للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

السبت، 25 أغسطس 2012

لبنان: تفجير طرابلس مُقدمة لتقسيم سورية؟ -



- I -

هل يكون شمال لبنان أولى المحطات الإقليمية المُحتملة لتمدد "الانفجار العظيم" السوري نحو باقي مناطق المشرق، كما حذّر وزراء خارجية الغرب، وحتى روسيا، مؤخرا؟
ثم: إذا ما كان الأمر على هذا النحو، لماذا شمال لبنان بالتحديد قد يكون محطة التفجير التالية ، وما السيناريوهات التي قد تنتظر لبنان ككل حينذاك؟
من معارك طرابلس أمس (غوغل




قبل محاولة الإجابة على هذه الأسئلة، إشارة أولاً إلى أن ثمة إجماعاً في لبنان على أن الاشتباكات العنيفة التي شهدتها مدينة طرابلس مؤخراً،  كانت حصيلة مباشرة لمضاعفات الأزمة السورية التي بدأت تلقي بظلالها الكثيفة على لبنان.
صحيح أن هذه المجابهة اتخذت بعداً مذهبياً واضحاً بين بعل محسن (العلوي) وباب التبانة (السني)، إلا أن امتدادتها السياسية كانت واضحة هي الأخرى. فبعل محسن يحظى بدعم علني، مالي وتسليحي وإعلامي، من حزب الله وبقية سرب تيار 8 آذار/مارس/، فيما يقف وراء باب التبانة مروحة واسعة من القوى (وأيضاً مالياً وتسليحياً) على رأسها تيار المستقبل والقوى السلفية الإسلامية الصاعدة في شمال لبنان.
وبالطبع، وكما في أي شيء يحدث في بلاد الأرز، كل من هذه القوى المتصارعة في طرابلس تحظى بدعم وتمويل ومساندة قوى خارجية (ودولية بشكل غير مباشر): علويو طرابلس و8 آذار/مارس من إيران وسورية، وسلفيو المدينة من السعودية وقطر وبقية دول الخليج.
كل طرف من هذه الأطراف يتهم الأخر بأنه يقف وراء التفجيرات لتحقيق أجندة خاصة به: 8 آذار/مارس يقول أن الهدف النهائي للطرف الأخر هو إقامة "إمارة سنّية" في الشمال تكون ليس فقط بمثابة "ضاحية شمالية" مدججة بالسلاح لمواجهة الضاحية الجنوبية التي يسيطر عليها حزب الله، بل أيضاً لتكون منطقة آمنة للجيش السوري الحر ينطلق منها للقيام بعملياته في الداخل السوري. هذا في حين أن قادة 14 آذار/مارس، وفي مقدمهم سعد الحريري وفق تصريحاته الأخيرة/ يتهم السلطة السورية (ومعها حلفاءها في 8 آذار/مارس) بتفجير الوضع في الشمال ولاحقاٌ في بيروت وباقي أنحاء لبنان "بهدف نقل الحرب الأهلية إلى لبنان وحرف الأنظار عن الثورة السورية"".
- II-
نعود الآن إلى السؤال الأول: هل يكون شمال لبنان أولى المحطات الإقليمية المُحتملة لتمدد "الانفجار العظيم" السوري، ولماذا؟
ثمة عاملان جيو- استراتيجيان يجعلان طرابلس والضنية ومناطق عكار ووادي خالد في شمال لبنان محط أنظار العاصفة السورية العاتية التي لم يسبق لها مثيل في الواقع في تاريخ سوريا، سواء القديم منه أو الحديث.
الأول، يمكن لحظه بسهولة من خلال إي إطلالة سريعة على خريطة لبنان وسوريا. إذ سيتبيّن أن شمال لبنان يشكّل في الواقع الضلع الثالث من مثلث المنطقة الجغرافية العلوية الذين يضم، إلى اللاذقية وطرطوس وجبالهما، مناطق حمص وحماه. هذا الموقع الجغرافي هو الذي دفع المؤرخين إلى إطلاق اسم "طرابلس الشام" على عاصمة الشمال اللبناني، ليس فقط لتمييزها عن طرابلس شمال إفريقيا، بل أيضاً للإشارة إلى مدى ارتباطها العميق والوثيق بالعمق السوري. وهو ارتباط كان ديموغرافياً حيث العائلات واحدة على جانبي الحدود، وتجارياً، والأهم: أمنيا."
 البعد الأهم، أي الأمني، كان دوماً على رأس أولويات أي نظام سوري مهما كان لونه. لكنه يرتدي هذه الأيام أهمية أكثر خطورة بسبب فشل الحلول السياسية الدولية للأزمة السورية، الأمر الذي يفاقم مخاطر تقسيم سورية على نحو مافعل الفرنسيون في أوائل القرن العشرين، حين قسموا البلاد إلى دولة علوية وأخرى درزية ودولتين سنيّتن. وفي حال وقع هذا المحظور، فسيكون الضلع الثالث من "المثلث العلوي" (أي شمال لبنان) أحد المواقع الرئيسة لرسم الخطوط الدموية الجديدة  للتقسيم.
