعات (العديد منهم عاطلون عن العمل)، خاصة منهم الذين تلقوا دروسهم في الجامعات الغربية، وباتوا قادرين على التمييز بين حقوق الإنسان (والمرأة ) في الغرب وبين محدودية هذه الحقوق في بلدانهم.
- توسّع عضوية المنظمات غير الحكومية ومنظمات القطاع الثالث، والتي لعبت فيها وسائط الإعلام الاجتماعي الدور الأول.
وأخيراً، وربما الأهم، بروز ما أسماه زبغنيو بريجينسكي "اليقظة السياسية العالمية" للمرة الأولى في التاريخ، والتي حولّت العالم بالفعل إلى "قرية سياسية " حقيقية في الزمان الحي بعد أن أُلغيت حواجز المكان عبر الانترنت والهواتف النقالة ومجانية الاتصالات الدولية، والفضائيات التلفزيونية.

- III -
هذه هي تركيبة "المجتمع الثاني" الذي وُلِدَ في منطقة الخليج، والذي كان وراء ثورات الربيع العربي في مصر وتونس ولبييا والبحرين واليمن وسورية. وأخطر ما هذا المجتمع أنه "غير مرئي" على رغم أن آثار أقدامه وبصماته مبعثرة في كل مكان.
ومالم تتأقلم أنظمة الخليج مع متطلبات المجتمع الثاني هذا، ستفاجأ بالفعل بتطورات قد لاتخطر على بال، كما أشار عن حق الشيخ سلمان العودة في خطابه.. اللاابتزازي واللاتهديدي.

سعد محيو

الجمعة، 15 مارس 2013

هل يُقدِّم المهدي المنتظر استقالته إلى الله؟! (الحلقة الخامسة)



- I -
هل ثمة وسيلة للخروج من هذه المسرحية التاريخية الكارثية التي يُعيد السنّة والشيعة تمثيل مآسيها الآن بحذافيرها تقريباً، بعد أكثر من ألف سنة من أدائها؟

