للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الخميس، 20 ديسمبر 2012

المشروع البشري أمام الخيار النهائي: إما الترقي أو الانقراض



الخيارات أملم البشر باتت محدودة- الصور من غوغل


- I -
كيف، إذا، يرى أمين معلوف المخرج من الجنون الانتحاري في المغامرة البشرية؟
إنه يراه في الثقافة والتعليم، اللتين برأيه يجب أن  تعيدا قولبة الوعي البشري. لكن هذا لايعني أن كاتبنا يغفل أهمية مروحة أخرى من العوامل الضرورية للحل. يقول:
"يجب أن نغرس في الأذهان رؤية مغايرة تماما للسياسة والاقتصاد والعمل والاستهلاك والعلم والتكنولوجيا والتقدم والهوية والثقافة والدين والتاريخ؛ رؤية راشدة أخيراً لما نحن ولما هم الآخرون وللكوكب الذين نحن شركاء فيه. ينبغي لنا أن نخترع مفهوماً جديدا للعالم لايكون مجرد ترجمة عصرية لأفكارنا المسبقة القديمة، ويسمح لنا بابعاد خطر التقهقر الذي يظهر في الأفق الآن. هذا مشروع انقاذي يجب أن يُنفّذ بحكمة، ولكن بغضب أيضا". (*)
- II -

كلام جميل؟
أجل. لكنه عام للغاية أيضا.
فخطر الانقراض الذي تتعرض إليه المغامرة البشرية، ومعها الحياة نفسها على كوكب الأرض، في حاجة إلى خريطة طريق واضحة تشمل تحقيق جملة ثورات دفعة واحدة، في إطار ثورة وعي كبرى واحدة:
- ثورة حقيقية على مستويين في الاقتصاد: الأول، وقف الركض وراء هاجس النمو الاقتصادي، (لابل يدعو بعض العلماء إلى جعل هذا النمو صفراً) لأن بيئة الكوكب وتوازناتها لم تعد قادرة على مصافحة "اليد الخفية" لسوق منفلتة من عقالها. والثاني، هو التوصل إلى إجماع جديد يحل مكان إجماع واشنطن الاقتصادي الليبرالي المتطرف، ويحدد النظام الاقتصادي الأفضل للبشرية (الاشتراكية الديمقراطية الاسكندينافية على سبيل المثال).
- ثورة عولمة بديلة، ترتكز على التضامن والعدالة الاجتماعية، بدل التنافس القاتل الراهن، وتسفر في خاتمة المطاف عن ولادة نظام عالمي جديد تقوده حكومة عالمية عادلة وديمقراطية.
- ثورة بيئية تقوم على التصالح مع أمنا الطبيعة، وتعمل ليس فقط على وقف الاحتباس الاحتراري والحد من غازات الحبيسة والتلوث، بل أيضاً على إعادة اكتشاف الوحدة العميقة بين البشر وبين كل المخلوقات، واحترام هذه الوحدة وتعزيزها.
- ثورة في مفهوم العلم والتكنولوجيا تنقلهما من وضعهما "المحايد" الراهن، حيث يمكن أن تكونا في آن أداة خير وعطاء وأداة شر ودمار، كي تصبحا في خدمة البيئة والتطور الأخلاقي للبشر. وهذا يتطلب، أول ما يتطلب فك عرى سيطرة الشركات العملاقة ومتعددة الجنسيات على كل مفاتيح العلم والتكنولوجيا.
- وأخيراً، ثورة روحية- أخلاقية تًعلن الحرب على أكبر وباء ضرب التجربة البشرية: الأنا الأنانية ( Ego)، وتعيد توحّد الفرد مع الكون، وتُجسِّد الكون كله في الفرد.
- III -

لوهلة، قد يبدو أن خريطة الطريق هذه لاتؤدي إلى أي طريق، بسبب تشعُّب أهدافها، وضخامة العقبات الكأداء التي تعترض طريقها، وصعوبة توفير القوى الاجتماعية القادرة على حملها.
لكن الأمر ليس على هذا النحو.
فقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة صحوات كبرى متلاحقة في كل المجالات التي أشرنا إليها أعلاه: في تنامي الوعي بين أبرز علماء الاقتصاد حول الحاجة إلى وضع النمو الاقتصادي في إطاره البيئي السليم؛ في ظهور حركات عالمية قوية تطالب بعولمة بديلة وبنظام اقتصادي يقوم على التضامن والعدالة الاجتماعية؛ في صحوة روحية كاسحة تتجسد بـ"غزو" الفلسفات الروحية الشرقية، البوذية والتاوية والفيديوية والصوفية الإسلامية واليهودية، لمساحات شاسعة من الحضارة والفكر الغربيين. وبالطبع، في بروز قوة الحركات البيئية في كل أنحاء العالم.
ما هو مطلوب لتحويل هذه الثورات المتفرقة إلى ثورة كبرى واحدة، هو مبادرة تاريخية توحّد صفوف القوى المنتمية إليها في إطار نظرية شاملة واحدة، وتخلق منها قوة سياسية - استراتيجية تقوم بتأسيس موازين قوى جديدة في العالم بين ما يسميه معلوف رؤيتين للعالم:
1-  رؤية بشرية موزعة بين قبائل عالمية تتقاتل وتتبادل البغضاء، لكنها بفعل العولمة تتغذى أكثر فأكثر يومياً بحساء ثقافي واحد غير متمايز.2
- رؤية بشرية مدركة لمصيرها المشترك، ومجتمعة بالتالي حول قيم أساسية واحدة، إلا أنها تثابر أكثر من أي وقت مضى على تنمية التعابير الثقافية الأكثر تنوعاً والأكثر غزارة، محافظة على كل لغاتها وتقاليدها الفنية وتقنياتها وحساسيتها وذاكرتها ومعرفتها. فهناك من جهة، إذاَ، حضارات عدة تتجابه إلا أنها على الصعيد الثقافي تتحاكى وتتنمط، ومن جهة أخرى حضارة إنسانية واحدة إلا أنها تنتشر عبر تنوع لانهاية له. واختيار السيناريو الثاني يتطلب منا صحوة تاريخية شاملة.
لكن، هل نحن مستعدون لمثل هذه الصحوة؟
هذا لم يعد خياراً بل ضرورة الآن، بعد أن باتت المغامرة البشرية تقف على مفترق طرق نهائي يقودها إما إلى الهاوية والنهايات الانقراضية، أو إلى السمو والترقي المستندين إلى الحكمة والتوازن.

