للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

إعادة إعمار سورية عبر استعادة الأموال الأسطورية لعائلة الأسد


أي نظام جديد في سورية سيكون قادراً على النهوض  بسورية واقتصادها مجدداً، إذا ما صادر وأمَّم أصول ومملكات عائلة الأسد الممتدة في داخل البلاد (نحو 80 % من الاقتصاد)، وطارد أموالها الأسطورية في الخارج.

I
أول سؤال يتبادر إلى ذهن كل مايرى مشاهد "الدمار الشامل" الذي يمارسه النظام السوري ضد مدن وقرى  ودساكر بأسرها هو: من أين ستتحصّل سورية على عشرات، بل ربما مئات، مليارات الدولارات للقيام بإعادة الإعمار والنهوض مجددا؟
هذا السؤال قد يبدو في غير أوانه، طالما أن آلة الدمار العسكرية غير المسبوقة في التاريخ، القديم منه والحديث، لاتزال تعيث فساداً وتخريباً في معظم أرجاء الأراضي السورية الشاسعة.
لكن، الأمر ليس على هذا النحو لثلاثة أسباب:
 الأول، أن نظام الأسد آيل إلى السقوط لامحالة، بعد أن تساقطت كل أوراق اعتماده القومية العربية والوطنية السورية والتعددية العلمانية، وبات العنف العاري هو وسيلته الوحيدة (والمستحيلة) للحفاظ على السلطة. وبالتالي، لا بد من وضع خطط إعادة الإعمار من الآن، كي لاتجد سورية نفسها تخرج من أتون الحرب الأهلية لتسقط في لجج الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
والثاني، أن المعارضة في حاجة ماسة إلى أن تطرح على السوريين نظاما إقتتصادياً بديلاً عن نظام الأسد المستتند إلى سيطرة عائلة ممتدة واحدة على معظم مقدرات البلاد، عبر الرشى والفساد والاحتكارات والتهريب، فضلاً عن سيطرة أجهزة المخابرات على كل شاردة وواردة في قطاعات الاقتصاد السوري.
لكن، من أين يمكن ان تحصل سورية مابعد الأسد على الأموال الضخمة الضرورية لإعادة الإقلاع الاقتصادي وهي لاتحو، كما ليبيا والعراق، على موارد نفطية ضخمة، ولاصناديق سيادة استثمارية؟
II
العديد من الدراسات الدولية، وكان آخرها تقرير مشترك لمؤسستي "ليغاتوم" البريطانية و"معهد فاعلية الدولة" الأميركي، لاترى الحل إلا بإنشاء صندوق استئمان دولي لإعادة إعمار سورية، شبيه بالصناديق العديدة التي انشئت لدول في أميركا اللاتنينية ويوغوسلافيا السابقة في مرحلة مابعد الصراع.
بالطبع، الدعم الدولي لامناص منه. لكن قبل ذلك، وفي إطار إعادة ترتيب البيت الاقتصادي السوري، سنتعثّر على مورد ضخم يتعين العمل من الآن على توفيره: ثروات عائلة الأسد الممتدة التي تشمل عائلة مخلوف وباقي العائلات والأقارب التي تدور في فلكها، بما في ذلك نحو 80 عائلة تجارية سنّية في دمشق وحلب.
الرقم الدقيق لمقدار ثروات عائلة الأسد في الخارج مجهول، لكنه وفق كل المصادر والمعايير فلكي. وهنا نحن نتحدث عن نوعين من هذه الثروات: الأصول الثابتة في سورية، والأصول المالية والاسهم ومئات الشركات الوهمية في الخارج.
