للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الخميس، 26 يوليو 2012

الإمارات: بين "جنرالات الأمن" وعقلاء السياسة

                                        - I -
ماذا يعني تواصل حملة الاعتقالات في الإمارات؟
أمر واحد في الواقع: استمرار هيمنة المجابهة الأمنية لمشكلة سياسية هي على الأرجح متوهّمة، أو على الأقل مضخمة، إلى حد كبير.


فلا أحد في الإمارات، أو حتى في خارجها، لايعلم أن الغالبية الكاسحة من الأماراتيين راضية عن واقعها الحالي الذي يستند في الدرجة الأولى إلى عطاءات وضمانات ضخمة توفّرها الدولة لمواطنيها. ولا أحد أيضاً لايدرك أن جماعة الإخوان المسلمين (عبر جمعية الإصلاح وغيرها) لن تستطيع في أي يوم أن تشكّل تهديداَ جدياً ما للنظام، ليس لأنها ضعيفة فقط بل أيضاً بسبب قوة الولاءات القَبَلِية في البلاد.
قد يقال هنا أن جماعة الإخوان قد تستطيع اختراق هذا النسيج الاجتماعي- السياسي المتلاحم، عبر استغلال الفروقات الشاسعة بين الإمارات الغنية والفقيرة، أو بعض السلوكيات الاجتماعية المنفلتة من عقالها في إحدى الإمارات.
ربما كان هذا صحيحاً، خاصة وأنه تبين (على سبيل المثال) أن أحد المعتقلين الإسلاميين هو من أقارب أحد شيوخ إمارة فقيرة. لكن هذا لايشكّل حدثاً بل هو مجرد حادث. بمعنى أن بعض الشيوخ هم الذين يستخدمون المحتجين لا العكس. وهذه  رسالة من تحت الماء للحصول على المطالب "من فوق". رسالة تؤكد البنية القبلية التي يستند إليها النظام بدل أن تنفيها.

                                        - II -
ثمة، إذا، مبالغة بالفعل في تصوير الخطر الأمني على الإمارات. وهي مبالغة هددت في مرحلة ما العلاقات الخارجية برمتها للدولة مع دول الربيع العربي وفي مقدمها مصر، خاصة بعد التصريحات الملتهبة الأخيرة لقائد شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان.
ومع أن وزير الخارجية الشيخ عبد الله سارع إلى استيعاب هذا الخطر آنذاك، إلا أن استمرار الاعتقالات، يشي بأن العقلية الأمنية البحتة لاتزال لها اليد العليا في التعاطي مع تطورات وأبعاد الربيع العربي. وهذا تكتيك من شأنه أن يضر على نحو بالغ بالوضع الاستراتيجي للإمارات.
لماذا؟
لأن جعل السياسة الخارجية أسيرة التحليلات والتوجهات الأمنية، قد يضع الإمارات في نهاية الأمر على خط الزلازل والمجابهات في المنطقة العربية، أو حتى في عكس تيار التاريخ الدولي والإقليمي الراهن.
بعض المسؤولين الإماراتيين ربما غضبوا من تخلي الولايات المتحدة عن حليفها الرئيس في المنطقة حسني مبارك، أو شعروا بالحنق والقلق من الحلف المشروط الجديد الذي أبرمته واشنطن مع جماعات الإخوان المسلمين في المنطقة. بيد أن الغضب والحنق لم يكونا يوماً الأداة الأمثل لمجابهة التحديات، ناهيك عن أنهما لايقدِّما أو يؤخّرا في شيء تفاعلات الوضع الدولي الجديد.

- III -
الأمر في حاجة إلى وقفة تأمل عميقة هذه الأيام في أبوظبي حول دور السياسة والأمن في هذه المرحلة. وهي وقفة سرعان ماقد تجعل المسؤولين الإماراتيين يدركون أن تحصين الوضع الداخلي لايكون بتكوير القبضة الأمنية وإطلاق العنان لها، بل بتعزيز اللحمة الاجتماعية- السياسية بين الحكّام والمحكومين، عبر فتح النظام السياسي الحالي أمام تطويرات لا بد منها في مجال المشاركة.
مثل هذه التطويرات ليست خياراً بقدر ما هي ضرورة، بعد أن تبيّن لكل من يريد أن يرى أن الربيع العربي يترعرع في أحضان قرار دولي من أعلى المستويات، وأن من يريد أن يقاوم هذا القرار سيكون كمن يسعى إلى السباحة في حوض لا ماء فيه.
لقد اعتاد ليون تروتسكي أن يقول: "قد لاتكون أنت مُهتم بهذه الحرب، لكن الحرب مُهتمة بك".
وبالمثل، قد لاتكون الإمارات مُهتمة بالقرار الدولي حول الإصلاحات، لكن هذا القرار مُهتم بها.
والمدخل إلى المصالحة بين مايريده القرار الدولي وبين ماترغبه دولة الإمارات، يبدأ وينتهي بجملة واحدة: أولوية السياسة على الأمن. فـ"حرب" الربيع العربي أخطر بكثير من أن توضع بين أيدي "جنرالات الأمن".

                                                                                          سعد








الأربعاء، 25 يوليو 2012

هل تعرفون من يحكُمكم ويحكُم العالم حقا؟





- I -
لم يسبق لكاتب هذه السطور أن سمع قبل الان بجمعية سرية إسمها " مونت بيليرين" ، إلى أن قرأنا مؤخراً دراستين عنها للكاتبين البريطانيين جورج مونيبيوت وديفيد هارفي.
في  الدراستين يتكشَف أن مؤسس هذه الجمعية هو فريدريك فون هايك، الذي ينتمي إلى جمعية أخرى أكثر سرية، وأن " مونت بيليرين " ( وهو إسم منتجع في سويسرا) عقدت أول إجتماع لها العام 1947 . بيد أن هذا الإجتماع كان كافياً لتغيير العالم ودفعه إلى ما هو عليه الان.
ماذا حدث في الإجتماع؟


تقرر الآتي:العمل على نسف دور الدول والحكومات في إدارة الشؤون الإقتصادية، وإزالة كل\ وأي عقبة تعترض سيطرة المصارف والشركات الخاصة العملاقة وكبار رجال الأعمال على جداول الأعمال التجارية والإقتصادية والسياسية.
وهكذا ولدت في " مونت بيليرين"  قبل 60  عاماً فلسفة الليبرالية الجديدة التي تطبق الأن في كل أنحاء الكرة الأرضية،  بصفتها الصيغة الاخيرة لـ "نهاية التاريخ" ولبنية النظام العالمي. وبما أن فون هايك وأركان حربه كانوا يدركون سلفاً أن هذه الفلسفة الجديدة ستحظى بمقاومة شديدة، بسبب تقويضها كل المكاسب الإجتماعية والتأمينية التي حصلت عليها البشرية عبر تطبيق سياسة جون ماينارد كيننز القائمة على تدخل الدولة، فقد إقترحوا وضع خطط مفصلة " لتغيير قلوب والناس عقولهم من الأن وحتى جيل كامل" لحملهم على قبولها.