سعد
( *)أمين معلوف: اختلال العالم (دار الفارابي- الطبعة الأولى، 2009- ترجمة ميشال كرم)



الأربعاء، 19 ديسمبر 2012

زيارة ثانية لكتاب أـمين معلوف: "إختلال العالم"





أي قراءة ثانية لكتاب أمين معلوف ما قبل الأخير "اختلال العالم"(*)، تكشف فوراً عن الطاقة الروحية- الأخلاقية العميقة التي يتسم بها هذا الكاتب المجلّي، والتي وسمت كل انتاجه الفكري على مدى السنوات.
فهو يتحدث عن المشروع البشري، أو مايسميه هو "المغامرة البشرية"، بعاطفة مشبوبة، وإيمان عميق بهذه التجربة البروميثوسية:


 "أنا لازلت مفتوناً بالمغامرة البشرية، فأنا أحب هذه المغامرة وأقدسها ولست مستعداً لمبادلتها بحياة الملائكة أو البهائم، مهما كان الثمن. نحن أبناء بروميثوس المؤتمنون على الخلق والمكملون له. وقد شرعنا نعيد قولبة الكون".
لكنه في الوقت نفسه يشعر بالقلق العميق من الشق الثاني من المغامرة الإنسانية: الجنون الذي قد يدفع هذا المشروع إلى الانتحار، كما يدفع الجنس البشري نفسه إلى الانقراض.
آثار أقدام هذا الجنون مبثوثة في كل مكان:
-  في "اختلالات العالم" الفكرية والمالية والمناخية والجيو- سياسية والأخلاقية، التي دفعت جنسنا البشري إلى عتبة قصوره الخلقي.
- في صعود التعصب والعنف والنبذ واليأس في مجال الأديان والهويات القاتلة، في القرن الحادي والعشرين، ما جعل المركب البشري يهيم على وجهه من دون طريق ولامقصد ولارؤية ولابوصلة في بحر هائج، الأمر الذي حوّل البشر إلى مايسميه معلوف "قبائل الكرة الأرضية".
- في وصول كل الحضارات إلى حدودها، حيث لم تعد تجلب للعالم سوى تشنجاتها المدمرة بعد أن أفلست أخلاقيا. وقد حان الوقت للارتقاء فوقها في إطار حضارة جديدة مشتركة، وإلا سنغرق جميعاً في بربرية مشتركة سببها "الانانية المقدسة للأمم".
- في التطورات الخطيرة التي تطرأ على مناخ الأرض، والتي باتت تتطلب تضحيات بشرية كبرى وحركة تضامنية عميقة على مستوى الكرة الأرضية، إذا ما أريد انقاذ البشر من الانقراض.
- في الهوة المتزايدة بين تقدمنا المادي السريع وبين تقدمنا الأخلاقي البطيء.
-  في غياب شرعية السلطة العالمية، خاصة من جانب القوة العظمى المحلية: أميركا.
كيف السبيل، برأي أمين معلوف، لدرء هذا الجنون الانتحاري؟.

(غدا نتابع)
( *)أمين معلوف: اختلال العالم (دار الفارابي- الطبعة الأولى، 2009- ترجمة ميشال كرم)
سعد

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2012

سورية: سيطرة الجهاديين خط أحمر دولي




- I -
تساءلنا بالأمس: لمن سيكون الفوز في الصراع على السلطة بين أطياف الإسلام السياسي في سورية، غداة سقوط نظام الأسد.