هذا عن أهمية شمال لبنان من زاوية سورية. أما من الزاوية اللبنانية فالمسألة لاتقل أهمية. إذ يجب أن نتذكّر هنا أن الطرابلسيين كانوا حتى فترة متقدمة بعد استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1943 يعتبرون أنفسهم جزءاً من سورية، وكانوا يتظاهرون في كل حين رافعين العلم السوري مطالبين (من موقع قومي عربي آنذاك) بالعودة إلى الكنف السوري.
صحيح أن الصورة تغيّرت مع وصول النظام السوري الحالي إلى السلطة ومع انحسار موجة القومية العربية، إلا أن هذا عبّر عن نفسه طرابلسياً في تحوّل "الانتماء السوري" من رابطة العروبة إلى رابطة الإسلام، على الأقل بالنسبة إلى حركات الإسلام السياسي.
العامل الجيو- الاستراتيجي الثاني عملاني، إذا جاز التعبير. فقد تحوّل شمال لبنان خلال الأشهر الأخيرة إلى مقصد للاجئين والجرحى السوريين المعارضين للنظام، سواء من المدنيين أو المسلحين، الذين حظوا بعناية خاصة من الأهالي وحركات الإسلام السياسي. وهذا ما جعل المعارضة السورية ترى في شمال لبنان ملاذاً شبه آمن، مع أن السلطات الأمنية اللبنانية (خاصة منها الأجهزة القريبة من دمشق) كانت تنشط لمراقبة السوريين اللاجئين وتحاول أحياناً التضييق عليهم أو حتى تسهيل اعتقالهم.
من جهتها، لم تخف مختلف القوى السياسية اللبنانية في الشمال، من حركات الإسلام السياسي إلى التيار السنِّي الرئيس "المستقبل"، دعمها الكامل للثورة السورية. لكن هذا الدعم  تباين بين فصيل وآخر. ففي حين حرص تيار المستقبل أن يبقي عملية المساندة في الأطر التي لاتضر بعلاقته مع الدولة اللبنانية وموقعه الأساسي والمؤسس فيها، كان العديد من الحركات الإسلامية تذهب إلى النهاية في مثل هذا الدعم وعلى كل الصعد تقريبا.
والأمر الذي يجعل هذا التباين مهماً هو أن حركات الإسلام السياسي في شمال لبنان شهدت خلال السنوات الأخيرة صعوداً مميزاً على الصعيد التمثيلي للجماعة السنّية في لبنان بفعل عوامل متشابكة عدة، منها:
- عجز تيار المستقبل عن الوقوف في وجه حزب الله حين اجتاحت قوات هذا الاخير بيروت العام 2008، ماجعل العديد من الشبان السنّة الشماليين يتحوّلون من دعم تيار المستقبل إلى مساندة الحركات الإسلامية الأكثر تشددا.
- عجز آخر للمستقبل عن إيجاد حلول لمسألة الفقر المدقع في العديد من مناطق الشمال، حيث أفاد تقرير لمجلس الإنماء والإعمار حول الفقر في لبنان أن الدخل الشهري لنصف العائلات التي تقطن باب التبانة السنّية (المواجهة لبعل محسن العلوية) في طرايلس لايتعدى الـ130 دولاراً. وقدّر تقرير آخر أن 23 في المئة من فقراء لبنان يعيشون في عكار. وحين لم تف حكومات الحريري المتعاقبة بوعودها للحد من الفقر في المنطقة، تقّدمت الحركات الإسلامية، خاصة السلفية منها، (بدعم جمعيات خاصة خليجية) وأقامت شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية والصحية والمدارس الدينية، ما ساهم إلى حد بعيد في زيادة نفوذها في الشمال.
- III -
ربما بات واضحاً الآن، بعد هذه العجالة، أن شمال لبنان بوضعتيه الجغرا- سياسية، وتاريخه الإسلامي المديد، وتركيبته المذهبية، والصعود السريع للحركات الإسلامية فيه، فضلاً عن تنامي مختلف التأثيرات الإقليمية عليه من السعودية وتركيا وبقية دول الخليج السنّية إلى إيران والعراق الشيعيين، يعتبر فريسة مُثيرة للعاب الوحش العنفي المنطلق من النظام السوري.
وهذا ماسيضع الشمال، ومعه كل لبنان، أمام سيناريوهات أحلاهما مر، أبرزها الضغوط الهائلة التي سيواصل بذلها النظام السوري إما لتفجير كل لبنان عبر شماله، للأثبات بأن غرق سفينته ستعني غرق كل سفن المنطقة، أو لاستكمال حلقات الدولة العلوية المفترضة أو على الأقل "المنطقة الآمنة العلوية"، والتي يشكِّل فيها هذا الشمال عنصراً مكملاً ورئيسا.
وفي كلا الحالين، سيبدو أن لبنان هذه الأيام يتراقص على شفا مرحلة خطرة، خاصة وأنه يبدو واضحاً من المخططات التخريبية الخطيرة التي كانت سينفذها الوزير السابق ميشال سماحة أن النظام السوري لم يعد مكتفياً بسياسة النفس اللبنانية ولاحتى بوجود حكومة موالية له في الداخل وداعمة له في الخارج.