عبد الله وحامنئي: صدام الحصيلة صفر (الصورتان من غوغل

حين يكون السؤال معقَّداً إلى هذه الدرجة، ومشحوناً بالذكريات التاريخية المريرة إلى هذه الدرجة، ومشتبكاً بتوجهات خارجية لإعادة إنتاج الحرب الأهلية الأسلامية، لن يكون الجواب سهلاً بالطبع.
فضلاً عن ذلك، وجود نظامين سياسيين طائفيين كالسعودية وإيران يبشران بإيديولوجيات مذهبية مُغلقة، يوصد الباب أمام أي "حوار ثقافات" حقيقي داخل الحضارة الإسلامية، الأمر الذي يُضفي على أي صراع سياسي على النفوذ في المنطقة بُعداً دينياً ملتهباً ومتفجّرا.
والحال أن الصراع بين البلدين كان مستعراً أصلاً، منذ أن انتقلت إيران من كونها الحليف الأكبر للولايات المتحدة في منطقة الخليج إلى عدوها الأكبر بعد انتصار الثورة الإسلامية فيها العام 1979. ومنذ ذلك الحين، انغمست الرياض وطهران في حمأة مجابهات تراوحت بين الحروب بالواسطة، كما حدث إبان الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988) التي دعمت فيها السعودية بقوة الرئيس صدام حسين، وبين "المجابهات الودية" في عهدي الرئيسين رفسنجاني ونجاد.
بيد أن العلاقات تدهورت مع وصول الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة، بعد ان ارتدت السلطة الإيرانية حلّة إيديولوجية دينية كاملة، فردت مملكة السعوديين على هذه التحية بالمثل. وهكذا تبلورت حرب باردة حقيقية بين الطرفين على النمط الأميركي - السوفييتي، تضمّنت العدة الكاملة لمثل هذه الحرب: الجواسيس ضد الجواسيس؛ حملات التضليل الإعلامي؛ الصدامات بين القوى التابعة لهما (في لبنان والعراق، والآن في سوريا)؛ اتهامات سياسية متبادلة وحادة؛ وتراقص على حافة صدامات لايستبعد البعض ان تصل حتى إلى المستوى العسكري.
وعلى الصعيد الإديولوجي، كانت الحرب الباردة بين السعودية وإيران لاتقل حدّة وعنفاً. فقد لاحقت المخابرات السعودية من وُصفوا بـ"المبشّرين الشيعة" الإيرانيين في المغرب وأبلغت السلطات في الرباط عنهم، فأدى هذا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية المغربية- الإيرانية. كما وصلت المجابهات إلى إندونيسيا حيث يتسابق الطرفان السعودي والإيراني الآن على كسب قلوب وعقول المواطنين الإندونيسيين، عبر ضخ مئات ملايين الدولارات في المجتمع المدني الإندونيسي للترويج للصيغتين السنيّة والشيعية للإسلام.
بيد أن نقطة الصدام التي دفعت الحرب الباردة إلى السطح، كانت الانتفاضة الشعبية في البحرين. إذ كانت الثورة الشعبية في بلاد القرامطة انطلقت مع غياب ملحوظ للشعارات الطائفية ومع تركيز على الإصلاحات الدستورية. لكن، حين أوحت بعض جهات في السلطات البحرينية أنها على وشك الرضوخ إلى بعض مطالب المُنتفضين، على غرار ماحدث في تونس ومصر، تدخلت قوات درع الجزيرة  فتحوّلت الانتفاضة الشعبية بين ليلة وضحاها إلى عراك إقليمي علني وعنيف بين الرياض وطهران.
وقبل البحرين، كانت السعودية ترى أصابع إيرانية واضحة في الثورة الشعبية اليمنية، خاصة في أوساط الحوثيين، فتحرّكت للإمساك بمفاصل الوضع هناك لمنع التمدد الإيراني، عبر توثيق العلاقات المالية مع العديد من القبائل اليمنية ولعب دور الوسيط بين النظام والمعارضة.
ثم هناك بالطبع لبنان، الذي ترتدي فيه المجابهة بين تياري 8 و14 آذار/مارس، طابع الصراع الصريح والمباشر بين السعودية وإيران، منذ أن نجح حزب الله في إطاحة حكومة سعد الحريري الموالية للرياض.
ويبقى الانتظار لمعرفة كيف ستكون خواتيم هذا التنافس السعودي- الإيراني في سوريا، التي  تحوّلت هي الأخرى إلى نقطة صدام كبرى بين الطرفين تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة، بسبب الدور المحوري الذي تلعبه بلاد الشام في استراتيجيات الشرق الأوسط.
- II -
في ظل هكذا حروب ساخنة- باردة على هذا النحو من الضراوة والتعبئة الإديولوجية، من الصعب العثور على حلول، إلا بالطبع إذا ما غيّرت السفينة الإيرانية وجهتها الراهنة وعادت إلى المسار الحواري والانفتاحي الذي دشنّه الرئيس خاتمي، وإلا إذا تم إسقاط الصيغة الوهابية الحالية التي ترسم خطاً من نار بين كل المذاهب الأسلامية تقريبا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إلى مَ سيؤدي هذا الصدام المروّع؟
إذا ما كان السلفيون السنّة يعتقدون أنه لايزال في وسعهم إعادة الشيعة إلى وضعية الخضوع بالقوة أو التبعية، فسيكونون واهمين للغاية. هذا لن يحدث لا في العراق ولا في لبنان ولا البحرين، ولاحتى داخل المملكة السعودية نفسها. فهذه مرحلة سقطت تاريخياً ولن تعود.
وإذا كان المتطرفون الشيعة يظنون أن المهدي المنتظر آت لاستئصال شأفة السنّة وتسليم سلطة آخر الزمان إليهم، فالأرجح أنهم سينتظرون ألف سنة أخرى. والحال أنه حتى لو ظهر المهدي المنتظر ورأى مايفعله المسلمون ببعضهم البعض، فالأكيد أن سيرفع "استقالته" إلى الله.
الحصيلة الوحيدة لهذا الصدام هو الدمار. الدمار الشامل على التحديد.
وحين تبدأ أهوال هذه الكارثة الحضارية والإنسانية بالتكشُّف، سيظهر حينذاك  أصحاب الأصوات "العاقلة" الذين سيتساءلون: كيف سمحنا بأن يجري ماجرى، وسيبدأون بالبحث عن حلول خارج أطر الهلالين الشيعي والسنّي، وداخل إطار قيم المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان. لا بل سيفتشون عن حلول داخل إطار العلمنة التي ستكون الرد الوحيد على جنون مايسميه أوليفييه روا "الجهل المقدس".
هذا بالطبع إذا لم تنجح المخططات الإسرائيلية - الغربية، وتنشأ دويلات سنيّة وشيعية في المنطقة ترتسم حدودها بأنهار دائمة من الدماء القانية، وتخوض مع بعضها البعض حروباً دائمة لاتنتهي.