جبهة النصرة: الخط الأحمر- الصورة من غوغل-

الجواب على هذا السؤال سيعتمد على أحد احتمالين إثنين:
الأول، ما إذا كان كبار الضباط العلويين، أو بعضهم، سيقاتلون أم لا حتى الرمق الأخير مع عائلة الأسد. فإذا ما كان هذا هو الخيار، فإن الحرب الأهلية ستطول حتى ولو سقطت دمشق في أيدي الثوار، لأن قوات النظام ستتراجع إلى الساحل والجبال العلوية وتعلن من هناك أنها لاتزال الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري. وحينها ستشهد الفصائل الجهادية تصاعدا فلكياً في شعبيتها السنّية الطائفية، خاصة إذا اتخذ الصراع، كما هو متوقع، شكل التطهير العرقي أو حتى الإبادة الجماعية بين السنّة والعلويين.
وهذا أمر سيكون محتم الحدوث إذا ما دعمت روسيا وإيران وحزب الله هذا الخيار.
والاحتمال الثاني أن تتوصل روسيا وأميركا إلى صفقة لفرض كوندومينيوم (حكم مشترك) في سورية، تكون حصيلته على الأرض منح الجيش السوري الذي لايزال معظمه متماسكاً (وإن شكلياً وبحكم الضرورة أو الخوف) دور الإشراف على المرحلة الانتقالية. وهذا أمر بات وارداً الأن بعد أن أعلنت واشنطن عزمها على"شن الحرب" على الجهاديين السوريين، الأمر الذي يرضي كثيراً موسكو المتوجسة من تأثير الصعود الإسلامي على آسيا الوسطى وشمال القوقاز.
في مثل هذا السيناريو، سيتم تجنّب كلٍ من سيطرة الجهاديين على "المنطقة الآمنة" في شمال البلاد الاستراتيجي، وستعطى فرصة للوطنيين السوريين كي يعيدوا لم شعث وطنهم الممزق.
- II -
أي السيناريوهين سيكون الأقرب إلى التحقق؟
من الصعب الإجابة على هذا السؤال قبل أن يتضح الموقف الروسي الذي لايزال غامضاً ومتقلباً إلى حد كبير، حيث يبدو الرئيس بوتين مًتنازعاً بين حساباته القومية المحلية التي تدعوه إلى البقاء إلى جانب الأسد ولو فقد هذا الأخير السيطرة على ثلاثة أرباع سورية لكي يتسنى له القول أنه لم يستسلم للغرب القوي، وبين حساباته الدولية البراغماتية التي قد تمكّنه من إيرام صفقة "إعادة تنظيم" ( Reset) ثانية مع إدارة أوباما.
لكن، في انتظار جلاء الموقف الروسي، يمكن الجزم بأن كل الدول الإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوري (بما في ذلك إيران وإسرائيل) لن تسمح للجهاديين أو الإسلاميين المتطرفين بأن يسيطروا على سورية.  فهذا خط أحمر ممنوع تجاوزه.
وهنا، ومن هذه النقطة الأخيرة بالذات، قد تولد المؤشرات الأولى على حل سياسي ما في سورية. ذلك أن اتفاق القوى الدولية على منع الأصوليين من السيطرة على السلطة في البلاد (بما قد يعينه ذلك من خطر على الأمن الإسرائيلي والاستقرار الإقليمي وحتى الدولي)، قد يفسح في المجال أمام بلورة حل سياسي، أو حل وسط بين هدفن متناقضين في الساحة الدولية- الإقليمية: اسقاط النظام أو الإبقاء عليه.
فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري، ألمح في مقابلة مع صحيفة "الأخبار" اللبنانية إلى هذا الاحتمال، حين أكد على ضرورة إيجاد حل "من خلال تسوية تاريخية سورية تشمل الدول الإقليمية الأساسية ودول أعضاء في مجلس الأمن"؛ وحين شدد على أنه لا المعارضة ولا النظام قادران على حسم الوضع عسكرياً لصالح أي منهما.
هذا في حين كان زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله يدلي بموقف مفاجيء تضمّن تحذير تنظيم القاعدة من أن "الأميركيين والأوروبيين وبعض الحكومات في العالم العربي والإسلامي، نصبت له كميناً في سورية سيدفع ثمنه".
فهل ثمة رابط ما بين دعوة الشرع إلى "تسوية تاريخية" محلية- دولية- إقليمية، وبين تحذير نصر الله للقوى الجهادية من "الكمين"؟
- III -

حتما. وهو يعزز الفرضية التي أشرنا إليها في السطور السابقة من أن بدايات الحل في سورية، قد تنطلق من الرفض الدولي والإقليمي لصعود نجم الأصوليين الجهاديين في بلاد الشام.
وفي حال حدث ذلك، سيكون هذا أيضاً على حساب "الأصوليين العلويين" في الجيش وأجهزة الأمن، الذين لازالوا يتمسكون بالخيار الأمني- العسكري على رغم تأكد فشله.
لكن، وحتى لو بدأت تلوح بعض بشائر هذا الحل، فلن تكون ولادة سورية الجديدة أمراً يسيراً، بعد أن دمّر النظام معظم البلاد، ومزّق قسماً كبيراً من نسيجها الوطني، مُعمِّماً كارثة حماه العام 1982، بكل آلامها وضغائنها، على مجمل بلاد الشام.