- II -
الخطط نجحت بعد أن انفقت الجمعية مئات ملايين الدولارات لتأسيس مراكز الأبحاث والأكاديميات الإقتصادية التي تروَج لفلسفة اللييرالية الجديدة، مثل مؤسسة " هاريتيج" و " هوفر" و " أميركان إنتربرايز"  و" مؤسسة الشؤون الإقتصادية"  و " مركز أدم سميث " في بريطانيا. هذه المراكز طوّرت الأفكار واللغة التي ستسيطر لاحقاً على العقول،  مثل الديمقراطية الإستهلاكية، والحكومة الكبيرة، وثقافة التعويض، وبناء الثروات وخفض الضرائب. وكل هذه التعابير باتت  السائدة حالياً في العالم بين الأكاديميين والسياسيين والمواطنين على حد سواء.
ويوضح جورج مونيبيوت ان "الهدف الحقيقي لخطط جمعبة مونت بيليرين لم يكن حتماً إطلاق النمو الإقتصادي، بل إعادة كل الثروات إلى " النخبة العالمية " . هذا في حين يشير ديفيد هارفي إلى أن تطبيق سياسات الليبرلية الجديدة أدى إلى تحولات كبرى في ملكية ثروات العالم، ليس فقط بين الـ 1 في المائة الذين يسيطرون على جل  الإقتصاد العالمي، بل حتى أيضاً بين العشرة بالمائة الأوائل من فئة الـ 1 بالمائة هذه. وعلى سبيل المثال،  كبار الإغنياء في اميركا الذين لا تتجاوز نسبتهم  0،1 في المائة من إجمالي الشعب الاميركي، باتوا مع الليبرلية الجديدة أكثر ثراء مما كانون عليه قبل عشرينيات القرن العشرين( أي قبل تطبيق فلسفة كينز التدخلية).
وفي المقابل، كانت الفجوة بين الأغنياء والفقراء في كل العالم، وليس فقط في العالم الثالث، تتوسع بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، وتغرق العديد من الدول إما في لجج  ديون كاسحة( كاليونان واسبانيا وإيطاليا، وكذلك  حتى بريطانيا التي بلغت ديونها أكثر من 1،35 تريليون دولار)، أو في الحروب، أو في الأضطرابات الأجتماعية. وهذا ما كان يسمح لـ "النخبة العالمية "، بجني المزيد من الأرباح، وباللعب على التناقضات بين كل الأطراف المتصارعة في العالم لإحكام السيطرة عليها.

- III -
من هي هذه  " النخبة العالمية " ؟
إنها ليست فقط المصارف الكبرى التي تتحكم بكل شاردة وواردة في إقتصادات العالم، ولا مدراء الشركات متعددة الجنسية، ولا حفنة العائلات ( مثل روتشيلد وروكفلر ومورغان.. الخ)، بل أيضاً  الجمعيات السرَية التي هي في أساس كل هذا الهرم الإقتصادي العملاق.
مونت بيريلين، ليست سوى واحدة من عشرات الجمعيات السرية الأخرى، مثل الجمجمة والعظمة( التي ينتمي إليها الرئيس السابق بوش) والماسونية وفرسان مالطا وغيرها، التي تضع خططاَ قد يصل مداها الزمني إلى 50 و100 سنة والتي تستهدف أمرين إثنين: إحكام سيطرة حفنة من الرجال( النساء ممنوعون من الصرف في هذه الجمعيات) على العالم، والتمهيد لإقامة نظام عالمي جديد (وربما دين عالمي جديد) يداران من مراكز خفية إما في سويسرا أو الولايات المتحدة.
كل هذه الجمعيات وجوه لعملة واحدة. وحين تقرر إحداها خطة عمل ما، تتداعى لها سائر الجمعيات الأخرى بالسهر وحمى الدعم والتنسيق.
مونت بيريلين، والتي ينتمي إليها الإقتصادي الليبرالي الشهير فريدمان، هي الان الحاكم الحقيقي للعالم، وليس جورج بوش. او هذا على الأقل ما يراه  جورج مونيبيوت وديفيد هارفي.
هل هما  على حق؟
حتماً !

                                                                              سعد


الثلاثاء، 24 يوليو 2012

ثاني الخطايا الاستراتيجية:"الأسد الكيميائي"







 النظام السوري في ثاني خطاياه الاستراتيجية:
"الأسد الكيميائي"