(انتهت حلقات الفتنة الكبرى-2)

سعد محيو







الخميس، 14 مارس 2013

حروب "الهلالين" السنّي والشيعي في المنطقة (الحلقة الرابعة)
لاسني ولاشيعي.. ولكن؟(الصورة من غوغل



- I -

تساءلنا بالأمس: كيف تترجم هذه " السياسة التاريخية " الاميركية، الدافعة إلى تغذية الانفجارات داخل الصف الأسلام، نفسها على صعيد العرب أنفسهم؟
بأحد أمرين:
1-    اللاتصديق، في أحسن الأحوال، واللامبالاة، في أسوئها. وهذا على ما يبدو حال معظم النخب السياسية والفكرية في المنطقة.
2-    التصديق، لكن مع الأنغماس مباشرة في لعبة الحرب المذهبية سراً، والادعاء علناً بالتمسك بأهداب الوحدة الأسلامية. وهذا حال بعض الأنظمة العربية والأسلامية.
عبد الله الثاني، ملك الأردن،  قد يقول المسؤول العربي الأول الذي تحدث بصراحة وطلاقة عن عملية الفرز المذهبي الشيعية- السنّية التي تجري على قدم وساق هذه الأيام في المنطقة.
فهو كان أول من صك تعبير " الهلال الشيعي " الممتد من إيران ولبنان، مروراً بجنوب العراق وسوريا. ثم في ربيع العام 2005 ، وحين أجرى معه " مجلس العلاقات الخارجية الاميركي " مقابلة مطّولة حول هذه المسألة، لم يتردد الملك في القول أنه " يخشى أن يتوقف الصراع الفلسطيني- الأسرائيلي عن كونه جوهر الصراع في الشرق الاوسط، وأن يتمحور حول العراق، في إطار صراع مرعب داخل الأسلام: صراع سنّي- شيعي سيكون مدمّراً في هذا الجزء من العالم".

- II -
ما كان يقوله الملك الأردني علناً، ردده الكثير من المسؤولين العرب سراً في مجالسهم الخاصة، ورسموا بدورهم خرائط جديدة ليس فقط للصراع بل حتى للكيانات الجغرا- سياسية في المنطقة.
وهكذا، نقل عن السيد حسن نصر الله، زعيم حزب الله"  قبل سنوات أن الاميركيين وغيرهم عرضوا عليه قبل فترة شيئاً شبيهاً بـ "الهلال الشيعي"؛ وان رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري أبلغه  أنه تلقى هو الأخر عرضاً بإقامة "هلال سنّي " ينطلق من وسط العراق ليضم  الأردن ومعظم سوريا وأجزاء كبيرة من لبنان.
بيد أن " حرب الأهلة " ( جمع هلال) هذه، لاتقتصر على الأحاديث او التحليلات، حين ينتقل الأمر إلى الحركات المذهبية المتطرفة من كلا الجانبين. فبعض الأطراف الشيعية العراقية، على سبيل المثال، تقرن الكلام بالفعل حين تدعو عملياً إلى قيام كيان شيعي إنفصالي مستقل في جنوب العراق. وجهود أبو مصعب الزرقاوي الدموية  كانت تصب كلها في صالح الفرز المذهبي- الجغرافي على أرض العراق، بدعم من غلاة الشيعة والسنّة.
وفي لبنان، تغلي تحت السطح قوى تطرف مذهبي تقشعر لها الأبدان. فمثلاً، في الضاحية الجنوبية من بيروت وفي البقاع، ثمة حركات " سلفية شيعية " تكفّر ليس فقط السنّة بل حتى " حزب الله". وفي الأرياف السنّية في إقليم الخروب في جبل لبنان، وعكار والضنية في الشمال،وصيدا في الجنوب ومخيماتها الفلسطينية، تترعرع أصوليات تكفيرية تدعو إلى إعتبار الصراع مع الشيعة هو التناقض الرئيسي.
- III -

هل ثمة وسيلة للخروج من هذه المسرحية التاريخية الكارثية التي يعاد تمثيلها الآن بحذافيرها تقريباً، بعد أكثر من ألف سنة من أدائها؟

(غدا الحلقة الخامسة والأخيرة)

سعد محيو

الأربعاء، 13 مارس 2013

أجل، أنها حرب سنّية- شيعية شاملة في المنطقة (الحلقة الثالثة)