سعد



الاثنين، 17 ديسمبر 2012

أي سورية ستولد من "فوضى" الإسلام السياسي؟



- I -
أي سورية جديدة ستولد من رحم الأتون الدموي الراهن؟
هذا السؤال قد لايكون مطروحاً هذه الأيام على فصائل المعارضة السورية المختلفة، علناً على الأقل، طالما أن نظام الأسد لايزال متمرساً في دمشق (على رغم أن كبار أركانه بدأوا ينتقلون إلى طرطوس وجبال العلويين)، وطالما أـنه لايزال يملك التفوق في أسلحة الجو والصواريخ وأدوات الفتك الكيمائي.
الدليل على عدم انشغال فصائل المعارضة العلني بسؤال الولادة الجديدة بسبب انهماكها في ترتيب جنازة نظام الأسد، كان رد فعلها المفاجيء على تنصيف واشنطن لجبهة النصرة المتطرفة في خانة الإرهاب. إذ على رغم أن الإئتلاف الوطني المعارض، الذي نال مؤخراً اعتراف 120 دولة به، ينظر بعين القلق الشديد إلى هذا التنظيم السلفي الجهادي الذي لم يخف رفضه القاطع لأي برنامج وطني لاديني في سورية، إلا أنه ندد بالخطوة الأميركية ودافع عن دور النصرة القتالي. وقد عنى ذلك أن الإئتلاف غلّب ضرورات إسقاط نظام الأسد على محظورات التعاون مع تنظيم مدان دوليا، ومرفوض من قِبَل كل أطياف الإسلام المعتدل.
- II -
بيد أن هذا الموقف "التأجيلي"  المؤقت إذا جاز التعبير، حيال مستقبل سورية، لايلغي الحقيقة بأنه مع كل حديث أميركي وأطلسي وأوروبي (ومؤخراً روسي) عن قرب سقوط النظام واقتراب المعارضة المسلحة من النصر، تتصاعد الضغوط الدولية والإقليمية من كل الأنواع للتأثير على حصيلة الحرب الأهلية الراهنة في بلاد الأمويين. وهذا بالطبع له تأثير كبير على التفاعلات الداخلية السورية.
فعلى سبيل المثال، كل من قطر والسعودية وتركيا (ويقال أيضاً إسرائيل) تدعم أطرافاً سياسية ومسلحة ومتباينة إيديولوجياً في المعارضة السورية في الداخل كما في الخارج.
كتبت مجلة التايم مؤخرا:" الفوضى واللاثقة تبتليان أثنان من الأسياد الدوليين للمتمردين السوريين وهما السعودية وقطر اللتين لم تعودا تقرءان من الصفحة نفسها حين يتعلق الأمر بتحديد مَنْ مِنَ المجموعات المسلحة التي تنبت كالفطر يجب تسليحها. وهكذا، هما تدعمان وتمولان الآن فصائل متعارضة للغاية".
وما يحدث خليجياً في سورية، يتكرر بحذافيره أيضاً أوروبيا وأميركيا، حيث تدعم واشنطن وبروكسل فصائل بعينها، مثل الأئتلاف الوطني وبعض الأجنحة العلمانية أو الوطنية في الجيش الحر، وتضغط على الخليجيين لوقف دعم الفصائل الجهادية أو المتطرفة.
بيد أن اليد العليا في الداخل تبدو أكثر فأكثر للفصائل التي تتبنى شعارات الأسلام السياسي، خاصة وأن التمويل والتسليح الخارجيين (من دول الخليج) بات مشروطاً بتقديم هذه الفصائل "أوراق اعتماد" دينية من هذا النوع. هذا في حين أن الفصائل الوطنية داخل الجيش الحر، والتي أنشق معظمها عن الجيش الرسمي، تبدو "فقيرة" مالياً وتسليحاً بالمقارنة مع الكتائب الإسلامية.
هذا الواقع تجلى بوضوح الشهر الماضي حين سيطرت المنظمات الإسلامية بالكامل تقريباً على الشمال السوري، ثم سارعت بعد ذلك إلى توحيد صفوفها. فبعد أكثر من شهر من الاجتماعات السرية، توصّل قادة المقاتلين الإسلاميين (بما في ذلك لواء الفاروق الشهير والقوي الذي يعمل أساساً في محافظة حمص، ولواء صقور الشام في إدلب) إلى تشكيل جبهة أطلقوا عليها اسم "جبهة تحرير سورية" بقيادة "أبو عيسى" الذي قال:" إننا فخورون بإسلاميتنا وبأننا إسلاميون. إننا نريد دولة ذات مرجعية إسلامية".
إلى هذه الجبهة الجديدة يجب أن تضاف جبهة النصرة، وهي النجم الصاعد في الانتفاضة السورية، والمسؤولة عن معظم العمليات الانتحارية. وعلى رغم أن للجبهة روابط مع تنظيم القاعدة، إلا أنها سورية المنشأ والمنبت. ثم أنها تُزاوج بين الإديولوجيا السلفية المتصلبة وبين المرونة البراغماتية عبر العمل المشترك مع فصائل أخرى. وهذا مابدأ يعطيها وجوداً ونفوذاً في بعض أوساط المواطنين السوريين.
وثمة منظمات سلفية شبيهة بجبهة النصرة، لكنها أقل منها نفوذاً ونشاطا، وهي فتح الإسلام، وكتائب عبد الله عزام، والقاعدة في العراق. كما هناك منظمات تنتمي إلى الإسلام السياسي مثل "صقور الشام" وكتائب الأمة. أما كتائب "أحرار الشام" فهي تتأجح بين السلفية وبين تيار الإسلام السياسي.
- III -

كل هذه الفصائل، ومعها عدد كبير من الكتائب المسلحة التي يقال أن عددها يناهز الـ400، سيكون معظمها في حالة حرب مع بضعها البعض حال سقوط نظام الأسد،( أو على الأقل إذا ماانسحب إلى القلعة العلوية)، للسيطرة على السلطة الجديدة في دمشق.
فلمن سيُكتب الفوز؟

(غدا نتابع)
سعد

الأحد، 16 ديسمبر 2012

كتابان أميركيان يحذّران من مخاطر إستبداد الأقلية الغنية بالعالم

مطالعات

 


هل ضلت الولايات المتحدة طريقها؟

لماذا أضاعت اميركا المتفوقة البوصلة؟- الرسمة من غوغل- 



- I -



طيلة السنوات الأربع التي تلت أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، كان السؤال الذي ركز عليه كبار الأكاديميين الاميركيين ( وفي مقدمهم المؤرخ برنارد لويس ) هو : ماذا حدث خطأ في الحضارة والعالم الأسلاميين.