النوع الأول، كما يُجمع كل المحللين بلا استثناء، يشمل السيطرة العائلية على معظم الاقتصاد السوري. فصحيفة فايننشال تايمز الرزينة تؤكد أن رامي مخلوف وحده يملك 60 في المئة من إجمالي الاقتصاد السوري في كل مجالات الزراعة، والصناعة، والنقل على أنواعه، والاتصالات على أنواعها، والسياحة.. ألخ. وإذا ما أضيفت إليه العائلات الأخرى التي تدور في فلك الأسد، فسيكون في إمكاننا التحدث عن سيطرة العائلات الحاكمة على أكثر من 80 في المئة من الاقتصاد.
هذه الأصول كلها يجب أن تدخل في حسابات خطط إعادة الإعمار، عبر قيام النظام الجديد بمصادرتها، او تأميمها، أو على الأقل التدقيق في مدى قانونية الحصول عليها. وهذا سيوفّر موارد طائلة لهذه الخطة، ناهيك عن أنه سيخرج البلاد من لعنة "الاقتصاد الرمادي" (grey Economy )  (أي الخفي) الذي فرضه آل الأسد طيلة 40 عاماً، وينقلها إلى الاقتصاد الانتاجي والقانوني الحقيقي.
أما النوع الثاني من أصول آل الأسد، أي في الخارج والتي تصل إلى عشرات عشرات المليارات، وتشمل واردات النفظ السوري منذ 40 عاما التي لاتلحظ في الموازنة، فقد يكون استعادتها أكثر صعوبة بما لايقاس. لماذا ؟ لأن آل الأسد وزعوا معظمها خارج أوروبا وأميركا، في دول مثل روسيا، ودبي، ولبنان، والمغرب، وربما هونغ كونغ، فضلاً عن الملاذات الضريبية الآمنة في العالم. هذا إضافة إلى أن آل الأسد أسسوا مئات الشركات الوهمية في العالم لإخفاء ملكيتهم الحقيقية لهذه الأصول.
الأمر يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن الدولي لملاحقة هذه الأموال الطائلة، عبر إجبار الدول المذكورة على الكشف عن الحسابات السورية. ومع ذلك،  المهمة ليست مستحيلة، خاصة إذا ما شعر أرباب النظام بأن النهاية اقتربت، فيحاول كل منهم حينها أن يسترضي المجتمع الدولي للنفاد بجلده، عبر الوشاية عن "مخابىء" زملائه المالية.
ويقدِّر خبير مالي سوري أنه سيكون في الوسع استعادة عشرة مليارات دولار على الأقل، في "الوجبة الأولى" من عملية اصطياد ثروات العائلة.
III
مسألة إعادة إعمار سورية ومعها ثروات عائلة الأسد التي يجب استعادتها، إذا، يجب أن تكون على رأس أولويات المعارضة، ليس غدا بل اليوم والآن. وحين تطرح المعارضة خططها في هذا الشأن ستضرب ثلاثة عصافير في وقت واحد: الأول، إطلاع كل فئات الشعب السوري، وفي مقدمها الطائفة العلوية، على حقيقة السلب والنهب اللذين استند إليهما النظام على حساب جمهرة الفقراء والطبقة الوسطى، والثاني، جعل المواطنين يرون نهاية النفق، من خلال رسم مستقبل اقتصادي- اجتماعي إنتاجي وقانوني و"نظيف"، في إطار نظام ديمقراطي حر يسوده حكم القانون.
أما العصفور الثالث فهو فرص تهاوي التضامن الذي لايزال يشد أعضاء عائلة الأسد الممتدة إلى بعضها البعض، إذا ما شعر هؤلاء بأن المعارضة والمجتمع الدولي  سيكونان بالمرصاد الاقتصادي والمالي (وبالأرقام الموثّقة) لكل من يواصل دعم بقاء هذا النظام.
لقد سقط إلى الأبد العهد الذي كانت فيه سورية ملكية خاصةفعلاً وقولاً لعائلة الاسد الممتدة. بقي أن تتنشط المعارضة لمساءلة ومحاسبة هذه العائلة، ولتعيد سورية إلى كل السوريين,
سعد