- I -
هل ارتكب النظام السوري "خطيئة عمره" الثانية (بعد خطيئة فرض الحل الأمني- العسكري على الانتفاضة الشعبية)، باعترافه العلني بامتلاك أسلحة كيميائية؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. لكن قبل ذلك، إشارة إلى أن الرئيس بشار الأسد، على الأقل، لايبدو أنه يعتبر الأمر على هذا النحو، في خضم اندفاعته لـ"تطمين" إسرائيل والولايات المتحدة بأنه لايزال قادراً على حماية وصيانة أسلحة الدمار الشامل هذه.
إسرائيلياً، وصلت الرسالة وبشكل إيجابي. إذ نسبت صحيفة "هاآرتس" إلى مصدر أمني إسرائيلي رفيع أن تل أبيب تبلّغت من دمشق بأن عملية تحريك الأسلحة الكيميائية من مخازنها، تم بهدف نقلها إلى أماكن أكثر أمنا وليس لتسليمها إلى حزب الله أو غيره من المنظمات.
والأرجح أن واشنطن تلقت تطمينات مماثلة.
لكن،  وطالما أن دمشق قامت بسلسلة هذه التطمينات سراً، لماذا عمدت إلى إصدار بيان رسمي من وزارة خارجيتها، تؤكد فيه أنها لن "تستخدم هذه الأسلحة ضد مواطنيها بل ضد أي تدخل خارجي"، وأن تعترف في سياق ذلك بامتلاك مثل هذه الأسلحة المحرّمة دوليا؟
- II -
غالب الظن أن الحافز وراء ذلك كانت روسيا، حيث كانت وردت معلومات قبل هذا بيان الخارجية بأيام تشير إلى أن موسكو حذّرت الأسد من أنها لن تستطيع أن تحميه من حملة عسكرية أطلسية إذا ما استخدم الأسلحة الكيميائية، أو  إذا ما فقد السيطرة ولو على جزء منها، أو حتى إذا ماهدد باستخدامها ضد شعبه.
على أي حال، وكيفما جرت الأمور، باتت الأسلحة الكيميائية السورية (لايعتقد أن سوريا تمتلك بالفعل أسلحة بيولوجية أو جرثومية) من الآن بنداً رئيساً من بنود الأزمة السورية بشطريها المحلي والإقليمي. لا بل هي قد تتحوّل إلى لحظة من اللحظات إلى بند أول إلى الأجندة الدولية، في حال تدهورت، كما هو متوقع، الأوضاع الأمنية في سورية.
       على أي حال أيضاً، من الواضح أن الولايات المتحدة أعدت العدة بالفعل للسيناريوهات              الخاصة بهذا البند. أو هذا على الأقل ماكشف النقاب عنه مايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، الذي حدد الاستراتيجية الأميركية للتعاطي مع هذه الأمر بأربعة عناصر هي: الردع، المساعدة، الاحتواء، والإزالة:
  • الردع. ينبغي على واشنطن أن تقنع نظام الأسد بأن استخدام الأسلحة الكيميائية سوف يغير قواعد اللعبة، وقد يؤدي إلى تدخل عسكري دولي فوري. كما ينبغي لها أن تنشر أنباء بين قوات الأمن التابعة للنظام بأنه ستتم ملاحقة الضالعين في استخدام الأسلحة الكيميائية ومعاقبتهم، بينما أولئك الذين يرفضون استخدام تلك الأسلحة سيلقون المساعدة إذا اختاروا الهروب من البلاد أو سيتم إعفائهم من العقاب في حالة سقوط النظام.
  • المساعدة. في سبيل التعامل مع خطر تسريب الأسلحة، ينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل بهدوء مع روسيا - اعتماداً على تاريخهما من التعاون في مبادرات عديدة للحد من التهديدات - من أجل أن يعرضا على سوريا وسائل متعددة لتحمل المسؤولية والتحكم في مخزونها من الأسلحة الكيميائية. وفي حين أنه ليس لدى الولايات المتحدة مصلحة في تعزيز وضع الأسد، إلا أن لها مصلحة في احتفاظ النظام بسيطرته على مخزونه من الأسلحة الكيميائية طالما بقي في السلطة (بصورة مماثلة لما عرضته الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي من تكنولوجيا لمساعدتها على تأمين ترسانتها النووية خلال الحرب الباردة، من أجل تجنب الاستخدام العارض أو غير المصرح به).
  • الاحتواء. ينبغي على الولايات المتحدة أن تواصل العمل مع جيران سوريا من أجل إحكام السيطرة الأمنية على الحدود وضمان عدم تسرب الأسلحة الكيميائية إلى خارج سوريا. ويشمل ذلك الاستعداد لدعم الجهود العسكرية من جانب الحلفاء لمنع التسريب المنظم للذخائر الكيميائية إلى خارج البلاد.
  • الإزالة. وأخيراً، ينبغي على واشنطن - إن لم تكن قد فعلت ذلك بالفعل حتى الآن - أن تبدأ بالتخطيط لتحديد مواقع مخزون الأسلحة الكيميائية السورية وبنيتها التحتية وتأمينها وإزالتها إذا فقد النظام السيطرة على منشآت الأسلحة الكيميائية أو إذا تداعت تلك المنشآت كلية. كما ينبغي عليها الاستفادة من دروس العراق وليبيا بثلاثة طرق: أولاً، عن طريق الإعداد لاحتمال أن تكون المعلومات الاستخباراتية الحالية بشأن الأسلحة الكيميائية السورية غير صحيحة بشكل كبير؛ وثانياً، من خلال الإدراك بأن التخلص من مخزون الأسلحة الكيميائية السوري وبنيتها التحتية قد يتم في ظل ظروف غير مستقرة، بل ربما قد تسودها أجواء العنف قبل أو بعد سقوط النظام؛ ثالثاً، عن طريق دراسة طرق لإيجاد فرص عمل مربحة لمهندسي وعلماء الأسلحة الكيميائية السوريين الرئيسيين (مثلما حدث مع نظرائهم في روسيا والعراق وليبيا) بحيث لا توظفهم دول أخرى محل قلق.
- III -
نعود الآن إلى سؤالنا الأولي: هل اعتراف دمشق بامتلاكها الأسلحة الكيميائية كانت "خطيئة عمرها" الثانية؟
الأرجح أن الأمر كذلك. فخوف النظام السوري من فقدان الدعم الروسي، دفعه إلى الكشف عن أوراق كان لايجب أن يكشف عنها. لكن هذا سيزيد الطين بلة لاحقاً بالنسبة إليه، حيث أن شكل الحوار السجالي بين واشنطن وموسكو حول الأزمة السورية سيكون مختلفاً للغاية. إذ لن يكون في وسع موسكو بعد الآن أن ترفض أي تدخل خارجي إذا ماكان شعاره انقاذ الأمن الدولي من أسلحة الدمار الشامل.
لقد ارتكب الرئيس الأسد، بتحوّله إلى "الأسد الكيميائي"، خطيئة استراتيجية لم يرتكبها لا الرئيس العراقي صدام حسين ولاحتى العقيد معمر القذافي في ذروة الحصار الغربي لهما. وهي خطيئة كانت ستكون كارثية في زمن السلم، فما بالك إذا ما وقعت في زمن تتحوّل في الأزمة السورية بشكل متزايد إلى مجابهة محلية- إقليمية- دولية شاملة ومفتوحة؟

                                                                                سعد


الاثنين، 23 يوليو 2012

"معركة" القرن 13 استُؤنفت، واليد العليا للإسلام الليبرالي




- I -
يُجمع الآن معظم المحللين الغربيين، كما الشرقيين، على أن أبواب التاربخ أشرعت على مصراعيها أمام صراع من نوع جديد لاسابق له بين الإسلام الليبرالي والديمقراطي وبين الإسلام التقليدي أو السلطوي.
كما ثمة إجماع آخر على أن محصلات هذا الصراع ستحدد مصير الشرق الأوسط الأسلامي  وعلاقته بالنظام العالمي (وامبراطورية العولمة) من الآن وحتى عقود طويلة مقبلة. إنه (الصراع) أشبه بإعادة رسم خطوط المعركة التي نشبت في القرن الثالث عشر بين الاسلام العقلاني الذي رسم معالمه إبن رشد والمعتزلة والذي كان في أساس النهوض الهائل للحضارة والعلم في الحضارة الإسلامية، وبين الاصوليين الانغلاقيين بزعامة الإمام الغزالي (تهافت الفلاسفة) وابن تيمية وصحبهما الذين أغلقوا باب الاجتهاد وكلّسوا الفكر الإسلامي طيلة ثمانية قرون متصلة.
لكن، من هو هذا الإسلام الليبرالي؟ مامكوناته؟ وما فرص نجاحه هذه المرة؟