حروب الصفويين والعثمانيين: عود على ذي بدء( اللوحة من غوغل

- I -
أشرنا في حلقة الأمس (اليوم، غدا، 12-3-2013) إلى أن تفجير الحروب الاهلية المذهبية في أنحاء  الشرق الأسلامي، كانت الطريقة الأمثل  لتوجيه سهام " الارهاب" بعيداً عن صدور الغربيين وقريباً نحو صدور الشرقيين. وبما ان ألاسلام منشطر الى سنّة وشيعة منذ نيف وألف سنة، كان من المغري كثيرا طلي  تباين الاجتهادات بينهم باللون الاحمر القاني. والمدخل إلى كل ذلك كان، ولايزال، العراق.
لكن، لماذا العراق؟
في 8 آذار/مارس الحالي، ألقى المحلل البريطاني في "فايننشال تايمز" ديفيد غاردنر بعض الأضواء على السبب، حين ركَّز على النقاط التالية:
- التحالف الغربي، بدخوله العراق وتفكيكه، قلب موازين القوى في أكثر مناطق العالم التهابا، ليس لأنه أطاح نظام حسين، بل لأنه أوصل الأقلية الشيعية في داخل العالم الإسلامي (والتي هي أغلبية في العراق) إلى السلطة في قلب المنطقة العربية للمرة الأولى منذ سقوط الخلافة الفاطمية العام 1171.
- وهذا، إضافة إلى أنه أسفر عن حمام دم في العراق، أشعل مجدداً نزاعاً عمره ألف سنة بين السنّة والشيعة، امتد من المشرق العربي إلى شبه القارة الهندية.
- أحداث العراق غيَّرت بالفعل مقومات المنطقة، وهي كانت أخطر بكثير من مضاعفات حرب السويس العام ،1956 لأنها أعطت زخماً لكل ألوان وأنواع الحركات الإسلامية.

- II -
تحليل دقيق؟
أجل. لكن، يجب ان نضيف إليه عاملاً آخر لايقل أهمية.
فأرض العراق في الواقع رأس جسر ممتاز ونموذجي لتفجير العالم الأسلامي من داخله، لأنها كانت المسرح الرئيس للمأساة التاريخية لآل البيت على يد الأمويين. كما أنها كانت ساحة المعركة الرئيس بين العثمانيين والصوفيين طيلة قرنين من الزمن ( العراق آنذاك  كان يصبح صفوياً فارسياً في الشتاء، وسنّياً تركياً في الصيف! ) .
القسمة الدموية السنية – الشيعية انطلاقاً من العراق منذ غزوه العام 2003، حققت، وستحقق أكثر، جملة أهداف إستراتيجية غربية  دفعة واحدة. فهي شطرت الشرق الاوسط الكبير الى شطرين كبيرين متناحرين. وهي جعلت إيران في حال صدام ليس مع أميركا وحسب، بل (مجدداً ) أيضاً مع تركيا وباقي اطراف الغالبية السنّية في العالم الإسلامي. وبالطبع، حين تحاصر جمهورية الخميني على هذا النحو، لن يطول الوقت ( مجدداً أيضاً ) قبل ان تبدأ \البحث عن حلفاء لها في الغرب. وهذا بالتحديد  ما فعله الصفويون طيلة القرنين 18 و19.
وأخيرا، حروب السنّة والشيعة قد تقلب صورة الصراع مع إسرائيل رأسا على عقب. ويكفي للتدليل على ذلك تخيلّ، مثلاً،  مصير مواجهة " حزب الله " المصيرية مع إسرائيل، إذا ما جرّه الغرب الى صراعات طائفية مع السنّة في لبنان وسوريا.