الاثنين، 19 نوفمبر 2012

إسرائيل تقوٍّض نصف شرعية الربيع العربي؟



- I -
ضحايا الحرب الإسرائيلية الجديدة على غزة جلّهم من الأطفال الفلسطينيين.
لكن هناك طفل آخر قد يكون الضحية الكبرى غير المرئية مباشرة لهذه العربدة العسكرية الأسرائيلية الجديدة: الربيع العربي.
كيف؟ لماذا؟

نحو احباط قواعد وانصار الاخوان- الصورة من غوغل- 

لأن السلطات الجديدة التي انبثقت من هذا الربيع في مصر وتونس وليبيا واليمن، بنت نصف شرعيتها على وعد تلبية مطالب الحرية والديمقراطية والنهوض الاقتصادي- الاجتماعي لشعوبها، فيما كان متضمناً في النصف الثاني وعد آخر باستعادة المكانة الدولية والإقليمية (خاصة لمصر) وبنصرة الشعوب العربية المضطهدة الأخرى( خاصة الشعب الفلسطيني).
بيد أن الهجوم التدميري الإسرائيلي على القطاع، هزّ بعنف الشطر الثاني من الشرعية، على رغم الجهود الكبرى التي بذلتها سلطات الربيع العربي لانقاذ مايمكن انقاذه من هذه الشرعية، عبر إرسال الوفد تلو الوفد إلى غزة، وعبر البيانات القوية التي تشدد على أن القطاع" لن يُترك لوحده"، وعلى رغم الجهود الدبلوماسية التي بذلتها على مدار الساعة.
- II -
لكن إسرائيل كانت تعلم أفضل من ذلك. فهي كانت واثقة أن دولة الإخوان المسلمين في مصر، لن تستطيع دعم دولة الأخوان المسلمين في غزة بأكثر من الطائرات الورقية البلاغية، لأن أي خطوة تتخطى ذلك، على غرار التفكير بإلغاء معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية مثلاً، ستؤدي إلى  انطلاق ضوء أخضر أميركي إلى الجيش والمخابرات المصرية للانقضاض مجدداً على الأخوان وتدمير دولتهم بين ليلة وضحاها.
وبالطبع، حين يخيَّر إخوان مصر، وهم أرباب البراغماتية المتطرفة المشهورون، بين الحفاظ على سلطة سياسية لم يحلموا يوماً منذ تأسيس جماعتهم العام 1928 في الوصول إليها، وبين إنقاذ إخوانهم في غزة، لن يترددوا في اختيار السلطة.
صحيح أنهم يملأون الآن المنطقة ضجيجاً إعلامياً ودبلوماسياً دعماً لحركة حماس، لكن هذا لن يكون أكثر من ذلك: أي مجرد ضجيج. وهذا قد يؤسس لاحقاً  ليس فقط لعلاقات متوترة للغاية بين الإخوان المصريين والفلسطينيين تحرّكها الغرائز "تحت الإسلامية" الوطنية القوية والمنفصلة لدى كلا الطرفين، بل سيصيب أيضاً قواعد وأنصار الأخوان في مصر بإحباط وطني وقومي.
الإخوان المسلمون، الذين يعتبرهم بعض المحللين الورثة الشرعيين لمشروع القوميين العرب الوحدوي والنهضوي، سيجدون أنفسهم في الموقع نفسه الذي كان فيه هؤلاء القوميون حين كانوا في السلطة: لاهم قادرون على تحويل الأقوال التحريرية والاستقلالية العربية إلى أفعال، ولا في مستطاعهم التراجع عنها لأنها في أساس شرعيتهم الشعبية. وهذا، كما هو معروف، أدى إلى المأزق التاريخي للقوميين العرب الذي أسفر في نهاية المطاف عن انهيار مشروعهم الإقليمي (الرومانسي) برمته.
- III -
لقد أجمع معظم المحللين على أن إسرائيل أرادت، من ضمن ما أرادت، من وراء حرب غزة-2، اختبار سلطات الربيع العربي الجديدة، خاصة في مصر. لكننا نعتقد أن إسرائيل لم تكن في حاجة إلى مثل هذا الاختبار لأنها كانت تعي أنه ليس في مقدور هذه السلطات، كما ألمعنا، القيام بأي خطوات عملية لردعها، وبالتالي فهي أرادت أن تدشّن عملية تآكل شرعية هذه الأنظمة الجديدة، جنباً إلى جنب مع إبلاغ العالم بأنها لاتزال مركز الشرق الأوسط على رغم كل الانقلابات التاريخية التي شهدتها المنطقة.
فهل تنجح في ذلك؟ وهل تملك الفرص لعرقلة نمو طفل الربيع العربي؟
الأرجح، من أسف،  أن الإجابة هي نعم!
سعد

الأحد، 18 نوفمبر 2012

ما بعد بعد غزة: الأردن ولبنان وسورية!






العديد من المحللين العرب يعتقدون أن الربيع العربي غيّر اللوحة الاستراتيجية لغير صالح تل أبيب، لكن الإسرائيليين يرون العكس:  صحيح أن الفرصة سانحة لتغيير هذه اللوحة، ولكن لصالحهم هم في غزة والأردن ولبنان وسورية.