                                                                                سعد

الجمعة، 24 أغسطس 2012

"ثورة مضادة" سعودية في تونس؟







 - I -
كما كانت تونس رائدة الربيع العربي، يرجّح أن تكون أيضاً مركز بدء اندلاع التنافس العني (وربما حتى الصدام) بين بعض تيارات السلفيين، بزعامة المملكة السعودية الوهابية، وبين حركات الإخوان المسلمين ومعها تيارات الإسلام الليبرالي.
أو هذا على الأقل ماتوحي به التطورات المتلاحقة في تونس، والتي تشي بأن الوضع بقترب بالفعل من لحظات الصدام هذا.

سلفيو تونس: العنف ( الصورة من غوغل

فالقيادي البارز في حركة "النهضة" الإسلامية الحاكم في تونس الشيخ عبد الفتاح مورو، حذَّر أمس الأول من "فتنة" بسبب قيام دعاة سعوديين بتنظيم دورات لنشر الفكر الوهابي المتشدد في تونس التي تعتمد المذهب المالكي، وقال أن هؤلاء الدعاة "يأخذون شباباُ ليس لديهم معرفة دينية سابقة وحديثي العهد بالصلاة، ويعلمونهم قواعد الفكر الحنبلي، ويهيئونهم لأن يصبحوا طابورا في بلدنا يدعو إلى استبعاد المذهب المالكي والفقه المالكي وإحلال المذهب الحنبلي مكانه".
وأوضح أن الدعاة السعوديين ينظمون في تونس "دورات تكوينية مغلقة" تستمر ثلاثة أشهر، ويدفعون مقابلا ماديا للشبان الذين يتابعونها لأنهم "ينقطعون عن أعمالهم" طوال الدورات.
وتابع مورو "هذا أمر خطير لا نرضاه. سيدخل علينا ارتباكا في وطننا. نحن لامشكلة لدينا مع المذهب الحنبلي، لكن نحن في تونس لدينا وحدة المذهب المالكي، والإمام مالك أسبق "زمنيا" من الإمام بن حنبل. هذا باب فتنة، إياكم يا توانسة منه".
وفي الوقت ذاته، حذرت وزارة الثقافة التونسية، أيضاً من أن "تواتر الاعتداءات "السلفية" على التظاهرات الثقافية" في البلاد "ينذر باحتقان مذهبي غريب" عن المجتمع التونسي "المعروف بوسطيته".

- II -
صحيح أن حملات حزب النهضة الإسلامي التونسي، بجذوره الإخوانية المعروفة، لم تتهم مباشرة الحكومة السعودية بهذه "الفتنة" واكتفت بالإشارة إلى "دعاة سعوديين"، إلا أنه كان واضحاً أن الحزب يقترب من مواجهة مفتوحة معها لسببين:
الأول، أن السلفيين الوهابيين الجدد لايكتفون بالالتزام والدعوة إلى مذهبهم، بل هم ينحون إلى العنف  وإثارة الاضطرابات المذهبية والثقافية، الأمر الذي يمكن ان يُهدد كل المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية، وقد ينسف أيضاً ركائز الاقتصاد التونسي الذي يعتمد على الانفتاح والسياحة.
والثاني، أن بعض قيادات النهضة تعتبر هذا الحراك السلفي العنيف والمتطرف، جزءاً من "ثورة مضادة" تشنّها المملكة السعودية في تونس وباقي أنحاء المنطقة لمنع الربيع العربي من تحقيق أهدافه الديمقراطية. لماذا؟ لأن انتصار الإسلام الليبرالي والديمقراطي، سيترجم نفسه لامحالة  صعوداً  لنجم الحركة الإصلاحية الإسلامية في السعودية.
والحال أن مايجعل القيادة السعودية تمارس سياسة هجومية على هذا النحو (وليس فقط في تونس، بل أيضاً في دولة الإمارات ومصر وسورية وباقي أرجاء المنطقة)، هو شعورها بأن واشنطن تدعم هذا الحراك الإسلامي الليبرالي وباتت تفضّله (للمرة الأولى منذ قمة الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت على متن بارجة حربية في الحرب العالمية الثانية) على الوهابية التي فرّخت، برأي الأميركيين، أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.
وهم على حق في مخاوفهم هذه!
- III -
المجابهة داخل الدار الإسلامية، إذا، بدأت، بعد أن كانت نائمة طيلة نيف و70 سنة بسبب قمع الأنظمة العربية للإسلام السياسي، وهي لن تتوقف، لأن ماهو في الميزان لايقل عن كونه مصير الأسرة السعودية الحاكمة، وربما مصير أسر أخرى أيضاً في منطقة الخليج.
 الجيو- سياسة هنا منغمسة حتى الثمالة بالإديولوجيا، لكن الأولوية للأولى في الحسابات السعودية.
ويبدو أن قَدَر تونس أن تكون دوماً رائدة في كل مايتعلّق بـ"عدة" الربيع العربي: من الثورة إلى بناء الدولة وبينهما حسم موقع الإسلام في لعبة الصراع: بين ديمقراطية الشورى الشعبية وبين ديكتاتورية "أولي الأمر".  
وهذا لن يكون أمراً غريبا: فحين فرض الغزالي (عبر "تهافت الفلاسفة") وإبن تيمية حظراً على الفكر والفلسفة في الشرق، تفتحت ألف زهرة حرية فكر في المغرب على يد إبن رشد وإبن طفيل وإبن خلدون.
                                                                                سعد