- III -
الغرب، مراكز أبحاث كما مؤسسات سياسية، يمارس هذه الأيام " سياسة تاريخية" (إذا ما جاز التعبير) في العراق وبقية العالم الأسلامي. سياسة تنطلق من الحقيقة بأن الحرب الاهلية السنّية – الشيعية  في القرن الاول الهجري أدت إلى أول شرخ ضخم في جسم الامة؛ وإلى إغلاق باب الاجتهاد  لدى السنّة في القرن الثالث عشر الميلادي، وإلى التقية والتقوقع لدى الشيعة.
كما أدّت إيضاً إلى الحروب العثمانية – الصفوية التي اعترف كبار المفكرين الأسلاميين الأيرانيين، وفي مقدمهم علي شريعتي، بأنها كانت الخطأ القاتل الأكبر في تاريخ بلادهم .
كل هذه الأحداث المأساوية أسفرت، كما هو معروف، عن شل طاقات الامة وجعلها لقمة سائغة  أمام الأجتياحات الخارجية، بدءاً من الصليبيين والمغول، مروراً بحروب الأندلس والبلقان، وإنتهاء في العصور الحديثة بالأجتياحات الأستعمارية الأوروبية .
لولا الحروب الاهلية السنّية- الشيعية ، لما أصيبت الحضارة الأسلامية بالجمود والمراوحة في المكان والزمان ( عند السّنة )، والتقوقع  ( عند الشيعة ) . ولولا هذه الحروب، لما سيطر المتطرفون من كلا الطرفين على جداول الأعمال السياسية والأيديولوجية طيلة اكثر من ألف
عام .
آثار أقدام "السياسة التاريخية " الغربية مبثوثة في كل مكان، وهذه بعض ملامحها في الولايات المتحدة:
n        مارتن كرامر( باحث في " موسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى):  " في معظم الأمبراطوريات الديناميكية الأسلامية، عقد لواء الحكم للأقليات. والآن،  رسالة الدمقرطة( من ديموقراطية) هي أن حكم الأقلية بات من مخلفات الماضي، وهذا سيعني بالنسبة للشرق أوسطيين تغيّر موازين القوى بين محتلف المجموعات الطائفية والأثنية، وإطاحة هرميات إجتماعية أقيمت قبل الف عام عبر الصراعات الداخلية".
هل هذا سيعني نسف مقومات الدول الراهنة في المنطقة؟
كرامر يرد بالأيجاب بسرعة، منطلقاً من " نموذج " العراق، " حيث سكان المثلث السنّي يحبون قبائلهم، وبدلاً من الديموقراطية يفضلون حكم الشيخ على رأس كونفدرالية على النمط القبلي. وحيث الشيعة يميلون إلى حكم رجل دين معمم. ما تريده هذه المجموعات هو حق " الحرية الجماعية " المشفوعة بإنحسار الدولة. على الولايات المتحدة، برأي كرامر، "الأعتراف بإستقلالية المجموعات الأجتماعية والدينية والطائفية".
n       سونر كاغابتاي( رئيس " برنامج الأبحاث التركية " الاميركي): الاسلام لايزال منغمساً في تاريخ الشكوك العميقة بين الطائفتين السنية والشيعية. ولذلك، وقبل الدعوة لقيام حوار بناء بين الأسلام والغرب، على المسلمين أولاً إحترام بعضهم البعض. بكلمات أوضح، الطريق إلى توازن إقليمي بين الأسلام والديانات الأخرى، يمر عبر محاولة إقامة السلام داخل الأسلام ".
n       موشي ماعوز( مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ): " الأقليات الدينية والأثنية أثرّت بشكل عميق على التطورات في الشرق الأوسط طيلة القرنين الماضيين. وما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة هو أن تشجع وتدعم تشكّل تحالفات بين هذه الفئات إستناداً إلى أنظمة فيدرالية ديموقراطية".
n       والي نصر ( باحث في " دراسات الشرق الأوسط ") : التمرد( المقاومة العراقية) جذب المتطرفين من كل المنطقة العربية إلى الجهاد ضد اميركا. لكن جوهر المسألة يكمن في الواقع في الحرب التي تعود إلى قرون عدة، بين السنّة والشيعة. وهذا أمر "أُجبرت " أميركا على الأعتراف به اخيراً، ومعه الأعتراف بمركزية الحقائق الطائفية".
* * *
n       كيف ترجمت هذه " السياسة التاريخية " الغربية نفسها على المستوى العربي؟
(غدا حلقة رابعة)

سعد محيو


الثلاثاء، 12 مارس 2013

أجل، أنها حرب سنّية- شيعية شاملة في المنطقة (الحلقة الثانية)