ابن رشد: عودة العقلانية من الباب السياسي( الصورة من غوغل)

  الاسلام الليبرالي كان، ولايزال، متجذرا في التربة الشرقية الاسلامية. ونحن هنا لانتحدث فقط عن تجربة النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، بل أيضا  حتى عن  المراحل التي شهدت صعود الاسلام السياسي الاصولي المتطرف في اواخر القرن العشرين.
فعلى برغم أن جل الدراسات والمفاهيم في الغرب تتركز على الاسلام الراديكالي والحركات الاصولية، الا ان الكثير من المسلمين يتبنون مبادىء يمكن وصفها بشكل عام بانها "اسلام ليبرالي". وهذا الاخير يشير الى تفسيرات واجتهادات خاصة تتعلق بقضايا مثل الديمقراطية، وفصل الدين عن التعقيدات السياسية، وحقوق المرأة، وحرية الفكر، وتعزيز التقدم البشري. في كل قضية من هذه القضايا، ثمة اجماع بأن كلا من المسلمين والايمان الديني يفيدون من الاصلاحات ومن وجود مجتمع متفتح. وهذه المواقف تسير بشكل مواز مع الليبرالية في ثقافات اخرى، وكذلك مع الحركات الليبرالية في العديد من الاديان الاخرى.
والارجح الآن بعد صعود الربيع العربي برعاية غربية، ان تنمو هذه التوجهات لتصبح هي المهيمنة، وذلك بسبب جملة من العوامل مثل الظروف الدولية والحداثة والتطور في المجتمعات الاسلامية. أي الاسباب نفسها التي أدَّت الى بروز الليبرالية في الغرب.
- II -
الليبرالية في الاسلام والليبرالية في الغرب يتقاسمان عوامل مشتركة، لكنهما ليسا الشيء نفسه. فكلاهما قد يدعم التعايش في التعددية الدينية، على سبيل المثال، لكن كل بطريقته الخاصة.
وفي داخل الخطاب الاسلامي ، هناك ثلاثة محاور يدعوها الباحث الاميركي أنطوني كوردسمان :
n      الشريعة الليبرالية.
n      شريعة الصمت
n      شريعة الاجتهاد

الشريعة الليبرالية تجادل بان القرآن الكريم والسنة النبوية تحضّان على الممارسات الليبرالية. وعلى سبيل المثال، ينطلق المفكر الاسلامي التركي علي بولا من الآية الكريمة "لكم دينكم ولي دين"، وكذلك من "وثيقة المدينة" بين النبي محمد واليهود، ليقول ان الاسلام في جوهره يعزز التعددية ضمن الوحدة. لا بل هو منارة التوجهات التعددية.
وينحو المفكر الماليزي تشاندرا مظفر المنحى نفسه، فيستند الى آيات قرآنية عديدة ليخرج منها بحصيلة مهمة وهي ان الاسلام يعادي كل انواع التمييز في العلاقات بين الاديان. وبالتالي أي ممارسات تمييزية تعتبر لا أسلامية، . اذ لا يمكن ان يكون هناك تمييز يستد الى الدين في النظام الاسلامي".
شريعة الصمت تقول ان التعايش ليس منصوصا عليه في الشريعة، لكنه مسموح به. وهي تجادل بان الشريعة تصمت حيال بعض القضايا، ليس لأن الوحي كان ناقصا بل لأنه ترك عن عمد بعض القضايا كي يختار بينها البشر.
وعلى سبيل المثال، يقول الاسلامي الهندي همايون كبير ان السوابق التي حدثت في الفترات المبكرة للاسلام، لا تنطبق بشكل فوري على الفترات الللاحقة. فالوضع تغيّر مع انتشار الامبراطورية الاسلامية السريع في مناطق شاسعة من آسيا،  والعديد من المشاكل العملية برزت ، وتعين على الفكر الاسلامي ان يجد مكانا للرعايا غير المسلمين في الدولة الاسلامية. وهذا ادى في الهند مثلا الى ادانة الاكراه في الدين والى احترام كل الاديان الاخرى.
وبالمثل، يعتبر الاندونيسي عبد الرحمن وحيد، رئيس اكبر منظمة اسلامية في العالم، الدستور الاندونيسي اكثر ملاءمة من دولة اسلامية حصرية، لأنه يتوافق مع التعدد الثقافي في اندونيسيا المعاصرة. وهو كتب يقول انه "ثمة حاجة لاتخاذ خطوات تقاوم تدهور العلاقات بين مختلف الاديان والمذاهب في اندونيسيا، والخطوة الاولى نحو ذلك تكمن في الدفاع عن الحريات الديمقراطية". فبادىء ذي بدء، يجب استعادة الاحترام المتبادل بين اصحاب مختلف الانتماءات، استنادا الى المبادىء القانونية الاساسية المتعلقة بحرية التعبير (حتى بالنسبة للاقليات الصغيرة جدا) ، وحكم القانون والمساواة امام الدستور.
وهكذا، فان النقطة الجوهرية الاولى في الاسلام الليبرالي تشدد على ان الشريعة تتطلب الديمقراطية، فيما تقول شريعة الصمت انها تسمح بها. ووفقا لهذا الرأي "الدين مقدس، لكن تفسيراته بشرية وتنتمي الى هذا العالم" ،  كما يقول الاسلامي الايراني عبد الكريم سوروش، الذي يضيف :
"ان النص ليس حيزا منفصلا او معزولا عن غيره ، وهو لايحمل معناه على كتفه، بل يحتاج الى ان يوضع في سياق. والنصوص الدينية ليست استثناء هنا. ولذلك ، فتفسيرها يخضع للتوسع او التقلص وفقا للافتراضات التي تسبقها او الاسئلة الى تثيرها. اننا ننظر الى الوحي في مرآة التفسير، تماما كما ينظر العالم الى الخلق في مرآة الطبيعة. وهذا يمهد الطريق امام الديمقراطية الدينية والتوحيد التجاوزي للاديان استنادا الى التعددية الدينية".
ويستند المفكر الاسلامي الجنوب افريقي ، فريد ايزاك، الى نص لعلي بن ابي طالب يقول فيه ان النصوص الدينية ليس لها لسان وتحتاج الى تفسيرات والمفسرون هم البشر،  ليقول ان هذا كان في اساس التعددية في الاسلام.
وبالمثل، يقول المفكر المصري حسن حنفي انه ليس هناك تفسير واحد للنص، بل تفسيرات عدة بسبب الاختلافات بين سائر المفسرين. وبالتالي فان أي تفسير للنص هو بالضرورة تعددي، وكل تفسير يعبر عن التزامات   المفسّر الاجتماعية – السياسية".