                                                                                    






الخميس، 23 أغسطس 2012

رأس الأسد طُرِح على طاولة الصفقات؟ ولكن؟






- I -
ماذا يعني أعلان نائب رئيس الحكومة السورية قدري جميل من موسكو استعداد النظام السوري للتفاوض حول مسألة تنحي الرئيس بشار الأسد؟
القليل بالنسبة إلى دمشق، والكثير بالنسبة إلى موسكو.


لماذا؟
لأن جميل، ومعه علي حيدر وزير المصالحة الوطنية، اللذين يعتبران من "الحمائم" في تركيبة النظام السوري، ربطا أي بحث حول تنحّي الأسد بشروط مستحيلة. إذ قال حيدر أن المفاوضات بين النظام والمعارضة "التي يمكن أن تتطرق إلى كل شيء"،  (على حد تعبير جميل ) بما في ذلك تنحّي الأسد، يجب أن يسبقها تسليم المعارضين- المفاوضين أسلحتهم إلى النظام السوري. وهذا يعني، بكلمات أخرى، أنهاء الثورة السورية واستسلام المعارضين- المفاوضين بلا شروط، كما يعني أن النظام السوري لايزال يراوح مكانه في مواقفه المتصلّبة والراقصة على إيقاع الدم العنف المنفلت من عقاله.
أما بالنسبة إلى موسكو فهذا الإعلان يمكن أن يعني الكثير. إذ أنه يعطيها ورقة ثمينة لتحقيق أمرين إثنين في آن:
الأول، فك العزلة الدبلوماسية شبه الخانقة التي تتعرّض إليها على الصعيد الدولي، بسبب تقويض النظام السوري لكل الحلول الدولية - الإقليمية التي طُرِحت لحل الأزمة، والتي كانت ستصبح كاملة وخطرة لولا الفيتو الصيني التكتيكي والمصلحي الداعم لها في مجلس الأمن.
والثاني، تخويلها رسمياً وعلناً بطرح رأس الأسد على طاولة الصفقات الدولية والإقليمية، وأيضاً مع بعض أطراف المعارضة السورية.
ويبدو من رد فعل الحكومة الأميركية القوي والسريع الرافض لاعتبار هذه الخطوة بمثابة تقدّم نحو الحل، أن موسكو لم تتصل بها بعد للتحضير لصفقة ما، وأنها تشك بأن هذه الأخيرة ربما تحاول أن تبرم صفقات ثنائية أخرى من وراء ظهرها، ربما مع السعودية وتركيا، أو هي على الأقل تحاول إرباك الطوق الدبلوماسي (والأخلاقي) المضروب بإحكام على عنق كل من موسكو ودمشق، من دون تقديم أي تنازلات لواشنطن.
- II -
واشنطن وموسكو
لكن، بما أن أي حل أو صفقات للأزمة، التي باتت مدوَّلة إلى حد بعيد، لايمكن أن يتم إلا عبر بوابة واشنطن، فإن المناورة الدبلوماسية الروسية في شكلها الحالي تعني أن هذا الحل لما ينضج بعد (إلا بالطبع إذا ما حمل وزير الخارجية الروسي عتاده الدبلوماسي الجديد إلى واشنطن وبدأ لعبة المقايضات معها).
الدليل على هذه المحصلة هو التراشق الكلامي التي حدث بين موسكو وواشنطن خلال وبعد إعلان قدري جميل عن طرح ورقة التنحي في بورصة التداول. فبعد أن أطلق الرئيس الأميركي أوباما تهديده القوي بالتدخل العسكري في سورية، إذا ما تجاوز النظام السوري "الخطوط الحمراء الأميركية باستخدام أو حتى نقل الأسلحة الكيمائية، رد لافروف بتحذير واشنطن من التدخل المنفرد في سورية، قائلاً أن هذا "سيشكِّل خرقاً للقانون الدولي، وموسكو وبكين لن تسمحا بذلك".
كان الرد الروسي هذا قوياً بالفعل،  وأوحى بأنه ربما تضمّن تلويحاً برفع وتيرة الخلافات بين روسيا وأميركا حول سورية إلى مرتبة المجابهة  المباشرة؛ في وقت كانت تنضم روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، درّة تاج العولمة الأميركية، يعد مفاوضات شاقة دامت نيفاً و18 عاما.
فما تفسير هذا الموقف الروسي؟
التفسيرات عديدة، لكن أهمها أن موسكو تعرف أن تهديد أوباما الأخير لايصب في مصلحة الثورة السورية، بل ينزلق مباشرة إلى جيب إسرائيل.
فأوباما، في بيانه، لم يقل أنه سيتدخل لإنقاذ أرواح عشرات السوريين التي تزهق كل يوم، ولا لمساعدة الشعب السوري على نيل حرياته الديقراطية، بل ركزّ فقط على نقطة يتيمة: "منع الأسلحة الكيمائية من الوقوع في أيدي قوى أخرى" (يقصد الأصوليين الإسلاميين). وبالطبع، أمن إسرائيل سيكون مهدداً إذا ما حدث ذلك.