- I -
أشرنا بالأمس إلى أن "الحرب الأهلية الإسلامية" الراهنة بين السنّة والشيعة لاتجري في فراغ، بل في إطار تخطيط أو على الأقل توجهات أميركية- إسرائيلية، وسنقول اليوم لماذا.
في أواخر آذار\ مارس 2006، أبتعثت " لوموند" موفداً إلى بغداد لدراسة جوانب الوضع العراقي، خاصة منه إحتمالات الحرب الاهلية. بعدها أيام قليلة، كان الموفد يرسل أولى تقاريره مشفوعة بالخلاصة الآتية: " اميركا في العراق( وبالتالي في باقي الشرق الاوسط الأسلامي) إكتشفت سلاحاً أخطر من أسلحة الدمار الشامل: الحرب المذهبية داخل الاسلام، بين السنّة والشيعة".
خلاصة مخيفة؟
بالتأكيد. لكنها حقيقية.
فالسؤال في المنطقة العربية والعالم الأسلامي الآن لم يعد: هل ينجح الغرب في تفجير اللغم المذهبي في العالم الأسلامي، بل إلى أي مدى، لأن اللغم انفجر بالفعل. ويكفي للتأكد التلفّت حولنا قليلاً . حينها سنصطدم سريعاً بجملة حقائق دفعة واحدة على كل الصعد الأكاديمية والأعلامية والسياسية، وبالطبع الفكرية والثقافية ، التي تصب في هذا الاتجاه.
على سبيل المثال ، إشتكى لكاتب هذه السطور مؤخراً صديق أكاديمي  يعمل بروفسوراً في أحد جامعات باريس الكبرى، شكوى مرّة من إصرار زملائه الأساتذة الفرنسيين على توجيه طلابهم العرب والمسلمين إلى دراسة الطوائف والمذاهب والعشائر المفتتة لبلدانهم، بدل دراسة المفاهيم والعناصر الموحّدة للأمة والشعوب تاريخاً وحاضراً.
إستنتاج البروفسور : الجسم الأكاديمي الغربي يتحّرك إما بدافع إستشراقي – إستعماري كذلك الذي حذّر منه إدوارد سعيد، عبر تطبيق نظريات الأنثروبولوجيا على شعوب الشرق ( التي تتحّول حينها إلى حيوانات إختبار )، أو بحافز غير بريء  هو خدمة سياسات القادة الغربيين التقسيمية الجديدة في المنطقة.
وعلى سبيل المثال أيضاً، نشر الكاتب البريطاني البارز مارتن وولاكوت مقالاً في"الغارديان" حمل العنوان المثير: " كيف أساء الغرب فهم الشرق ؟ ". لكن من يبدأ بقراءة المقال، سرعان ما يصدم حين يعلم أن سوء الفهم هذا  يكمن، برأي الكاتب،  في عدم تركيز الغرب على إستخدام  الصراع السنّي- الشيعي كمفتاح لتحليل كل ما يجري في الشرق الاوسط.
وهكذا ، يفسّر وولاكوت كل ما يحدث راهناً في المنطقة على أنه مجرد صدام مذهبي، مروراً حتى بخلافات إيران الشيعية مع أميركا البروتستانتية !.
- II -