- III -

يلاحظ كوردسمان عن حق ان قلة من هؤلاء المفكرين الذين اوردنا اقوالهم قرأوا اعمال بعضهم البعض. وهذا يدل على ان المواقف الليبرالية تظهر بشكل مستقل في كل انحاء العالم الاسلامي. وهذا الظهور المتزامن ناجم عن تحولات تاريخية خلال العقود الاخيرة.
من هذه التحولات انتشار التعليم العالي الذي كسر احتكار المؤسسات الدينية التقليدية للدراسات الدينية. فملايين المسلمين لهم الآن مداخل على النصوص والتعليقات من غير ان يكونوا رجال دين، مثل المهندسين (السوري محمد شحرور والايراني مهدي بازركان) والفلاسفة (الجزائري – الفرنسي الراحل محمد أركون، التونسي راشد الغنوشي) وعلماء اجتماع (مثل الايراني على شريعتي والماليزي تشاندرا مظفر).
وقد اسفر انتشار الانترنت الى تمكين أي كان من البحث بنفسه عن مصادر الشريعة والتدقيق بتفسيراتها المختلفة. هذا اضافة الى الاستنارة بآراء مفكري الثقافات الاخرى.
وهكذا فان الاسلامي الاندونيسي نور شوليش مجيد يدافع عن حرية الفكر وحرية التعبير ويعتبرهما اهم مدخل الى الحقيقة، استنادا الى نصوص للنبي محمد وايضا للقاضي الاميركي اوليفر هولمس.
وقد برز التأثير الواضح للتكنولوجيا في حفز التغيير في العالم الاسلامي، من خلال الضجة التي اثيرت عبر اثير الانترنت بعد اعتقال نائب رئيس الوزراء الماليزي السابق أنور ابراهيم، الذي ترافق انتقاله من الحركات الاسلامية الراديكالية الى الحركات الاسلامية الاصلاحية والليبرالية مع اعتماده المتزايد على نصوص من وليام شيكسبير ومن رواد ثقافات اخرى. لقد بدأ ابراهيم حياته السياسية في حركة دينية راديكالية جعلت الماليزيين من اصل صيني  هدفا للعداء. لكنه في السنوات الاخيرة اصبح داعية من دعاة التعايش الديني في كل من ماليزيا والعالم.
ويقول ابراهيم هنا : "ان تجربة الاسلام المعاصر في جنوب شرق آسيا، لديها الكثير لتقوله ليس فقط للمسلمين في المناطق الاخرى بل ايضا للعالم ككل. وهذا يعود الى الحقيقة بان المسلم الملتزم في جنوب شرق آسيا يمارس دينه في اطار عالم تعددي حقا. وفي ماليزيا على وجه الخصوص لا يغيب عن بال مسلم ابدا حقيقة وجود اديان اخرى واناس ينتمون الى هذه الاديان.

الفشل

هناك عامل آخر ساهم في صعود الاسلام الليبرالي ، هو فشل الايديولوجيات البديلة. وعلى وجه الخصوص بدا ان هناك شعورا متزايدا بان الانظمة الاسلامية لم تحقق وعودها. فالسودان وباكستان ، على سبيل المثال، اثبتا انهما لا يقلان فسادا عن الانظمة الاخرى بعد ان ارتدت حكومتهما الحلّة الاسلامية. كما ان حكم طالبان في افغانستان يثير رعب معظم المسلمين.
ولعل خيبة الامل الرقم واحد لدى "الاصوليين" الاسلاميين كانت ايران. فالثورة الايرانية العام 1979 اثارت كبار الآمال بين المسلمين في ماليزيا وافريقيا وفي كل انحاء العالم الاسلامي. وقد كان يفترض ان تكون ايران منارة الحركات الاسلامية بوصفها اول محاولة منذ القرن السابع لأقامة مجتمع اسلامي حقيقي. ولذا كان مؤلما لهؤلاء الناس ان يجدوا حلمهم وقد تبدد هباء منثورا.
وثمة امثلة اخرى عن خيبات الامل المؤلمة، وعن المحصلات الليبرالية التي تولدت منها.
خذوا مثلا نموذج عبد الكريم سوروش، وهو الرجل الذي صفّق بحماسة للجمهورية الاسلامية في سنواتها الاولى وشارك في اعادة التنظيم الثورية للجامعات في ايران التي تضمنت تصفية العديد من كبار الاساتذة تحت شعار النقاء الديني.
لكن في اواسط الثمانينيات بدأ سوروش يبتعد عن اللجان الثورية التي ساهم في تأسيسها، بعد ان بدأ يشعر ان الثورة لم تدشن حقبة جديدة من العدالة والحق، فاطلق الحملات للمطالبة باعادة تفسير القانون الاسلامي وللسماح بالحريات الاكاديمية والفكرية.
وهكذا انقلب سوروش في التسعينيات الى واحد من اهم نقاد النظام استنادا الى خلفيات ليبرالية. وهكذا ايضا فان الثورة الاسلامية في ايران لم تساهم (عن غير قصد بالطبع) في توليد الافكار الليبرالية وحسب، بل هي تضرب حتى ذاكرة المثل الاسلامية.