.. وواشنطن وتل أبيب
أكثر من هذا. كان العديد من المحللين يؤيدون تحليل موسكو القائل بأن الولايات المتحدة ليست حازمة وجادة في دعواتها إلى تغيير النظام السوري، لأن الدولة العبرية لاتزال حتى الآن تعارض هذه الخطوة. فهذه الأخيرة كانت طيلة نيف و40 سنة "مرتاحة" لخدمات هذا النظام في الجولان، وضد الفلسطينيين واليساريين في لبنان وخارجه، وغيرها من الخدمات الاستراتيجية والأمنية التي وفّرها النظام لها.
الدليل على هذه الحقيقة ورد في تقرير هام لمؤسسة الشرق الأوسط ( Middle east institute)
الأميركية للأبحاث الدولية والاستراتيجية، جاء فيه:
"روسيا لاتعتقد أن إدارة أوباما، ولاحتى أي إدارة جمهورية قد تصل إلى البيت الأـبيض، مهتمة حقاً بإسقاط النظام في سورية. ولايعود السبب فقط إلى اعتبارات محلية أميركية (الانتخابات الرئاسية، والتعب من الحرب) بل أولاً وأساساً بسبب المضاعفات السلبية التي قد تلقي بظلالها على إسرائيل في حال سقط النظام. ولو أن واشنطن كانت جادة حقاً في إسقاط هذا النظام، لكانت شكّلت تحالف مريدين لضرب الأسد، سواء بموافقة مجلس الأمن الدولي أم لا".
أمر آخر.
في تحليل لنيويورك تايمز، تمت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة، وعلى عكس كل البيانات الرسمية الأميركية، لم تزوِّد المعارضة المسلحة السورية بأي معدات "غير قاتلة"، ولا حتى الـ900 هاتف فضائي الذي أدّعت وزيرة الخارجية كلينتون أن واشنطن نقلتها إلى الثوار.
لماذا؟
مرة أخرى، ليس هناك سوى تفسير واحد: إسرائيل لاتزال تعارض المعارضة السورية، وتدعم نظربة "أمن إسرائيل" من أمن سورية" التي أطلقها الملياردير رامي مخلوف، قريب الرئيس السوري بشار.
كل هذه المعطيات تؤكد ماليس في حاجة إلى تأكيد منذ عقود: ليس هناك سياسية خارجية أميركية في الشرق الأوسط. فقط هناك سياسية خارجية أميركية تقررها إسرائيل في المنطقة، خاصة في المجال الحيوي لـ "الأمبراطورية الإسرائيلية" الذي يضم سورية ولبنان والأردن وفلسطين وشمال العراق.
وإذا ماحدث وقررت الولايات المتحدة في مرحلة ما التدخل العسكري في سورية، فهذا سيعني أن إسرائيل فقدت الأمل من إنتصار نظام الأسد، ونفضت يدها منه، وبدأت تبحث عن بدائل.
- III -
موازين القوى الداخلية
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنها تعني، ببساطة، أن الأزمة السورية لم تخرج بعد من عنق زجاجة التنافس الدولي- الإقليمي على النفوذ والهيمنة في بلاد الشام، وأن المناورات والمناورات المضادة التي تجري في "الوقت الضائع" الراهن، ليست أكثر من ذلك: أي مجرد مناورات.
بوادر الحل الحقيقي لن تظهر، إلا حين ترفع موسكو الغطاء الدولي الحالي عن النظام السوري، عبر صفقة كبرى مع واشنطن، وصفقات أصغر مع السعودية (مقابل ضمانات من الرياض بعدم دعم الإصوليين السنّة في القوقاز وآسيا الوسطى) ومع تركيا (تقاسم النفوذ في سورية، والتفاهم حول مكافحة التطرف الإسلامي في القوقاز وآسيا الوسطى أيضاً).
وحتى ذلك الحين، ستبرز الكثير من المناورات الدبلوماسية في الخارج ، المترافقة مع الكثير من العنف الدموي في الداخل السوري. وبما أن هذه الحل الخارجي لما ينضج بعد كما أشرنا، ستتركّز كل الجهود الغربية والعربية على محاولة تغيير موازين القوى في الداخل السوري لصالح الثوار السوريين.
ويبدو أن هذا بالتحديد كان محور "القمم الهاتفية" التي جرت أمس (الأربعاء) بين رؤساء أميركا وبريطانيا وفرنسا، وأيضاً بين السعودية وتركيا وقطر، والتي تركّزت على رفع وتيرة تسليح المعارضة السورية كماً ونوعا.