بالطبع، السؤال لم يكن بريئاً. وهو إستهدف القول أن مشكلة تفجر العالم الأسلامي،  سببها هذا العالم نفسه وليس السياسات الاميركية  حياله. المشكلة، بكلمات اوضح،  في الداخل الأسلامي وليس في الخارج الغربي.

لكن يبدو أن التاريخ أراد ان يلعب لعبته الساخرة مجدداً. فما هي إلا أشهر قليلة على شعار " ماذا حدث خطأ في   العالم الأسلامي" ، حتى برز شعار مماثل : ما حدث ويحدث خطأ في اميركا نفسها‍. وهذا على كل  الصعد الأقتصادية والأيديولوجية والسياسية والأخلاقية‍ ‍!

لكن، لماذا وكيف؟

بين أيدينا كتابين يقدمان خريطة طريق تقود إلى بعض الأجابات.

الكتاب الاول لبول كروغمان ( 1 ). وهو يعالج مسألة أساسية هي أنّ التفاؤل المفرط الذي ساد الولايات المتحدة في أواخر التسعينيات، قد حلّ محلّه تشاؤم مفرط نتيجة "للزعامة الرديئة التي تفتقر الى الصدقية، خصوصا في القطاع الخاص و في أروقة النفوذ السياسي".

و يعزو المؤلف هذا المأزق الى المشكلات التي انهمرت على ادارة الرئيس بوش السابقة التي كانت تعتبر نفسها قوة ثورية لا يقبل قادتها الخضوع لشرعية النظام السياسي القائم في الولايات المتحدة. أنّهم متطرفون يتنكرون بثياب الاعتدال. و لذلك يحلل المؤلف نوازعهم على مستوى القضايا الرئيسية التي يعالجونها، خصوصا مسألة الضرائب و خطط الضمان الاجتماعي، التي تقوم، في رأيه، على "معادلات حسابية مزيفة".
وعلى الرغم من كون بول كراغمان كاتباً إقتصادياً محترفاً و ذائع الصيت، غير أنّه يعّول في الكتاب الذي بين أيدينا، على لغة الأرقام أكثر من التحليلات السياسية و التصورات الاجتماعية،  و ذلك لكشف ما يصفه بـ " لارتكابات "  التي تقوم بها الشركات  الضخمة وأيضا  لكشف  أسباب صعود و هبوط أسعار الأسهم، و تفحّص الثغرات في الموازنة الفيدرالية ومستقبل الضمان الاجتماعي الذي سرعان ما تحول الفائض فيه الى عجز لافت للنظر.
 كما ينحو الكاتب  باللائمة على الوسائط الاعلامية المختلفة لافتقارها الى التشكك المهني المطلوب ازاء معالجة مختلف القضايا الجوهرية، ولفشلها في توخي الدقة حيال القضايا الاقتصادية و التجارية. و في أيّ حال، يقارب كراغمان هذه المروحة الواسعة من أكثر القضايا حساسية في الداخل الأميركي على نحو من توفير الشواهد و الدلائل،  لتعزيز تصوراته حول الفساد المعشش في مجالات الاقتصاد و السياسة و التجارة.
و لكون الكاتب واحدا من أكثر الاقتصاديين أهمية في الولايات المتحدة و أوروبا و العالم، ناهيك بالصدقية العالية التي يتمتع بها في الأوساط الأكاديمية في بلده، فقد حقق مؤلفه انتشارا واسعا متجاوزا بذلك سلسلة الكتب التي تناولت الفضائح السياسية لادارة الرئيس بوش التي صدرت في الأشهر الاثني عشر الأخيرة و كان لها وقع الزلزال في أوساط النخب الفكرية في الولايات المتحدة. و هو لا يتجاهل أيّا من الفضائح الكبرى التي أثارت لغطا واسعا، منذ أن تولى بوش سدة الرئاسة في العام ۲۰۰۰، و على رأسها الكواليس السرية لأزمة الطاقة في كاليفورنيا، وصولا الى  الكشف عن سوء الائتمان السياسي و الأخلاقي لادارة الرئيس بوش و تورط هذا الأخير و المحسوبين عليه، و خصوصا نائبه ديك تشيني في فضائح مالية مع شركات ضخمة من بينها "هاليبورتن".
- II -
و المهم، في هذا السياق، انّ كراغمان لا يتردد أبدا في التأكيد على أنّ الولايات المتحدة، ضلت طريقها الأخلاقي و أساءت الى الأجيال التي ترى فيها قدوة لها. كما يرسم في كتابه ما يسمّى بخارطة طريق تحتاج اليها السلطة السياسية في واشنطن والرقابة المالية على الشركات الكبرى لاستعادة الولايات المتحدة الى الطريق القويم. و يستدل على ذلك بالقول انّ ثمة ما يدعو الى الاعتقاد انّ هيمنة الشركات العملاقة على آلية الأسواق في الولايات المتحدة قد تجاوزت كل الخطوط الحمر و الخضر، الى درجة انّ هذه الأخيرة أصبحت شبيهة بالشرنقة السوفياتية التي كان ينسجها الحزب الشيوعي الحاكم في الكرملين.
و يأسف الكاتب لانّ الأميركيين لا يزالون موقنين بانّ زعمائهم في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، هم أصحاب رؤية و مبادئ. و هم ليسوا كذلك في حقيقة الأمر.
- III -