حصار الليبرالية


مع أن هناك مسلمين يجدون قواسم مشتركة مع الليبراليين الغربيين، الا ان الاسلام الليبرالي ليس بدون خصوم في الغرب كما الشرق. فالبعض يدعي بان الاسلام الليبرالي "غير اصيل" ، او انه اختراع غربي ولا يعكس التقاليد الاسلامية "الحقيقية".
وكما هو معروف، الحركات الاصولية تنمو كالفطر عالميا طيلة ربع القرن المنصرم. وهذا لا يقتصر على الاسلام بل على كل الاديان الاخرى كالهندوكية في الهند والقبلية في افريقيا التي ادت الى المذابح الاخيرة.
واحدى المميزات الحاسمة لهذا الاهتمام المتجدد بالاصولية هي الفكرة بان في وسع المرء الادعاء يان ثقافته مستقلة ومعزولة ومتفوقة على الثقافات الاخرى ، كما ان لها حدودا واضحة.
ولأن الاسلام الليبرالي له اهتمامات مشتركة مع الليبرالية الغربية، فان الاصوليين لا يعتبرون اجتهاداته "اصيلة" او اسلامية. وبالطبع مثل هذه المعارضة تتجاهل التاريخ الطويل من الاستعارات الثقافية والنفوذ الفكري الذي عبر الحدود في اتجاهين بين الاسلام والغرب.
والحال ان ادانة الاسلام الليبرالي بانه غير اصيل، تقود مباشرة الى رفض التسامح معه سواء كان على حق او باطل. وهكذا فان الاسلامي البريطاني غاي ايتون يصف الاسلاميين الليبراليين بانهم "العم طوم" ، وهو تعبير يستخدمه الاميركيون الافريقيون لوصف الشخص الاسود الخانع امام البيض.
اضافة، الجهل الغربي يفرض تحديا آخر على الاسلام الليبرالي. فلقرون عدة طوّر الغرب صورة نمطية عن الاسلام بوصفه "الآخر" السيء والشرير. وقد تمت مطابقة الايمان الاسلامي مع التعصب ، كما مع فولتير، والسلطة السياسية الاسلامية مع الاستبداد، كما مع تعبير "الاستبداد الشرقي" الذي وضعه مونتسكيو، والتقاليد الاسلامية مع التخلف والبدائية كما مع ارنست رينان الذي قال : "ان الاسلام هو النفي الكامل لأوروبا. وهو مناف للعلم وقامع للمجتمع المدني. انه البساطة السامية الساذجة التي تقيّد العقل وتُطبق على كل الافكار الرقيقة وكل البحث العقلاني."
وبالطبع يتعين على الغرب وضع هذا التحيز جانبا الآن بعد ثورات الربيع العربي، كما يجب ان يفهم بشكل افضل الفروقات داخل الحركات الاسلامية .
ابرز مثال على هذه الفروقات هو التاريخ الحديث للجزائر، حيث كانت جبهة الخلاص الاسلامي منقسمة الى اجنحة راديكالية وليبرالية. وخلال انتخابات 1991 و1992 كانت اليد العليا للتيار الليبرالي. وقد ادلى زعيمه عباس مدني بسلسلة تصريحات هدفها تبديد مخاوف الجزائريين والغربيين من نوايا جبهة الخلاص،  مثل قوله ان "التعددية هي ضمانة الثروة الثقافية والتنوع ضروري للتطور. اننا مسلمون لكننا ليس الاسلام نفسه. اننا لا نحتكر الدين. والديمقراطية كما نفهمها تعني التعددية وخق الاختيار والحرية."
لقد فازت جبهة الخلاص ب81 بالمائة من الاصوات في الجولة الاولى من عمليات الاقتراع واوشكت على الوصول الى السلطة حين قام الجيش الجزائري بدعم من فرنسا والولايات المتحدة بحظر جبهة الخلاص واعتقال زعمائها.
والحصيلة كانت تهاوي مواقع الليبراليين داخل الحركة الاسلامية بسبب تمسكهم بقواعد الديموقراطية، وسيطرة الجناح الراديكالي الذي عمد حتى الى تصفية النشطين الاسلاميين الليبراليين الذين اعترضوا على الارهاب.
لقد كان عجز الغرب عن الايمان ان ثمة شيئا اسمه الاسلام الليبرالي كارثة محققة.
فهل يستمر هذا العجز الان ليقود الى كارثة أخرى ، ناسفا بذلك كل الورود الليبرالية التي تتفتح الان في الشرق الاسلامي؟.
لايبدو أن الأمر كذلك. فالزواج غير المقدس الذي أبرم قبل نيف وسبعين سنة على ظهر بارجة عسكرية أميركية بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز، تهاوى مع تداعي برجي التجارة العالمبة في نيويورك. ومايجري الآن في المنطقة العربية هو نواة تحالف من نوع جديد بين الغرب وبين الإسلام في حلّته الليبرالية الجديدة المتمثلة بقبول العديد من الحركات الإسلامية مباديء وشروط الليبرالية الديمقراطية.
ومع أن مستقبل مثل هذا التحالف سيكون رهناً بمدى قدرة الإسلام السياسي على مواصلة التأقلم مع القواعد الديمقراطية، إلا أن صعود الإسلام الليبرالي بدأ وهو سيعيد تصحيح خطيئة ارتكبت قبل 800 عام على يد التطرف الانغلاقي، وأدّت إلى تحويل الحضارة الإسلامية من صانع للحداثة والحضارة إلى رجلهما المريض والمتخثر. إنه التاريخ العقلاني وهو يشحذ سيف الانتقام.
صفِّقوا للإسلام الليبرالي الصاعد.

                                                                                سعد






الأحد، 22 يوليو 2012

كيف تخرج انتفاضة البحرين من "حالة اليُتُم?






                                                                            - I -
إلى متى يمكن أن تبقى البحرين "الحلقة المفقودة" في سلسلة الربيع العربي؟
هذا السؤال طرح نفسه بقوة، بعد أن أثبتت مظاهرات الأمس الصاخبة في البحرين وما تخللها من قمع عنيف للمواطنين، أن الانتفاضة البحرينية لا تزال حية وتركل وانها وجدت لتبقى.

                                 انتفاضة البحرين: ماشروط الانتصار (غوغل)

لكن هذه الانتفاضة في هذه الدولة الخليجية الصغيرة التي تتكوّن من 33 جزيرة والتي يبلغ تعداد سكانها الأصليين 500 ألف شخص يضاف إليهم 500 ألف آخرين من جنسيات آسيوية وإيرانية وعربية، لاتزال يتيمة (إذا جاز التعبير).
صحيح أن انتفاضات تونس ومصر جوبهت هي الأخرى  في بدايتها بمحاولات إجهاض من جانب تكتل الأنظمة السلطوية التي كانت تهمين على المنطقة العربية، إلا أن الثورة الشعبية في البحربن كانت الأكثر عُرضة إلى الحصار والقمع بسبب "سوء حظها" الجيو- استراتيجي.
 إذ هي تقع في قلب الحصن الأخير للأنظمة السلطوية العربية في منطقة الخليج. كما أنها العرين الرئيس للاسطول الخامس الأميركي الذي يقود العمليات العسكرية في منطقة شاسعة تمتد من البحر الاحمر إلى مياه الخليج والمحيط الهندي.
والأهم أن هذا الأرخبيل الصغير، الذي تشكّل فيه الصحراء 92 في المئة من مساحته والذي أطلق عليه البحرين بسبب تداخل البحر مع ينابيع المياه الحلوة فيها، يقع ضمن دائرة الاهتمامات التوسعية والاستراتيجية والتاريخية لإيران في منطقة الخليج. إذ أن طهران تعتبر نفسها "لاعباً محلياً" في الشأن البحريني وتطالب بين الفينة والأخرى بـ"استعادة" الجزيرة وضمّها إلى أراضيها، مُذكِّرة بأن الامبراطورية الفارسية حكمت هذه البلاد من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن السابع مع مجيء الإسلام، ثم منذ العام 1602 ولمدة قرنين حين فرض عباس من السلالة الصفوية المذهب الشيعي فيها.
أكثر من ذلك، قامت إيران بالفعل بمحاولات جدّية لتقويض نظام الحكم في البحرين بالقوة.
 ففي العام 1981، وبعد سنتين من انتصار الثورة الإسلامية في إيران، شجّعت طهران أصوليين شيعة بحرينيين على القيام بمحاولة إنقلاب بإشراف "المنظمة الإسلامية لتحرير البحرين"،  بهدف تغيير نظام الحكم وجعله ثيوقراطياً (دينياً) ، برئاسة رجل دين شيعي بحريني منفي إلى إيران هو حجة الإسلام هادي المدرسي. وفي العام 1994، شن الأصوليون الشيعة موجة من أعمال العنف أشعلت فتيلها مشاركة النسوة في حدث رياضي.