بالطبع، لسنا هنا في وراد نفي وجود خلافات او حتى الصراعات على السلطة بين السنّة والشيعة، خاصة في العراق.  فهذه باتت الان، وبعد الكوارث التي حلّت بالقوى الحديثة من ليبرالية وعلمانية وقومية وماركسية، مجرد تحصيل حاصل.
 بيد أن هذا شيء، وإعادة قراءة كل التاريخ الراهن على هدي الفتنة المذهبية، شيء آخر مختلف تماماً. هنا لا تصبح العوامل الداخلية هي وحدها الأمر الحاسم ، بل يناط الأمر أيضاً  بالعوامل الخارجية. هنا يصبح لنظرية " اللاإستقرار البناء " الذي أطلقها الباحث الأميركي روبرت ساتلفوف وتبنتها الأدارات الأميركية المتعاقبة، معنى وحيداً: تفجير البنى الاجتماعية العربية،  ليس لبناء الديموقراطية فوق أشلائها، بل لتأبيد الحروب الاهلية المذهبية "غير البناءة " فيها .
الأدلة؟ إنها أكثر من ان تحصى. وهذه بعضها:
-- في صيف 2004، " نشر  "مجلس العلاقات الخارجية"  الاميركي، وهو اهم مركز أبحاث في الولايات المتحدة دراسة مطولة عن آفاق الحرب في بلاد الرافدين، خرج منها بالخلاصة الآتية: "  العراق، وعلى عكس فيتنام، منقسم إلى سنّة وشيعة، الأمر الذي يخلق ميزان عداوات داخلية لا مقاومة واحدة، و"يغري "  الولايات المتحدة لمواصلة التدخل هناك بشتى الطرق.
"يغري " الولايات المتحدة ؟.
أجل، ويغويها أيضاً. وهذا من طبائع الأمور السياسية، وسنن الحياة الدولية.
 فإذا ما أرادت قوة خارجية غزو قوة محلية وضرب جهاز المناعة والممانعة فيها، ليس أمامها سوى  خيار من إثنين: إما إلحاق الهزيمة الكاملة والماحقة من الخارج  بالمجتمع المعني، وليس فقط الدولة، ودفعه إلى الأستسلام واليأس ( كما فعلت اميركا مع ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية) ، أو تفجير هذا المجتمع من الداخل ( كما فعلت بريطانيا في شبه القارة الهندية وفلسطين والملايو، وفرنسا في سوريا ولبنان وبلدان المغرب العربي).
وبما أن واشنطن لم تهزم المجتمع العراقي، فبديهي أنها عملت على تفجيره. وهذا البديهي هو الذي حدث، منذ أن حلّت الأدارة الأميركية الجيش ومؤسسات الدولة.
لا بل حدث إبان الاحتلال الأميركي ما هو أدهى من النسيان: معظم الأطراف السنيّة والشيعية العراقية، بما في ذلك حتى بعض فصائل المقاومة البعثية، تسابقت على كسب ود السفارة الأميركية، ثم اتهمت بعضها البعض بأنها السباّقة إلى هذا الود. هذا في حين كان المندوب السامي الأمبراطوري الاميركي زالماي خليل زاد ينغمس في حفر الأفخاخ السياسية والدستورية( والبعض يقول أيضاً  الامنية " الزرقاوية "  و " المهداوية " )  لكل هذه الأطراف كي تقع في النهاية في ما ليس منه مفر: الأنفجار المجتمعي الداخلي.
- III -
 تفجير الحروب الاهلية المذهبية في أنحاء  الشرق الأسلامي، كانت الطريقة الأمثل  لتوجيه سهام " الارهاب" بعيداً عن صدور الغربيين وقريباً نحو صدور الشرقيين. وبما ان الاسلام منشطر الى سنّة وشيعة منذ نيف وألف سنة، كان من المغري كثيرا طلي  تباين الاجتهادات بينهم باللون الاحمر القاني.
والمدخل إلى كل ذلك كان، ولايزال، العراق.
لماذا؟

(غدا الحلقة الثالثة)
سعد محيو

الاثنين، 11 مارس 2013

أجل، أنها حرب سنّية- شيعية شاملة في المنطقة (الحلقة الأولى)


- I -
حجب الشمس بأصبع، لم يعد جائزا:
أجل. يجب الاعتراف بأن ثمة حرباً مذهبية سنّية- شيعية شاملة، تدور رحاها بكل أنواع الأسلحة هذه الأيام عل رقعة شاسعة تمتد من الهلال الخصيب إلى منطقة الخليج، مروراً بشبه القارة الهندية.
أجل أيضا: هذه الحرب الأهلية الإسلامية الداخلية تجري داخل سياق صراع دولي، تقف فيه إيران ونظام الأسد ولبنان- حزب الله إلى جانب روسيا (الصين لم تقرر بعد أن تكون لاعباً دولياً أول في الشرق الأوسط)، فيما تصطف السعودية وبقية دول الخليج وتركيا وراء أميركا وأوروبا.
 وهذا ماقد يوحي بأن لهذه الحرب شكلاً إديولوجياً، حيث يبدو أن المعسكر الأول "الممانع والمقاوم" يقف ضد إسرائيل والامبريالية، فيما المعسكر الثاني يدور في فلك هاتين الأخيرتين.
بيد أن هذه الصورة لاهي حقيقية ولاهي واقعية.
صحيح أن إيران في حال اشتباك مع أميركا، إلا أن تاريخ ثورتها حافل بالصفقات المذهلة التي قد لاتخطر على أي بال إديولوجي مع واشنطن: من إيران - غيت إلى الحلف غير المقدس في حرب أفغانستان، ومن تواطؤ إيران مع أميركا في غزو العراق العام 2003 إلى تقاسم الغنائم بينهما لاحقاً في بلاد الرافدين.
وبالمثل، صدام أيران مع إسرائيل لايدور بسبب الاختلاف حول الشكل الإديولوجي للآخرة، بل حول أحوال الدنيا الاستراتيجية في الشرق الاوسط. محور الخلاف: القوة الإقليمية الصاعدة (أو التي كانت صاعدة على الأقل حتى ماقبل الانتفاضة السورية) تريد حصة في نظام الشرق الأوسط، وتل أبيب لاتزال ترفض انطلاقاً من اعتبارات "أنانية" واستراتيجية في آن.