الكتاب الثاني هو ايمي تشوا ( 2 ) .
 تتساءل الكاتبة في مطلع الكتاب عمّا اذا كان يحقّ لأميركيين كثر أن يعتبروا انّ اطلاق الحوافز للأسواق في ظل من التوافق العالمي على حرية التجارة و الاستثمار، من شأنه أن يسفر عن تحسن جذري للأوضاع الاقتصادية على الساحة الدولية، وعن إنسجام داخلي في كل من الدول التي تعتمد هذه النظرية الاقتصادية، و تعاون واسع بين الديمقراطيات، قديمها و الجديد ؟
و تجيب  عن هذا التساؤل بسؤال آخر، مغزاه أنّه هل تؤدي الأسواق المفتوحة و الحوافز الشعبية، على هذا الصعيد، الى حركة ارتجاعية يمكن استخدامها لتبرير التسلط من قبل قلةّ متنفذة؟ و تضيف أنّ الأسواق المفتوحة واسعة النطاق، في حال جرى تقديمها، على نحو طائش و عشوائي، كما هو الحال في معظم الأحيان، قد تشكل سببا يبعث على تفاقم الكراهية بين مختلف الجماعات، اضافة الى العنف المذهبي و العرقي في العالم الذي يقع خارج دائرة الديمقراطيات الغربية.
و تؤكد الباحثة أنّه في خضم السعي الى تبني مفهوم ديمقراطية الأسواق الحرة بوجود أقلية تهيمن على الأسواق، فانّ النتيجة المتوقعة، على الأرجح، في هذا المجال، تتمثل في حركة ارتجاعية لا محالة. و تتجسد هذه الأخيرة في واحد من أشكال ثلاثة: أولها نزعة عنيفة ضد الأسواق تستهدف، بالدرجة الأولى، ثروات الأقلية المهيمنة. و ثانيها ردة عنيفة ضد الديمقراطية يقوم بها أولئك المستفيدون من هيمنة الأقلية على الأسواق المفتوحة. و ثالثها، نشوء العنف الذي يتخذ أحيانا شكل الابادة الجماعية، و هو موجه، على نحو رئيسي، ضد الأقلية المهيمنة على اقتصاد الأسواق المفتوحة.
و في أيّ حال، تجتهد هذه الدراسة لاضاءة جوانب واسعة من النماذج العالمية على مستوى ممارسة العنف من دون أيّ محاولة للتقليل من أهميتها أو تبسيطها بشكل يدعو الى الابتزال. ولذلك، تسعى الكاتبة الى الكشف، بجرأة كبيرة تثير الدهشة، عن المرتكزات الاثنية للسياسة الدولية، توصلا الى التعبير عن قناعة تشير الى أنّ الاستراتيجيين الاميركيين الذين يخططون، على مستوى العالم ككل، و نظرائهم الذين يناقضون هذه التوجهات الكونية، يتغافلون عن الأبعاد الاثنية للتفاوت الواسع في الأسواق التجارية المفتوحة في العالم، و يركزون انتباههم فقط على الصراع القائم بين الطبقات الاجتماعية أكثر منه الصراع بين الاثنيات.
و مهما يكن، فانّ الكتاب لن يكون مستساغا من قبل أولئك الذين يرغبون في اقامة أنواع من الأسواق المفتوحة على طريقة الديموقراطية الأميركية. ذلك انّ المؤلفة تحاول أن تضع ضوابط أو حدودا لنقاش كهذا يقوم على اظهار التأثيرات الجانبية الضارة لعملية تحرير الأنظمة الاقتصادية و تطوير الأنظمة السياسية في اتجاه الابتعاد عن حكم الفرد. و هي تدعو، في هذا الاطار، الى دق ناقوس الخطر نتيجة للأبعاد المأسوية أو المدمرة التي قد تنتج عن تغيير طبيعة هذه الأنظمة الاقتصادية على طريقة الليبيرالية الأميركية، ما لم يجر ارشادها أو استيعابها، أو على الأقل، التمهيد لهذه النقلة النوعية بكثير من الحذر و الشفافية، خوفا من أن تتحول هذه المجتمعات فعلا الى جحيم قد تمتد نيرانه على الساحة الدولية برمتها.