- I -

لا أحد يشك بالطبع أن إدارة أوباما تدعم، وبقوة، حرب غزة-2 التي تشنّها إسرائيل هذه الأيام. وهذا على أعلى المستويات.
فالرئيس أوباما نفسه أعلن أن "من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها". وبن رودس، نائب مستشار الأمن القومي الأميركي، الذي رافق أوبما في الطائرة التي أقلته إلى آسيا، أعلن أن الإسرائيليين "تحملوا كثيراً كثيراً هذه الصواريخ ولفترة طويلة للغاية من الزمن". وكل هذا كان بمثابة ضوء أخضر أميركي باهر لتل أبيب كي تواصل حربها الجديدة على القطاع، على رغم الضجيج الدبلوماسي المصري والتركي والقطري الراهن.
لكن، لماذا هذا الموقف الصارم الذي تتخذه واشنطن، على رغم أنها تعلم أن هذه الحرب، والتي يفترض أنها تجري في مناخات جديدة في الشرق الأوسط، قد تؤثّر بقوة على نفوذها في عواصم الربيع العربي وشعوبه ؟
- II -
لايبدو أن هناك سوى تفسير مقنع واحد: ثمة مايشي بأن هناك صفقة ما بين واشنطن وتل ابيب، تسمح فيها الأولى للثانية بمحاولة ترتيب أوضاعها الأمنية والاستراتيجية في "امبراطوريتها الصغيرة" في الهلال الخصيب (أي غزة والضفة، والأردن، ولبنان وسورية) وإنهاء النفوذ والسلاح الإيراني فيها، في مقابل وضع الحرب العسكرية مع طهران على الرف ومنح الحرب الاقتصادية الأميركية والغربية عليها، والتي تبدو ناجحة حتى الآن، فرصة النضوج والإثمار.
إذا ماكانت هذه الفرضية صحيحة، والأرجح أنها كذلك، سيكون علينا التطلُّع إلى ماهو أكبر وأبعد حتى من العملية العسكرية الإسرائيلية الكبيرة في غزة. وهذا يفترض أن يشمل في وقت ما ليس فقط صواريخ حزب الله في لبنان، بصفتها الامتداد الأبرز للنفوذ الإيراني في الشرق الأدنى، بل أيضاً الأردن التي باتت الحركة الإسلامية فيه بقيادة جماعة الإخوان المسلمين تشكّل بقوتها الاعتراضية الجديدة امتدادا طبيعياً لحركة حماس في غزة.
السيناريو الذي يطرحه المحللون (ليس الآن مع اندلاع الاضطرابات في الأردن، بل حتى قبل أشهر عدة) هو أن تساعد الولايات المتحدة وإسرائيل على تقويض العرش الهاشمي وتسليم السلطة، ربما بعد حرب أهلية فلسطينية- شرق أردنية، إلى الإسلاميين. وحينها ستفتح الأبواب والنوافذ على مصراعيها أمام تنفيذ الشعار الأسرائيلي القديم: الأردن هو الدولة الفلسطينية.
هذا السيناريو لايتطلب إنهاء حكم حماس في غزة، بل ربما كان العكس صحيحا، حيث أن وجود هذه الحركة الإسلامية سيكرّس أمرين في آن: استمرار انفصال الضفة الغربية عن القطاع، وبالتالي تسهيل مواصلة ابتلاع الضفة من قّبِل إسرائيل تحت مسميات مختلفة، وفي الوقت نفسه ربط غزة سياسياً وإديولوجيا بالأردن الجديد.
أما سورية، فالأمور الأميركية تجري فيها كما تشتهي السفن الإسرائيلية، حيث أن الدعم الإسرائيلي المستمر لنظام الرئيس الأسد، وأيضاً للحرب الأهلية فيها، لايزال يمنع واشنطن من الأفصاح عن دعمها للمعارضة السورية قبل أن تضمن أمن الدولة العبرية أولا.
- III -
هل تبدو هذه السيناريوهات مغالية في تكهناتها؟
ربما.
لكن، لا يجب أن ننسى هنا أمرين:
الأول، أن الصراع الإيراني- الإسرائيلي على النفوذ في الشرق الأوسط، خاصة في شطره الأدنى الذي هو "الحديقة الخلفية" للامبراطورية الإسرائيلية، هو صراع دموي وحاد وشامل.
والثاني، أن إسرائيل، وعلى عكس كل الانطباعات عن تغيّر مناخات المنطقة بعد ثورات الربيع العربي لغير صالحها، تعتقد أن مصر المُنهكة اقتصاديا واجتماعيا، وسورية المُمزَّقة بالحرب الاهلية، والعراق المقسَّم عمليا، يوفّر لها فرصاً استراتيجية نادرة لإعادة تركيز وتثبيت امبراطوريتها الصغيرة في الشرق الأدنى، في انتظار إسقاط الثمرة الإيرانية في الشرق الأوسط الكبير.
وهذه اعتقادات جدّية يجب وضعها في الاعتبار.