                                                         سعد

                                                                               

الأربعاء، 22 أغسطس 2012




      

كتاب رائع
     كيف نُغادر "جهنم" ونُحقِق السعادة


- I -
"كوكب الأرض قبل 114 مليون سنة. صباح أحد الأيام وبعد لحظات من انبلاج الفجر: الوردة الأولى في التاريخ تتفتح لتلتقي أشعة الشمس. قبل هذا الحدث الرائع، الذي دشّن تحولاً تطورياً ضخماً في حياة النباتات، كان الكوكب يكتسي برداء أخضر لمئات ملايين السنين. الوردة كانت نادرة لأن الظروف لم تك مؤهلة بعد لاستقبالها، لكن في يوم ما تم عبور المرحلة الحرجة وحدث انفجار في تفتح الزهور والرياحين والعطور في كل أنحاء الأرض".

من فيلم أفاتار (عن غوغل)

بهذه الصورة الجميلة يبدأ المؤلف الألماني الأصل إيكهارت تول كتابه "الأرض الجديدة" (* ) الذي تُرجم إلى 33 لغة وأصبح مرجع كل باحث عن السعادة و"الحقيقة الجديدة" و"الحياة الجديدة"، في عالم يعج بالكوارث والمآسي والحروب والنزاعات.
لماذا اختار المؤلف الوردة للانطلاق في مشروعه التنويري؟ لأنها الأمر الوحيد الذي أحبه البشر، من دون أن تكون له وظيفة مادية تتعلق بصراع البقاء.  الورود، وخاصة البيضاء منها، كانت هي الجسر الذي يعبره الوعي البشري من عالم المادة والشكل إلى عالم الجوهر، واللاتعيُّن، والوعي الصافي حيث تقطن الحقيقة: حقيقة أن كل شيء في الوجود واحد مُوحّد متصل ببعضه البعض بشكل لافكاك فيه.
لكن، لماذا لم يصبح هذا الوعي الصافي هو القانون وبقي الاستثناء في كل التاريخ البشري؟ لماذا سيطر الوعي الزائف الذي يوحي لنا بأننا مخلوقات أنانية يجب أن نقتل كي نعيش، ونعيش كي نقتل؟

- II -
تول يورد سببين:
الأول أن الحضارات البشرية عجزت عن فهم رسالة الأنبياء وكبار الفلاسفة الذين ظهروا ليبشّروا بالسلام الداخلي لدى كل إنسان وبين كل البشر، فعمدت إلى تشويه هذه التعاليم وحوّلتها إلى أنظمة معتقدات إيمانية وإديولوجية منغلقة على ذاتها. وهكذا تم، على سبيل المثال، تحويل السيد المسيح من داعية سلام ومحبة إلى رسول حروب، وانقلب دور المُصلح بوذا من مبشّر يدعو إلى إدارة الظهر للأنانية والأنا إلى إله أناني، ووُظّف الأنبياء في خدمة العصبية اليهودية المُدمِّرة  والعنيفة.
السبب الثاني هو أن الحضارة البشرية لم تنضج بعد بما فيه الكافية كي تُحقق النقلة التطورية الكبرى من الأنا إلى الوعي الجمعي الصافي الذي سيخلق "الأرض الجديدة". إنها تحتاج إلى حدث ضخم يجبرها على العبور نحو هذه النقلة، تماماً كما حدث في مسار تطور الحياة على الأرض حين أجبرت الظروف الطبيعية المخلوقات البحرية على مغادرة حياتها السهلة في المحيطات، حيث الجاذبية ضعيفة، إلى اليابسة على رغم شظف العيش فيها.

- III -
تول لايفصح عن طبيعة هذا الحدث الضخم. لكن من الواضح أنه يوميء إلى التغييرات الهائلة التي سيجلبها تغيّر المناخ على كلٍ من ظروف الحياة وعلى طبيعة الوعي البشري لمعنى الحياة والوجود.
عدو تول الأكبر هو "الأنا"(The ego) لدى كل إنسان، الذي هو مصدر كل الشرور، ليس فقط تلك المتعلقة بالحقد والكراهية والشراهة والإجرام، بل أيضاً بعملية تشويه الوعي الصافي عبر جعله يقتنع بأن مايراه في العالم المادي هو الحقيقة، وبالتالي حرفه عن رؤية الوحدة العميقة التي تنساب في كل الكون والتي تقود مباشرة إلى المنبع الرئيس خارج الزمان والمكان والأبعاد.
* * *
كتاب تول، وهو الثاني بعد كتابه الأول الذي لا يقل ورعة The Power of Now، وصفة مضمونة لمغادرة جحيم الآلام والعذابات والصراعات والحروب التي يُسببها الأنا الفردي والأنا الجماعية لكل البشر، وخريطة طريق إلى السلام الداخلي وعالم أفاتار.

                                                                                        سعد


                                                                                        سعد محيو


(*) Eckhart Tolle: A new earth: Awakening to your life’s purpose .Penguin books



الثلاثاء، 21 أغسطس 2012

لماذا تتمنَّع أميركا عن اسقاط النظام السوري؟ إسألوا إسرائيل





- I -
الكثيرون في الشرق الأوسط سيصفِّقون لتصريحات الرئيس الأميركي أوباما أمس (20- 8-2012) والتي هدّد فيها للمرة الأولى بالتدخل العسكري في سورية "إذا ما استخدم فيها النظام، أو حتى حرّك، الأسلحة الكيمائية. هذا خط أحمر بالنسبة إلينا".