التوازن

 تقترح الكاتبة، على هذا الصعيد، البدء بمعالجة هذه القضية باقامة نوع من التوازن بين الأقلية المهيمنة على اقتصاد السوق المفتوح في بلد ما، و الأكثرية المهمشة بالفقر و الحرمان و القمع السياسي و الاقتصادي. اضافة الى تشجيع الديمقراطيات الليبيرالية أكثر منه غير الليبيرالية، و تحفيز الأقليات المهيمنة على الأسواق الى اتخاذ مبادرات استباقية للحيلولة دون قيام الأكثرية المهمشة بحركات ارتجاعية تنطوي على توجهات اثنية و قومية عشوائية في دلالاتها العنيفة.
و على الرغم من ذلك، لا تزعم الكاتبة انّ هذه المقترحات قد تكون حاسمة أو مرغوبا فيها من قبل كثيرين، أو ذات جدوى هامة بالنسبة الى آخرين. اذ قد يرى بعضهم عدم صوابية أيّ منها بسبب أو لأخر. و الأرجح أنّ الأصلح من بين هذه الاستراتيجيات، هي تلك المتعلقة بالتدخل الحكومي مدعوما من قبل الأكثرية المهمشة لاحداث توازن على صعيد الاخلال الاثني بتوزيع الثروة، و ذلك باعتماد برامج مماثلة لتلك المطبقة في الغرب الصناعي. و قد تبدو هذه الاستراتيجية فاعلة الى حد كبير و ذات جدوى اقتصادية و اجتماعية و سياسية، خصوصا في ظل حكومة تحظى بالأكثرية الشعبية. غير أنّ هذه الاستراتيجية قد تعتبر انتهاكا لتوقعات الأسواق المفتوحة، اضافة الى أنّها قد تهدد حرية الأفراد بما في ذلك حقوق الملكية الخاصة، أو حقوق الأقلية بمعنى أنّ الليبيرالية عادة ما ترتبط بحكم الأكثرية. و قد يكون حكم الرئيس الفنزويلي، هيوغو شافيز، مثالا حيا على الكيفية المستخدمة لتطبيق هذه الاستراتيجية.
و يبقى القول انّ المقترحات الفذة التي تقدمها الكاتبة ايمي تشوا، و هي الأستاذة في كلية الحقوق في جامعة يال الأميركية، قد تنطوي على بداية مشجعة و واعدة من خلال الاستراتيجيات المحفزة المتضمنة في هذه المقترحات. و مع ذلك فانّ الطريق، على هذا الصعيد، لا يزال طويلا و شاقا، و العلاجات لا تزال في شكلها الأولي في ظل زحف العولمة و اجتياحاتها التي تتجاوز المفاهيم السائدة و الاستعدادات الجاهزة. فهذه الأخيرة قد لا تتوقف كثيرا عند المخاطر التي تسببها الأقلية المهيمنة على الأكثرية و ما قد تسفر عنه هذه المعادلة المعقدة من صراعات اثنية و مذهبية قد تعيد بعض المجتمعات الى نقطة الصفر.

سعد
__________________________________________________


(1)  : الكشف الأكبر- ضللنا طريقنا في القرن الحادي و العشرين .
الكاتب: بول كراغمان . الناشر: W.W. Norton & Company 
( 2 ) الجحيم الكوني. ايمي تشوا . الناشر Doubleday