- II -
هذه اللوحة الحقيقية للصراع من فوق تجد صداها من تحت، حيث تختلط صور "المقاومة والعمالة" إلى درجة مذهلة.
فعلى سبيل المثال:  كيف نفسّر كون شيعة العراق( او بالأحرى قادتهم الطائفيين) كانوا على تحالف مع " الشيطان الاكبر " طيلة حقبة الاحتلال الأميركي للبلاد، فيما أشقاؤهم في لبنان شكلّوا رأس الحربة في مقاومة " الهيمنة الاميركية ". هذا على رغم أن  " الشيطان " ( اميركا) كما " المرجعية الملائكية " ( إيران ) هما إياهما في الحالين؟
على سبيل المثال أيضاً: كيف كان سنّة العراق طليعة المجاهدين ضد الأحتلال والعولمة والرأسمالية، فيما أخوانهم في المذهب في لبنان بقيادة الأسرة الحريرية طليعة المتحالفين مع اميركا، والداعين إلى الاندماج بلا قيد أو شرط بالعولمة الرأسمالية، حتى في شقها الليبرالية الجديد المتطرف ؟
أكثر: كيف نبرر كون 80 في المائة من شبان الشيعة في إيران على علاقة غرامية سرّية مع أميركا، كما تدل العديد من الأستطلاعات، فيما 80 في المائة من زملائهم في لبنان والعديد من الدول العربية الأخرى يعتبرونها وسواسة خناّسة ؟
الأمر هنا  أشبه بلعبة " حاول أن تفهم "، أو بسيرك فقد القيّمون عليه السيطرة على برامجه فإختلط المهرجون بالجمهور، والجمهور بالمهرجين، ولم يعد أحد يدري ما يجري.
لكن الصورة ليست كذلك. المسألة، ببساطة، تتعلق بصراعات سياسية، قومية، مصلحية، يتم خلالها إستخدام الانتماء الديني او المذهبي لتبرير الوطنية والخيانة معاً؛ التقليدية والثورية؛ والرجعية والتقدمية. المذهبية الدينية هنا هي ضحك على ذقون من يريدون أن يضحك عليهم، او ان يستخدموا أضاحي على قرابين الانتهازية والمصالح.
المفعول به وفيه  معروف: إنها " الجماهير الطائفية " التي تقبل السير كالأغنام وراء قادتها الذين يقودونها إلى المسالخ الدموية. أما الفاعل فلا يقتصر، كما قد يعتقد البعض، على أميركا والغرب، بل هو يتضمن أيضاً كل او معظم الأطراف المنغسة الان في الصراع الأقليمي- الدولي الحالي في الشرق الاوسط.
وهكذا، يتبيّن الان أن اميركا وإيران معاً دعمتا في السابق غلاة  الأصوليين السنّة في العراق كل لهدفها الخاص: الأولى لأستمكال فرز السنّة عن الشيعة، والثانية لانهاك الاميركيين ودفع الشيعة العراقيين إلى أحضانها.
- III -

هل يعني هذا التسييس الشديد للصراع  أننا ننفي وجود خلافات وإختلافات فقهية تاريخية بين المذهبين الشيعي والسنّي؟
كلا بالطبع. لكننا هنا نطرح سؤالاً غير بريء: كيف أمكن للشيعة والسّنة التوّحد في جبهة واحدة متراصة خلال المجابهة بين الحركة القومية الناصرية مع الغرب خلال الخمسينيات والستينيات،  إلى درجة إعتبار الأزهر الشيعية المذهب الخامس في الأسلام، فيما المجابهات الراهنة تستند، على العكس،  إلى تفجير الصراعات بينهما؟
سيقال لنا أن هذه مستلزمات السياسة في هذه المرحلة. وهذا صحيح. لكن، سيتعيّن على من يقول ذلك اليوم ثم يقرن قوله بفعل التحريض المذهبي- الديني، أن يقبل غداً سقوط مئات آلاف " الشهداء " من كلا الطرفين من اجل  " القضية " السياسية، وأن يسبح في بحيرات الدم القاني التي صنعتها يداه. عليه أيضاً أن يعد من الأن كشوف حساباته الكاملة أمام ربه، حول جريمة تجديد الفتنة الكبرى في الأسلام.
وهي فتنة تجري رحاها الآن بكثافة، كما أسلفنا، من الهلال الخصيب والخليج إلى شبه القارة الهندية، بإشراف أميركي- غربي شامل.
كيف؟
(غداً حلقة ثانية)
سعد محيو