( أوباما ينتظر قرار نتنياهو ليتخذ هو قرارا (الصورة من غوغل

مبرر التصفيق واضح: فهذه المرة الأولى منذ 18 شهراً متواصلة من الانتفاضة السورية التي يصدر فيها بيان أميركي من هذا النوع. وهي المرة الأولى أيضاً التي يتحدث فيها الرئيس الأميركي عن احتمال "تغيير الحسابات الأميركية" حيال الوضع في سورية.
كل هذه "المرات الأولى" تبدو إيجابية بالفعل. لكن مهلا: لمصلحة من يصب هذا الموقف الأميركي الجديد، أو بالأحرى لماذا فاجأ أوباما الجميع بهذا الموقف الذي يسير تماماً في عكس كل البيانات الأميركية، من البنتاغون إلى وزارة الخارجية ومن السي. أي. آي إلى مجلس الأمن القومي، والتي كانت تُشدِّد كلها على أن أميركا لاتنوي التدخل في الشأن السوري؟

- II-
هناك تفسير واحد مقنع وراء هذه الخطوة: حماية أمن إسرائيل.
فأوباما، في بيانه، لم يقل أنه سيتدخل لإنقاذ أرواح عشرات السوريين التي تزهق كل يوم، ولا لمساعدة الشعب السوري على نيل حرياته الديقراطية، بل ركزّ فقط على نقطة يتيمة: "منع الأسلحة الكيمائية من الوقوع في أيدي قوى أخرى" (يقصد الأصوليين الإسلاميين). وبالطبع، أمن إسرائيل سيكون مهدداً إذا ما حدث ذلك.
أكثر من هذا. كان العديد من المحللين يشكّون بأن الولايات المتحدة ليست حازمة وجادة في دعواتها إلى تغيير النظام السوري، لأن الدولة العبرية لاتزال حتى الآن تعارض هذه الخطوة. فهي طيلة نيف و40 سنة "مرتاحة" لخدمات هذا النظام في الجولان، وضد الفلسطينيين واليساريين في لبنان وخارجه، وغيرها من الخدمات الاستراتيجية والأمنية التي وفّرها النظام لها.
الدليل على هذه الحقيقة ورد في تقرير هام لمؤسسة الشرق الأوسط ( Middle east institute)
الأميركية للأبحاث الدولية والاستراتيجية، جاء فيه:
"روسيا لاتعتقد أن إدارة أوباما، ولاحتى أي إدارة جمهورية قد تصل إلى البيت الأـبيض، مهتمة حقاً بإسقاط النظام في سورية. ولايعود السبب فقط إلى اعتبارات محلية أميركية (الانتخابات الرئاسية، والتعب من الحرب) بل أولاً وأساساً بسبب المضاعفات السلبية التي قد تلقي بظلالها على إسرائيل في حال سقط النظام. ولو أن واشنطن كانت جادة حقاً في إسقاط هذا النظام، لكانت شكّلت تحالف مريدين لضرب الأسد، سواء بموافقة مجلس الأمن الدولي أم لا".
أمر آخر.
في تحليل لنيويورك تايمز، تمت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة، وعلى عكس كل البيانات الرسمية الأميركية، لم تزوِّد المعارضة المسلحة السورية بأي معدات "غير قاتلة"، ولا حتى الـ900 هاتف فضائي الذي أدّعت وزيرة الخارجية كلينتون أن واشنطن نقلتها إلى الثوار.
لماذا؟
مرة أخرى، ليس هناك سوى تفسير واحد: إسرائيل لاتزال تعارض المعارضة السورية، وتدعم نظربة "أمن إسرائيل" من أمن سورية" التي أطلقها الملياردير رامي مخلوف، قريب الرئيس السوري بشار.
- III -
كل هذه المعطيات تؤكد ماليس في حاجة إلى تأكيد منذ عقود: ليس هناك سياسية خارجية أميركية في الشرق الأوسط. فقط هناك سياسية خارجية أميركية تقررها إسرائيل في المنطقة، خاصة في المجال الحيوي لـ "الأمبراطورية الإسرائيلية " الذي يضم سورية ولبنان والأردن وفلسطين وشمال العراق.
وإذا ماحدث وقررت الولايات المتحدة في مرحلة ما التدخل العسكري في سورية، فهذا سيعني أن إسرائيل فقدت الأمل من إنتصار نظام الأسد، ونفضت يدها منه، وبدأت تبحث عن بدائل.