سعد


السبت، 17 نوفمبر 2012

حرب غزة-2: "قص عشب" أم انقلابات استراتيجية؟


لماذا حرب غزة الآن؟- الصورة من غوغل-

إسرائيل فاجأت حماس والجميع بحربها الجديدة. لكن، هل الهدف فقط هو الانتخابات الإسرائيلية و"التدمير العادي" للقدرات العسكرية الفلسطينية، أم أن للأمر علاقة ما بالصراع مع إيران وبمصير المملكة الأردنية؟
- I -
الحرب المدحرجة في غزة كانت بمثابة مفاجأة للجميع:
لحركة حماس (بالدرجة الأولى) التي كانت تخطط للخروج من اختناقها الاقتصادي بأموال ق
قطرية فلكية بمقاييس الفقر الغزواي( 400 مليون دولار) ومن عزلتها السياسية والدبلوماسية بفضل وصول أخوتها الإخوان إلى مصر وتونس. وبالطبع، أي حرب الأن ستدمِّر أي فرص لها لبناء نفسها داخلياً لسنوات عدة.
وهي أيضاً مفاجئة لمصر الإخوانية، التي كانت آخر ماتريده في هذه الفترة التي تحاول فيها هي الأخرى إيجاد حلول لكوارثها الاقتصادية والاجتماعية، الانغماس في أم أزمات وأب قضايا المنطقة: فلسطين، من دون أن تمتك القدرة على التأثير فيها على نحو فعال أو حتى ذي معنى. لماذا؟
لأن أي خطوة راديكالية ضد إسرائيل قد يُقدم عليها الرئيس مرسي، قد تفتح أبواب جهنم عليه. وهذه الجهنم لها عنوان واحد يعرفه جيدا: التحالف المكين بين أميركا وبين الجيش والمخابرات المصرية، اللذين ينتظران الفرصة السانحة ( والتي تعني هنا الضوء الأخضر الأميركي) للانقضاض على جماعة الإخوان مجددا وتمزيقها شر تمزيق.
أما تركيا، التي فوجئت هي الأخرى، والتي بدت للحظة أنها باتت زعيمة القضية الفلسطينية، فسيكون عليها في هذه المرحلة ضبط لغتها الحماسية ضد الدولة العبرية، إذا ما أرادت الحصول على الدعم الأميركي- الأوروبي في معركتها في سورية ضد الروس والإيرانيين.
- II -
الكل تفاجأ، إذا، ماعدا بالطبع إسرائيل التي يبدو واضحاً الآن أنها خططت وحضّرت وطبخت حرب غزة- 2 (الحرب الأولى اندلعت في 2008-2009) منذ فترة غير قصيرة. لكن لماذا؟ وما الذي تستهدفه حكومة نتنياهو من هذه الحرب؟
اكتساح الانتخابات التي ستجري بعد شهرين، عامل رئيس بالتأكيد. ويدل اصطفاف الجميع بلا استثناء في إسرائيل، معارضة وموالاة، يميناً ويساراً، وراء حرب نتنياهو - باراك، بأن هذا الثنائي سيربح الانتخابات حتماً إذا ما جرت اليوم، وسيضمن ربحها حتماً أ يضاً إذا ما انتهت الحرب بأقل ما يمكن من الخسائر البشرية الإسرائيلية.
لكن التكتيكات الانتخابية لاتلغي بالضرورة الالعاب الاستراتيجية.
وهنا يمكننا التمييز بين أمرين: الأول، استراتيجية إسرائيلية "عادية" ترتبط بعلاقتها مع كل من الفلسطينيين ومصر، وبمفهومها لطبيعة الحرب والسلام والصراع في الشرق الاوسط. والثاني، استراتيجية إسرائيلية "فوق عادية" تطال كلاً من معركتها مع إيران على النفوذ في المنطقة ومن الخريطة الجغرافية والجيوسياسية في إقليم الهلال الخصيب، خاصة في الأردن.
 في مجال الاستراتيجية "العادية"، قد يكون الاستنتاج الذي وصل إليه خالد مشعل دقيقا: تل أبيب تريد بالفعل اختبار مدى التزام الإخوان المسلمين المصريين بالتعهدات التي قطعوها لواشنطن حول عدم المس باتفاقية السلام مع إسرائيل، في مقابل تسهيل وصولهم إلى السلطة عبر لجم جموح الجيش والمخابرات المصرية ضدهم. بيد أن هذا، على صحته، قد لايكون كل شيء. إذ ربما تريد إسرائيل أيضاً  عبر حرب غزة أن تُحرج كل أصدقاء أميركا الجدد الذين انتجهم الربيع العربي، إضافة إلى تركيا، بهدف استعادة مكانتها وكل الاهتمام الأميركي بها وبمصالحها، بعد أن حجب هذا الربيع بعض الأضواء عنها.
أما الاستراتيجية "العادية" مع الفلسطينيين، فهي تتعلق بمفهوم "قص العشب" الذي تتبناه كل المؤسسات العسكرية والمدنية الإسرائيلية، والذي يستند إلى الفكرة بأن السلام مع الفلسطينيين مستحيل وأن "الحرب الدائمة" هي الحل الوحيد. ولذلك، وبين الفترة والأخرى، يجب مواجهة نمو العشب من جديد (وهو يعني هنا إعادة تسلّح المقاومة الفلسطينية) عبر شن حرب تدميرية قصيرة الأمد.
انطلاقاً من هذا المفهوم، يمكن توقُّع أن يكون هدف الحرب الإسرائيلية الجديدة، والتي قد تشمل غزواً برياً كما حدث في حرب 2008-2009، تدمير القدرات العسكرية الغزاوية، وردع صواريخ حماس وبقية الفصائل لثلاث أو أربع سنوات أخرى. وهذا، على أي حال، هو الهدف المعلن للحرب الجديدة.
لكن، عن الأهداف "فوق العادية" المحتملة، والتي تتعلق أساساً (كما سنرى) بكلٍ من النفوذ الإيراني وبمصير المملكة الأردنية الهاشمية؟