- II -
الموقع الجغرافي- التاريخي، إذا، يعتبر عاملاً مهماً في تعقيد صورة الانتقاضة البحرينية.
 ولذا، وعلى رغم أن البحريينيين أثبتوا في غالبيتهم مراراً وتكراراً  أنهم بحرينيون أولاً (حين صوّتوا إلى جانب استقلال بلادهم ورفض الانضمام إلى إيران)، وحين شاركوا في كل مراحل الحياة السياسية في البلاد (عبر خوض المعارك الانتخابية)، إلا ان لعنة الجغرافيا تفرض عليهم مستلزمات أخرى لاتواجهها الانتفاضات العربية الأخرى.
أولى هذه المستلزمات، أن تعي المعارضة الوطنية بأن مصير مسيرتها يرتبط بشكل وثيق بمصير الربيع العربي في منطقة الخليج. فالديمقراطية في المنامة تفترض الديمقراطية في الرياض والكويت وباقي المنظومة الخليجية. وهذا يجب أن يدفع إلى صياغة استراتيجية بعيدة المدى لتوحيد جهود كل قوى الإصلاح الخليجية. فالسفينة واحدة، والبحر واحد، والرياح يجب أن تكون واحدة كما تشتهي هذه السفينة.
ثاني المستلزمات، أن تمتلك المعارضة الجرأة الكافية للوقوف في وجه كل من إيران والسعودية في آن، وأن تُثبت بالقول والفعل أن الوطنية البحرينية مستقلة وعلى مسافة واحدة بين هذين العملاقين الإقليميين، اللذين تدفعهما تركيبتهما السياسية إلى ممارسة سياسات خارجية طائفية- مذهبية.
ثالث المستلزمات أن تنشط المعارضة البحرينية في الدول التي انتصر فيها الربيع العربي، كي توضح لها أن انتفاضتها وطنية وعروبية لاطائفية، وأن العناصر الشيعية المتطرفة في البلاد هي أقلية معزولة، ويمكن أن تُعزل أكثر إذا ما حظيت هذه الانتفاضة بدعم الثورات العربية الأخرى.
بالطبع، مثل هذا المسعى لن يكون سهلاً، بسبب مضاء  سطوة العضلات المالية الخليجية في الدول العربية المُنتقلة إلى الديمقراطية (كما دلّت على ذلك بوضوح زيارة الرئيس المصري مرسي للسعودية). بيد أنه (المسعى) ليس مستحيلاً أيضا، بسبب "الحرب الأهلية" المتوقعة بين الإسلام الديمقراطي والإسلام اللاليبرالي في المنطقة.

بكلمات أوضح: يتعيّن على الانتفاضة البحرينية أن تشق طريقها في مسيرة تشبه طبيعتها الجغرافية. فكما أن البحر يعانق الينابيع الحلوة فيها، عليها هي أن تكتشف "المياه الحلوة" الاستراتيجية الإيجابية لها في خضم البحر الإقليمي اللجب والمتلاطم. فمصير ما هو وطني في البحرين، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما هو إقليمي خليجي. وبما أن هذا العامل الإقليمي يمر هو الأخر بمرحلة انتقالية لابد أن يخترقها فصل الربيع العربي، تُصبح الآمال بانتصار الوطنية البحرينية أكبر مما قد يتخيّل الكثيرون.

                                                            - III -
في التاريخ القديم، شهدت البحرين حدثاً جللاً زلزل كل منطقة الخليج والعالم الإسلامي. ففي العام 899 ميلادي سيطرت فرقة إسماعيلية خَلَاصية هي القرامطة على البلاد، وسعت إلى خلق مجتمع  اشتراكي طوباوي يستند إلى العقل وتوزيع كل الملكيات بالتساوي بين أتباعها. وفي العام 930 نهبت الفرقة مكة والمدينة ونقلت الحجر الأسود المقدّس من الكعبة إلى قاعدتهم في البحرين، ولم تفرج عنه إلا بعد 22 سنة.
التاريخ الحديث لايتطلب بالطبع من البحرين مثل هذه الزلزال العنيف، بل يتطلب مد الجسور إلى قوى الإصلاح في مكة والمدنية وباقي مناطق الحجاز ونجد، وكذلك تقديم أنموذج  لشيعة المنطقة الشرقية السعودية ترتفع فيه يد الوطنية فوق الأيادي الطائفية.
وهذا رهان في محله في الواقع. فالشعب البحريني يعتبر من الأكثر ليبرالية وإنفتاحاً وثقافة، ليس فقط في منطقة الخليج بل أيضاً في كل المنطقة العربية. ويكفي أن نعلم هنا أن البحرين تنشر سنوياً ما معدله 137 كتاباً لعدد سكان لايناهز نصف المليون، هذا في حين أن المعدل في العالم العربي برمته كان في ذلك العام سبع كتب لكل مليون مواطن.
الانتفاضة البحرينية ولدت لتبقى، وستبقى. لكن خروجها من حالة "اليتم" بين ثورات الربيع العربي يتطلب منها أن تفكّر بعقلية استراتيجية إقليمية- دولية في الدرجة الأولى، وبنفس طويل ولكن واثق بأن رياح التاريخ تهب في اتجاهها. وإذا مافعلت، فإنها لن تكون "الحلقة المفقودة" في ثورات هذا الربيع، بل "حلقة الوصل" بين هذه الثورات.