                                                                                سعد

الاثنين، 20 أغسطس 2012

الأردن: هل ارتكب الملك "خطأ استراتيجيا"





- I -
هل عُلِّق الأصلاح الديمقراطي في الأـردن إلى مالانهاية، وهل قرر الأردن أن يسير على نهج المَلَكِيات الأخرى في دول الخليج، بدل أن يحذو حذو المَلَكِية المغربية؟


الإجابة على هذا السؤال تأتي سريعاً من أقطاب المعارضة، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين الذين قرروا مقاطعة الانتخابات في أواخر السنة الحالية وقد تتبعهم العديد من الاحزاب اليسارية والليبرالية. فهم يقولون أن قانون الانتخاب الجديد الذي صادق عليه الملك عبد الله الشهر الماضي، سيُعيد انتاج برلمان تُهمين عليه المصالح القبلية الضيقة المستندة إلى النظام الزبائني. ويضيفون أن وعد الملك بتعيين رئيس للحكومة بالتنسيق مع البرلمان الجديد، لم تعد تعتبر خطوة في الطريق القويم نحو الإصلاح، بعد أن ضمن الملك هيمنته على البرلمان.
أما أنصار القانون الانتخابي فهم يروون قصة أخرى، غير تلك التي يروّجها الخصوم الذين يقولون أن هذا القانون يشوّه التمثيل الشعبي حين يعطي المناطق القَبَلِية قليلة السكان تفوقاً كاسحاً على المدن المكتظة بالسكان.  يقول الأنصار أن خطوة الملك كانت حكيمة وحصيفة للغاية، لأنها متطابقة مع الإرادة الشعبية التي ترى مايجري من مآسٍ في سورية، فتفضِّل الأمن والاستقرار على الإصلاح الديمقراطي والحريات.
من نصدِّق؟
- II -
من زاوية براغماتية، يبدو الملك بالفعل حصيفاً. فالشعب الأردني، كما دلّت محدودية المظاهرات المتواصلة المطالبة بالديمقراطية المتواصلة منذ أشهر عدة، ربما يخشى حقاً من حال اللاإستقرار، ولايزال يمحض النظام الملكي فرصة اختيار موعد الإصلاح. ثم جاءت الأزمة السورية لتعزز بقوة هذا المنحى.
علاوة على ذلك، يستطيع البلاط أن يراهن على دعم خارجي قوي. فالولايات المتحدة تحتاج قواته الخاصة وأجهزة مخابراته لمواجهة احتمال تفكك سورية ووقوع الأسلحة الكيمائية في أيدي الأصوليين المتطرفين. كما في وسعه الاسترخاء في أحضان دول الخليج، التي كانت طرحت أصلاً عليه الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي كجزء من خطتها لتحصين هذه الدول ضد عواصف الربيع العربي.
بيد أن محصلات هذه الحصافة الملكية قد تكون آنية وقصيرة العمر، لأسباب عدة قد تجعلها تنقلب إلى عكسها:
1- فإذا ما قررت أحزاب المعارضة مواصلة مقاطعة الانتخابات، المرجح حينها أن تنخفض نسبة المشاركة الشعبية إلى أقل من 50 في المئة. وحينها ستكون مسألة شرعية ومقبولية النظام موضع تساؤل كبير وشك أكبر.
2- الرهان على استمرار الخفوت الشعبي، أشبه بالرهان على الطقس الصحراوي الذي قد تهب فيه العواصف من دون سابق إنذار. فالمزاج الشعبي يتغيّر بسرعة، خاصة في ضوء الأعاصير الديمقراطية التي تجتاح المنطقة من أقصاها إلى أقصاها. ولاننسى هنا أن الأردن بلد صحراوي، وأن الجغرافيا تؤثر بقوة على التاريخ والسياسة.
3- صحيح ان صور المذبحة السورية مرعبة، لكن وراء هذه الصورة ثمة مشهد لشعب يقاتل بكل جوارحه من أجل الحرية، ويوفّر لشعوب المنطقة خريطة طريق لإطاحة أعتى الأنظمة السلطوية والاستبدادية. وحين يبدأ الشعب السوري موسم حصاد هذه التضحيات الجسام وينطلق نحو تجربته الديمقراطية الخاصة (مهما كان شكلها الدستوري)، سيصل الدرس سريعاً إلى كل مكونات الشعب الأردني.
4- لقد كان الملك عبد الله أول مسؤول عربي رفيع يدعو الرئيس بشار الأسد إلى التنحي. فهل فعل ذلك لمجرد إطلالته على موازين القوى المحلية والدولية، أم لاقتناعه بأن حبل الاستبداد قصير؟
5- تجميد الإصلاح سيؤدي على الأرجح إلى عكس النتائج المرجوة منه، ومن بينها الاستقرار، في لحظة تاريخية حرجة للغاية. فالأردن كان يحتاج في مثل هذه اللحظة إلى وحدة وطنية عليا تستند إلى الرضى والمقبولية العامة، لا إلى مقاطعات وإنشطارات مجتمعية وسياسية، لتحصين البلاد من العواصف.
- III -
ماذا يعني كل ذلك؟
أمر واحد: خطوة الملك كانت إيجابية تكيتكياً (بالنسبة إلى النظام) ، لكنها سلبية وخطيرة استراتيجياً. إذ يبدو أن العاهل الهاشمي استعمل أدوات تحليل قديمة لفهم معطيات جديدة كل الجّدة. وأي نظرة طائرة إلى مايجري في المنطقة من تونس والمغرب إلى مصر، كافية لتوضيح هذه النقطة.
غلطة الشاطر هذه المرة، قد تكون بأكثر من ألف، مالم يتم تدراكها.

                                                                                سعد