(غداً نتابع).
سعد.
____
لمن يستزيد حول موضوع الحرب على غزة:
1- التصعيد في غزة يهدد حماس:
 http://www.ft.com/intl/cms/s/0/c7917fc8-3004-11e2-891b-00144feabdc0.html#axzz2CRz25Xm8
2-  حرب غزة تختبر مرسي:
http://www.ft.com/intl/cms/s/0/7629c93a-2f3f-11e2-8e4b00144feabdc0.html#axzz2CRz25Xm8
3- اسرائيل ونظرية "قص العشب":
http://www.nytimes.com/2012/11/17/world/middleeast/israel-sticks-to-tough-approach-in-conflict-with-hamas.html?hp
__________________________________________________________

الجمعة، 16 نوفمبر 2012

هل تنجح العولمة بـ"إبتلاع" الأديان؟


عولمة الدين (الحلقة الثالثة والأخيرة)
I
الأديان الرئيسة في العالم تندفع، إذاً، للإفادة من العولمة. لكن  هذه الأخيرة كما قلنا بالأمس لن تقف مكتوفة الأيدي. ولأنها تُمسك بكل صنابير الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، ستعمل أيضاً على محاولة تجيير الانقلابات الدينية والثقافية في العالم لصالحها.
النموذج الأول لهذه المحاولة كان توجّه الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان لاستيعاب ما بات يسمى
" الثورة الاصولية المسيحية " الثالثة، ووضعها في خدمة العولمة. ولم يكن صدفة بالطبع أن يكون ريغان "المؤمن الذي ولد من جديد على يد الروح القُدُس"، هو نفسه بطل الرأسمالية المتوحشة الجديدة التي عملت على نسف دور الدولة في الاقتصاد والامن الاجتماعي.
والآن تنكرر في الولايات المتحدة الدعوات إلى توجهات ريغانية مماثلة. وعلى سبيل المثال، جادل العالم السياسي الأمريكي وولتر رسل ميد مؤخراً بأن "الصعود العالمي الجديد للمسيحية يجب أن يكون أمراً طيباً للسياسة الخارجية الأميركية، لأن المسيحية "هي أكثر الأديان موالاة لأمريكا"، على حد قوله.