                                                                                       سعد
  

السبت، 21 يوليو 2012

السعودية: حول "صقورية" الأمير بندر





- I -
العنوان الرئيس الذي استُخدم على نطاق واسع في الغرب لوصف صعود نجم الأمير بندر في مدارج السلطة السعودية هو: " "شخصية صقرية لسياسة خارجية صقرية".
لكن، هل هذا التعبير دقيق؟


                                  بندر مع بوتين: البراغماتية اولا(غوغل)

ربما هو كذلك في ما يتعلق بسورية هذه الأيام. فهذا الرجل، الذي انهمك أكثر من غيره في الجهود لـ"ترويض الأسد" حتى حين اتُهِم هذا الأخير باغتيال أهم أتباع بندر (الرئيس رفيق الحريري)، يعرف أن هذه المحاولات لاطائل منها، وأن الحسم هي اللغة الوحيدة التي يفهمها هذا الرجل.
لكن، هل الوصف الصقوري ينطبق أيضاً على باقي مناحي السياسة الخارجية؟
البعض يتوقع أن يكون الأمر كذلك، خاصة بالنسبة إلى الصراع الراهن المكشوف على النفوذ بين السعودية وإيران. إذ أن تراقص نظام بشار الأسد على شفير السقوط، وبالتالي احتمال خسارة طهران لأهم نفوذ استراتيجي لها منذ أيام قورش الكبير قبل نيف وألفي سنة، لابد أن يدفعها إلى التخندق في أماكن في المنطقة، في مقدمها العراق ولبنان.
كيف؟
لا أحد يستطيع أن يجزم بعد ما إذا كانت إيران ستتصرف كذئب جريح أو كلاعب بوكر حاذق. إذ على رغم الباع الطويل لبلاد الخميني في التقية الباطنية والخبث الفارسي، إلا أن أوضاعها الاقتصادية- الاجتماعية المتدهورة بشدة في الداخل، قد تدفعها إلى التصعيد في الخارج. وهذا قد يأخذ شكل دفع قوى الشيعية السياسية في العراق إلى مواصلة فرز الألوان مذهبياً وتحويل "ديكتاتورية" نوري المالكي الفردية الناشئة إلى ديكتاتورية مذهبية عامة (في حال وافق على ذلك وقرر التخلي عن حليفه الرئيس الأميركي). كما قد تأخذ شكل لعب ورقة حزب الله في لبنان، إما عبر تشجيعه على إعادة فتح الجبهات مع إسرائيل، أو محاولة القفز إلى السلطة السياسية المباشرة في بيروت. وهذا يمكن أن يتم من خلال المطالبة بنظام سياسي جديد يقوم على المُثالثة وعلى تناوب رئاسة الحكومة بين السنّة والشيعة، أو حتى على سيطرة الشيعة على رئاسة الوزراء.
احتمال التصعيد الإيراني، إذا، وارد. لكن التاريخ الدبلوماسي للأمير بندر لايشي بأنه قد يرد فوراً بشكل "صقري" عليه، قبل أن يحاول إعادة طهران إلى القفص الحواري. وهنا يجب ألا ننسى أن الطرف الذي عرقل حصول إدارة بوش السابقة على تفويض من مجلس الأمن لضرب إيران، كان هو نفسه بندر حين طار إلى موسكو وطلب منها عرقلة هذا المسعى. آنذاك، لم يكن من مصلحة الرياض نشوب حرب كبرى جديدة في منطقة الخليج.
البراغماتية هنا هي على الأرجح التي ستحكم سعيدا العلاقات السعودية- الإيرانية، سواء أكان ذلك باتجاه التبريد أو التسخين.
لكن، هل "المسألة الإيرانية" هي كل جوهر السياسة الخارجية السعودية في هذه المرحلة؟

- II -

إنها جزء كبير منها، لكنها ليست كلها. لا بل يشك الكثيرون بأن ثمة قاسماً مشتركاً ما بين الطرفين في هذه الأيام، يتمثّل في التوجس من مضاعفات الربيع العربي.
موقف السعودية من هذا الربيع اتضح منذ اللحظة الأولى لاندلاعه. لكن موقف طهران بدأ ينجلي الآن بعد أن اكتشفت أن الصعود الإسلامي في المنطقة العربية، بدأ يصب في خانة الإسلام التركي الصوفي والديمقراطي، لا في خانة الثورية الشيعية الخمينية. وبالطبع، هذا قد ينعش في وقت قريب آمال الثورة الخضراء الإيرانية بالخروج من معتقل ولاية الفقيه إلى رحاب الحرية والديمقراطية.
هذه الحقيقة، أي كون الربيع العربي، بكل مكوناته وانقلاباته الإديولوجية والثقافية والاجتماعية، عنصراً استراتيجياً في أي سياسة خارجية لأي دولة، لن تنفع معه السياسات الصقورية، بل هو سيحتاج إلى فكر جديد، و أنموذج(Paradigm) جديد، ومقاربة تنطلق من الداخل إلى الخارج، لا فقط من الخارج إلى الداخل.
صحيح أن بإمكان المملكة أن تؤثِّر على مسار عمليات الانتقال إلى الديمقراطية، عبر تمويل ودعم الحركات السلفية (كما فعلت في مصر خلال الانتخابات).  لكن السلفيين لن يكونوا قادرين لا الآن ولا غداّ على تشكيل بديل حقيقي يكون مقبولاً من الغرب وقابل للحياة، عن القوى الإسلامية التي نضحت خلال العقود الثلاثة الأخيرة في مجال الحياة السياسية والانتخابية والديمقراطية.
وصحيح أن المملكة، ومن خلال استخدام عضلاتها المالية الضخمة، في وسعها "شراء" عدم دعم الأنظمة الإسلامية للقوى الإسلامية والإصلاحية السعودية والخليجية المطالبة بالمشاركة في السلطة، لكن هذا لن يؤدي إلى وقف التأثر الذاتي لهذه القوى بكل مايجري من تمخضات ديمقراطية في تونس ومصر وليبيا، وقريباً في السودان وسورية والبحرين، وربما في الكويت وعُمان.

- III -
ماذا يعني كل ذلك؟
أمراً واحدا: مالم تكن السياسة الخارجية في هذه المرحلة امتداداً للسياسة الداخلية الإصلاحية، فإنها ستكون مجرد صرح كرتوني سرعان ماستجرفه تطورات محلية مفاجئة. وإذا ما كان البعض يعتقد أن بلاده ستكون الاستثناء في الربيع العربي، فعليه أن يتذكّر أمرين. الأول، أن مبارك والقذافي والأسد كلهم أجمعوا على أن دولهم ليست تونس. والثاني، أن الربيع العربي ليس بعيداّ البتة في الواقع عن إرادة واشنطن والعولمة. وهذان الطرفان الأخيران، وكما دلّت صراعات مصر الأخيرة بين الإخوان والجيش، لن يقبلا بأي "تسوية خلافات" مع السعودية وبقية دول الخليج، ما لم تتضمن هذه التسوية خريطة طريق واضحة للإصلاح والتغيير، خاصة بعد أن تضع الأزمة السورية أوزارها.
* * *
هل تلمسنا الآن لماذا السياسة الصقرية وحدها لن تكون كافية ، في هذه المرحلة الصاخبة من تاريخ الشعوب العربية؟
سعد
___________

 (*) ملاحظة: سقط سهواً أمس اسم كتاب وليام سيمبسون عن الامير بندر، وهو:
The Prince
The secret story of the world's most intriguing royal
Prince Bandar Bin Sultan
ًWilliam Simpson
Regan- An imprint of Harpercollins publications - 2006
__________________________________