السبت، 15 ديسمبر 2012

سورية دخلت مرحلة "اليوم التالي" لما بعد الأسد





- I -
ليس من المبالغة في شيء القول أن مرحلة مابعد الأسد في سورية بدأت بالفعل. والمؤشرات على ذلك عديدة، دولياً ومحليا.
نقطة البداية، دولياً، كانت في واشنطن. ففي اللحظة التي اعترف بها الرئيس أوباما، "شخصيا"، بالائتلاف الوطني السوري المعارض كممثل شرعي للشعب السوري، انقلب الوضع الدولي رأساً على عقب.
إذ أنهى هذا الاعتراف عملياً دور مجلس الأمن الدولي في تقرير التدخل أو لا التدخل الدوليين في الأزمة السورية، بعد أن بات في وسع الولايات المتحدة، وفق مدرجات القانون الدولي، الحق بالتدخل بناء على طلب طرف شرعي تعترف به هو الإئتلاف الوطني. وهذه رسالة يبدو أن موسكو فهمتها سريعاً، كما سنرى بعد قليل.
ثم جاء اعتراف 114 دولة بالائتلاف الوطني خلال مؤتمر أصدقاء سورية في المغرب قبل أيام، ليستكمل عملياً إسقاط الشرعية الدولية بشكل شبه كامل عن نظام الأسد، وليفتح الباب على مصراعيه إما أمام تسوية دولية تحدث اليوم لا غدا، أو أمام انتصار كامل للمعارضة السورية بدعم كاسح من المجتمع الدولي.
- II -
جرس انذار
كل هذه التطورات، خاصة منها خطوة أوباما، كانت بمثابة جرس انذار قوي بالنسبة إلى موسكو. ويبدو أنه هو الذي حثّها على الاعتراف للمرة الأولى بأن "انتصار المعارضة السورية ممكن، وأن النظام السوري يخسر بشكل متزايد سيطرته على الجغرافيا السورية".
لكن، هل يعني ذلك أن موسكو باتت مستعدة للتخلي عن نظام الأسد، أو على الأقل للسعي إلى  إبرام تسوية مع واشنطن حول نظام ما بعد الأسد؟
الولايات المتحدة، من جهتها، تبدو أكثر من مستعدة لأبرام مثل هذه الصفقة مع روسيا. وهي لم تدعُها علناً إلى ذلك وحسب، بل قدّمت لها ضمناً أيضاً عرضاً مغرياً يهم كثيراً استراتيجية الأمن القومي الروسي في مثلث الشرق الأوسط- آسيا الوسطى- القوقاز: العمل معاً لمنع الأصوليين الإسلاميين من الوصول إلى السلطة في دمشق. ومعروف هنا أن أحد الأسباب الرئيسة لدعم موسكو للأسد بكل قوتها، هو أنها تخشى بروز مايسميه الروس "الخلافة الإسلامية الجديدة" في الشرق الأوسط التي قد تلعب دوراً خطيراً ضد مصالحهم في آسيا الوسطى وشمال القوقاز.
العرض الأميركي جاء في صيغة وضع جبهة النصرة الإسلامية السورية المتطرفة على لائحة الإرهاب، مشفوعاً برسائل في كل الاتجاهات بأنها لن تقبل أي دور للجماعات الجهادية المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة في سورية الغد.
موسكو لاشك ستفهم هذه الرسالة على ماهي عليه حقا: أي أنها بمثابة دعوة من واشنطن لكي تنضم إليها في الجهود لتشكيل البديل السوري بشكل مشترك. لكن، هل هذا سيكون كافياً كي ينقلب الموقف الروسي من النظام السوري رأساً على عقب؟
فللنتظر قليلا لنر. إذ أن بعض المحللين الروس، وفي مقدمهم جيورجي ميرسكي، الخبير بشؤون الشرق الأوسط في مؤسسة  موسكو للاقتصاد والعلاقات الدولية، يعتقدون ان موسكو لن تغيِّر موقفها حتى لو تأكدت بأن الأسد سيسقط. لماذا؟ لاعتبارات محلية روسية يوضحها ميرسكي كالتالي:
" إذا ماخسر الأسد السلطة في المعركة، فسيكون في وسع الرئيس بوتين حينها أن يقول: حسنا، لقد حاولنا، لكننا لم نكن أقوياء بما فيه الكفاية لإلحاق الهزيمة بالغرب. لكن، إذا مابدا بوتين أنه يسلِّم رأس الأسد، فسيبدو حينها خاسرا. وهو لايستطيع أن يبدو خاسرا".
- III -

محصلات خطيرة
منطق غريب؟
حتما. لابل هو يبدو منطقاً "لاسياسيا" أو منافياً لمفاهيم السياسة التي هي ممارسة فن الممكن.
لكن، وفي حال صحّت توقعات ميرسكي، فإنها ستسفر عن محصلات خطيرة، لأنها ستعني أن موسكو قد تواصل تشجيع نظام الأسد على مواصلة الصلف والتصلب، وربما تدعم أيضاً تراجعه إلى المناطق العلوية على الساحل الذي مافقد السيطرة على دمشق، الأمر الذي سيطيل أمد الحرب السورية المُدمِّرة.
بيد أن هذا في الواقع لن يغيّر المحصلات المتوقعة للصراع، وهذا باعتراف نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف نفسه، الذي أكد قبل يومين أن المعارضة السورية باتت قادرة بالفعل على حسم الصراع لصالحها من دون دعم خارجي (عدا تزويدها بالأسلحة المتطورة المضادة للطائرات والدروع).
فقد دلّت الانجازات العسكرية الأخيرة التي حققتها المعارضة، من اجتياح العديد من القواعد العسكرية المهمة والاستراتيجية في الشمال والشرق، إلى تزنير دمشق بحزام من نار عبر السيطرة على الضواحي وإغلاق مطار دمشق تمهيداً على الأرجح لمعركة الحسم في العاصمة، أن النظام فقد بالفعل المبادرة القتالية. وهذا ما يدفعه إلى تحريك الأسلحة الكيمائية (سواء للتهديد بها أو حتى لاستخدامها كملاذ أخير) وإلى إطلاق صواريخ بالستية من نوع سكود. (وهو أمر يحدث للمرة الأولى في الحروب الاهلية).
وإذا ما استمر الوضع على النحو من التدهور بالنسبة إلى النظام السوري، فقد تتحقق توقعات معاذ الخطيب رئيس الإئتلاف الوطني حول احتمال "انفجار النظام السوري من داخله"، أو سحب قواته إلى الساحل لخوض معركة طويلة الأمد تدمَّر ماتبقى من الوطن السوري.
أما السؤال حول أي من الخيارين ستقع عليه القرعة، فهذا منوط بالطائفة العلوية (وبخاصة المجلس العسكري فيها الذي يعتقد أنه يضم 60 ضابطاً كبيرا) التي عليها أن تقرر سريعاً ما إذا كانت ستواصل الوقوف وراء عائلة الأسد لتغرق معها في بحر من الدماء، أو أن تكون طرفاً مشاركاً في بناء سورية جديدة.
لكن، وكيفما جرت الأمور، بات واضحاً أن اللاعبين الأساسيين في الأزمة السورية تجاوزوا بالفعل عتبة الحديث عن ضرورة إسقاط نظام الأسد، وبدأوا التحضير لـ"اليوم الذي سيلي" هذا السقوط. وهذا يشمل عشرات آلاف المواطنين الروس الذين قد يغادرون سورية قريبا.

سعد