II
بيد أن توماس بارنيت، أبرز مفكري البنتاغون، كان أوضح من ذلك بكثير، حين دعا إلى استخدام القوة العسكرية لتصفية المتمردين دينياً- وثقافياً واقتصادياًواجتماعياً على العولمة. يقول: "أي  دولة او منطقة تكون فاعلة (أي مرضي عنها من قِبَل العولمة) إذا ما كانت تتفاعل مع مضمون التدفقات الفكرية والإعلامية والمالية التي تتأتى من خلال إدماجها ما هو قومي بما هو إقتصاد عالمي. وأي دولة او منطقة تكون فاعلة حين تسعى الى تنسيق " قواعد حكمها الداخلي" مع الحكم العالمي الصاعد للديموقراطية، وحكم القانون ، والأسواق الحرة ( مثلاً عبر الانضمام الى منظمة التجارة العالمية ). وبالتالي ، إذا فشلت دولة ما في الانضمام الى العولمة، او رفضت الكثير من تدفقاتها الثقافية، فإنها ستجد في النهاية القوات الأميركية على أراضيها.
ومن خلال مسحه لـ140 عملية عسكرية اميركية في فترة التسعينيات، يكتشف بارنيت أن القوات الأميركية ذهبت بالتحديد الى الدول الواقعة خارج مركز العولمة التي يسميها " الفجوة غير المندمجة"، وهي: حوض الكاريبي ، إفريقيا ، البلقان ، القوقاز ، آسيا الوسطى ، الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا والكثير من جنوب شرق آسيا.
III
سلاح السيطرة العسكرية  (control) هام بالتأكيد. لكن يبقى أن سلاح الهيمنة(Hegemony)  يبقى هو الأهم. والعولمة النيوليبرالية تعوّل عليه عبر اعتمادها على الفرد المستهلك الاقتصادي، وليس المواطن المنتج للثقافة، كوسيلة لهذه الهيمنة. وهي تضع هذا الفرد في عزلة مقيتة يفرضها الاختصاص والاندفاع إلى تحقيق قدرات مميزة، حتى وهو يتبنى عقيدة دينية مطلقة أو يتقوقع في هويات دينية يعتقد أنها مغلقة في وجه العولمة.
معركة العولمة لاستيعاب الأنماط الجديدة من الصعود الديني لاتزال في بداياتها الأولى. وهي تحقق نجاحات واضحة في بعض المناطق (الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية) وصعوبات وعراقيل في مناطق أخرى( الشرق الأوسط الإسلامي). لكن طموحها الأكبر لايزال هو هو: توحيد العالم في قرية واحدة، ولاحقاً في حكومة واحدة، عبر تفتيته أولاً إلى ذرات (أفراد) صغيرة تعتمد في بقائها وازدهارها على ثورة التكنولوجيا والمعلومات التي تُوفّرها الشركات الكبرى متعددة الجنسيات. فهل تنجح؟
ربما!

                                                                                      سعد





الخميس، 15 نوفمبر 2012

الدين والعولمة و"الجهل المقدّس" (الحلقة-2)

ما دور الديمغرافيا والعولمة في صعود الاديان؟ - الصورة من غوغل-

في الحلقة الأولى من موضوع "الدين والعولمة" في هذه المدونة (13-11-2012)، والذي عرضنا فيه لكتاب أوليفيه روا" الجهل المقدس" (*) تساءلنا عن العوامل التي  تؤثّر على صعود الأديان مجدداً في إطار العولمة، بفعل ضغوط هذه الأخيرة المستمرة على النسيج الاجتماعي- الثقافي في كل دول العالم. وسنحاول الإجابة اليوم:


- I -
يبدو أن ثمة ثلاثة عوامل تسهِّل صعود الأديان في ظل العولمة:
الأول، هو العامل الديموغرافي (السكاني) الذي تلعب فيه الأديان دوراً كبيرا. فعدد سكان الشمال الأوروبي الغني بلغ 32 في المئة من سكان العالم العام 1900 ثم 25 في المئة العام 1970 و18 في المئة العام 2000، ويتوقع أن يصبح 10 في المئة العام 2050. هذا في حين أن الجنوب كان يشهد انفجاراً ديموغرافياً لأن الناس المتدينين فيه الذين يشكّلون الغالبية يميلون إلى إنجاب الأطفال أكثر من العلمانيين.
العامل الثاني، هو التمدين( من مدن) المتزايد لسكان العالم. وبما أن الأديان تاريخياً هي ظاهرة مدينية، يتوقع أن يؤدي بروز المدن العملاقة سكانياً في دول الجنوب إلى مزيد من الصعود الديني، خاصة في صفوف الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
العامل الثالث هو"فك الارتباط" بشكل متزايد بين الغرب وبين المسيحية. فهذه الأخيرة هي في الأصل دين شرقي اكتسح العالم القديم انطلاقاً من فلسطين، وهي لم تُعتبر ديانة غربية أو أوروبية إلا بعد ظهور الإسلام وانتشاره. بيد أنها الآن تعود إلى جذورها القديمة حيث باتت تسيطر عليها شعوب وثقافات الجنوب في أميركا اللاتينية وبعض مناطق شرق آسيا.
ويعتقد سكوت توماس، المحاضر في جامعة لندن، أن كل هذه العوامل منغرسة في العولمة التي تعمل على بناء عالم أكثر توحدّاً وأكثر تفتيتاً في آن. ذلك أن الهويات الدينية العالمية والمحلية باتت تصبح أكثر ارتباطاً لأن العولمة بدأت تُغيّر طبيعة الأديان ودورها في الشؤون الدولية.
كيف؟
عبر تسهيل العولمة انفصال الدين عن الثقافات الوطنية والقوميات (كما أشرنا في الحلقة الأولى). فكما أن العولمة تقفز فوق الحدود القومية وتقلّص إلى حد كبير من صلاحيات ودور الدولة- الأمة، تقوم الظواهر الدينية الجديدة المتعولمة بلعب الدور نفسه، فتتجاوز هي الأخرى حدود الدولة القومية وقيودها.
- II -
فضلاً عن ذلك، تنشط العولمة لجعل الأديان أكثر تعددية، وبالتالي تُصعّب على المؤسسات الدينية الكبرى التقليدية التي مارسات في السابق الاحتكار اللاهوتي، كالكنيسة الكاثوليكية في الغرب والأورثوذكسية في الشرق الأوروبي والهندوكية في جنوب آسيا، مواصلة مثل هذا الاحتكار. وهنا يأتي دور ثورة الاتصالات والمعلومات التي باتت تجعل الأديان مسألة اختيار فردي سواء حيال الطقوس أو حتى المعتقدات.
ثم أن العولمة أزالت الحدود الفاصلة بين المنظمات الدينية في البلدان الأم وبين الجاليات في المهجر. وهذا ما أعطى هذه الأخيرة دوراً كبيراً ومتزايداً في كلٍ من العلاقات الدولية والأمن العالمي.
ويُلخّص سكوت توماس وجهة نظره حول تأثير العولمة على الأديان كالتالي: " إن نوعاً جديداً من العالم قيد الصنع الآن. والدول والشعوب والجماعات الدينية في الجنوب هي التي تصنعه. الأديان الكبرى في العالم تفيد كلها من هذه الفرص التي أتاحتها العولمة، وهي تنشط الآن لتغيير نمط رسالتها بهدف الوصول إلى جمهور عالمي جديد".
-III -
خلاصة صحيحة؟.
الأدق أن يقال أنها نصف صحيحة. فكما أن الأديان الرئيسة في العالم تندفع للإفادة من العولمة، لن تقف هذه الأخيرة مكتوفة الأيدي. ولأنها تُمسك بكل صنابير الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، ستعمل أيضاً على محاولة تجيير الانقلابات الدينية والثقافية في العالم لصالحها.
لكن كيف؟

                                                                                        سعد
(*) Olivier Roy: Holy Ignorance: when religion and culture part ways. Colombia press, 2010)